1 min read
إدانة تاريخية لجرائم اليرموك في السويد تحمل دروسًا مهمة

إدانة تاريخية لجرائم اليرموك في السويد تحمل دروسًا مهمة

أصدرت محكمة مقاطعة سولنا الجزئية في ستوكهولم، في 4 أيار/مايو 2026، حكمًا بالسجن المؤبد على محمود س. بعد إدانته بارتكاب انتهاكات جسيمة للقانون الدولي في "مخيم اليرموك" جنوب دمشق خلال عامي 2012 و2013. وخلصت المحكمة إلى مسؤوليته عن المشاركة في إطلاق النار على مظاهرة سلمية بتاريخ 13 تموز/يوليو 2012، وعن دوره في أحد الحواجز الأمنية حيث كان يتم فيها تحديد هوية المدنيين واحتجازهم وتسليمهم إلى أجهزة الأمن السورية رغم العلم بالمخاطر المعروفة التي كانت تهددهم، بما في ذلك التعذيب وسوء المعاملة الشديد والموت. وجاء الحكم عقب محاكمة استمرت خمسة أشهر وشملت 54 يومًا من جلسات الاستماع، راقبها المركز السوري للعدالة والمساءلة بالشراكة مع مركز ضحايا التعذيب وطلاب من جامعة ستوكهولم. ويكتسب هذا الحكم أهمية خاصة ليس فقط لأنه يمثل أول إدانة بجرائم حرب مرتبطة بمخيم اليرموك، بل أيضًا لأن المحكمة وضعت أعمال العنف المحلية تلك في سياق البنية الأوسع للفظائع الجماعية التي شهدتها منطقة "مخيم اليرموك"، وأكدت استمرار أهمية مبدأ الولاية القضائية العالمية في ملاحقة الجرائم المرتبطة بسوريا.

وقائع القضية: من مظاهرة سلمية إلى انتهاكات على الحواجز الأمنية

تناولت استنتاجات المحكمة تهمتين منفصلتين. أولًا، أُدين محمود س. بالمشاركة في هجوم مسلح استهدف مظاهرة سلمية مناهضة للحكومة في مخيم اليرموك، ما أسفر عن مقتل وإصابة عدد من المدنيين، وكان هذا الهجوم مرتبطًا بنزاع مسلح غير دولي. وثانيًا، أُدين لمشاركته في إدارة أحد الحواجز الأمنية خلال الفترة الممتدة بين كانون الأول/ديسمبر 2012 وتموز/يوليو 2013، حيث كان يتم توقيف المدنيين وتفتيشهم والتحقق من هوياتهم، ثم يُحالون إلى السلطات التي تعرض كثير منهم للتعذيب، فيما قُتل آخرون. وتكتسب هذه الاستنتاجات أهمية قانونية خاصة لأنها تربط بين مشاركة الفرد في الانتهاكات وبين نمط أوسع من الانتهاكات الممنهجة ضد المدنيين خلال النزاع المسلح في سوريا، بدلًا من التعامل مع كل واقعة باعتبارها حادثة منفصلة ومعزولة عن سياقها الأوسع.

محاكمات متوازية وتحقيقات عابرة للحدود

لا يُنظر إلى الحكم الصادر بحق محمود س. باعتباره قضية معزولة، بل يأتي في سياق محاكمة أوسع تتعلق بمخيم اليرموك تُعقد في مدينة كوبلنتس الألمانية، حيث يُحاكم خمسة متهمين على جرائم مرتبطة بالمنطقة نفسها وبفترات متداخلة من أعمال العنف، وهم: جهاد أ.، ومحمود أ.، ومظهر ج.، وسمير س.، ووائل س. وقد بدأت هذه المحاكمة في 19 تشرين الثاني/نوفمبر 2025. وتُظهر هذه الإجراءات القضائية القيمة العملية للتحقيقات العابرة للحدود، وشهادات الضحايا، والتعاون بين أجهزة الادعاء والشرطة والأطراف المدنية، إذ جاءت نتيجة تعاون وثيق بين ألمانيا والسويد. كما تكشف في الوقت ذاته حدود العدالة المجزأة؛ ففي السويد، لم تُوجَّه إلى محمود س. اتهامات تتعلق بانتهاكات ممنهجة لحقوق الإنسان أو بأفعال أخرى مرتبطة بحصار مخيم اليرموك، مثل التجويع المزعوم. في المقابل، يواجه محمود أ. في القضية المنظورة أمام محكمة كوبلنتس تهمة استخدام التجويع كجريمة حرب.

كما تشمل القضية الألمانية اتهامات بارتكاب جرائم حرب أخرى وجرائم ضد الإنسانية، ما يتطلب تحقيقًا أعمق في الهياكل التنظيمية التي يُزعم أنها كانت وراء تلك الجرائم. وبالمجمل، تسهم هذه القضايا في تكوين سجل قضائي وتاريخي أكثر اكتمالًا للجرائم المرتكبة بحق المدنيين في مخيم اليرموك.

الطابع العلني للإجراءات الجنائية

تثير محاكمة محمود س. أيضًا تساؤلات مهمة حول كيفية موازنة المحاكم بين مبدأ الشفافية وحماية الشهود. ففي السويد، عُقدت أجزاء من الشهادات في جلسات مغلقة، إلا أن الحكم المنشور للعموم يتضمن قدرًا كبيرًا من المعلومات التعريفية التي يبدو أن تنقيحها وحجبها اقتصر على نطاق محدود. ويُظهر ذلك أن ممارسات حماية الشهود لا تسير دائمًا في اتجاه واحد؛ فقد تقرر المحكمة تقييد الوصول العلني أثناء الجلسات، ثم تكشف لاحقًا تفاصيل جوهرية في حكمها المكتوب. وعلى النقيض من ذلك، تطبق المحاكم الألمانية عمومًا معايير صارمة لاستبعاد الجمهور من حضور المحاكمات الجنائية، لكنها تعتمد في المقابل على حجب أجزاء كبيرة من الأحكام قبل نشرها. وتكتسب هذه الاختلافات أهمية بالغة، لا سيما في سياق الإجراءات القضائية المتوازية، حيث لا تزال إحدى المحاكمتين جارية. علنية الجلسات تمثل ضمانة أساسية من ضمانات المحاكمة العادلة وآلية مهمة للمساءلة العامة، لكن حماية الضحايا والشهود تُعد بدورها أمرًا بالغ الأهمية. وتُبرز المحاكمات المتوازية التي تتضمن شهودًا مشتركين أو متداخلين هذه التوترات بصورة أوضح، وتؤكد الحاجة إلى معايير أكثر وضوحًا واتساقًا لحماية الشهود والضحايا عبر مختلف الولايات القضائية.

الولاية القضائية العالمية في أوروبا ومستقبل المساءلة في سوريا

يأتي الحكم الصادر بحق محمود س. في وقت تدخل فيه عدة قضايا مرتبطة بسوريا أمام المحاكم الأوروبية مراحل حاسمة. وبدلًا من أن يشير هذا الحكم إلى تراجع دور الولاية القضائية العالمية أو اقترابه من نهايته، فإنه يؤكد استمرار ضرورتها وأهميتها. فلا تزال المحاكم الأوروبية من بين الجهات القليلة القادرة على ملاحقة الجرائم الدولية الأساسية المرتكبة خلال النزاع السوري، وذلك في إطار يتسم بقدر نسبي من الاستقلالية والضمانات الإجرائية وإتاحة مشاركة فعّالة للضحايا. كما تواصل هذه المحاكم إنتاج سجلات مفصلة للوقائع يمكن أن تشكل موردًا مهمًا لجهود المساءلة المستقبلية في أماكن أخرى.

في الوقت ذاته، بدأت جهود المساءلة داخل سوريا تتخذ ملامح أكثر وضوحًا وتستقطب اهتمامًا متزايدًا. وقد تؤدي هذه الإجراءات دورًا مهمًا في المرحلة الانتقالية، لكنها لا تشكل حتى الآن بديلًا كاملًا عن قضايا الولاية القضائية العالمية المنظورة في أوروبا. وتتمثل إحدى أبرز القيود في الإطار القانوني الناظم لهذه القضايا؛ إذ إن المحاكمات المحلية التي لا تتضمن اتهامات بجرائم الحرب أو الجرائم ضد الإنسانية أو أنماط المسؤولية الجنائية مثل مسؤولية القيادة، قد تؤدي إلى توصيف غير دقيق لحجم العنف المرتكب وطبيعته. ولا تقتصر أهمية التوصيف القانوني السليم على ضمان حقوق المتهمين فحسب، بل تمتد أيضًا إلى الضحايا والناجين. فالمسألة لا تتعلق بمجرد تفصيل قانوني أو إجرائي، بل تُعد جزءًا أساسيًا من الاعتراف بالحجم الكامل للضرر.

لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت قضايا من قبيل محاكمات اليرموك ستصبح ممكنة قريبًا داخل سوريا. لكن ما هو واضح أن تأخير إنشاء إطار متين للعدالة الانتقالية يترتب عليه أثمان حقيقية. ففي غياب أساس قانوني يتيح ملاحقة الجرائم الدولية الأساسية وتحديد أنماط المسؤولية الجنائية التي تعكس كيفية تنظيم هذه الجرائم وتنفيذها، قد تجد المحاكم المحلية صعوبة في استيعاب الأبعاد الكاملة للفظائع المرتكبة. ولا تقتصر النتيجة في هذه الحالة على وجود ثغرة قانونية فحسب، بل تمتد أيضًا إلى فجوة في الاعتراف التاريخي بهذه الجرائم.

إن المسار الأمثل والأكثر فاعلية للمضي قدمًا لا يكمن في المفاضلة بين العدالة في أوروبا والعدالة في سوريا، بل في بناء علاقة أكثر تنسيقًا وتكاملًا بينهما. وتُظهر قضية محمود س. ما يمكن تحقيقه عندما تتعاون المحاكم وأجهزة إنفاذ القانون والناجون والمجتمع المدني بشكل وثيق. وتتمثل الخطوة التالية في تعزيز المساعدة القانونية المتبادلة، وتحسين تدابير الحماية، وضمان أن تعكس الإجراءات القضائية المستقبلية - أيًّا كان مكان انعقادها - الضرر الفردي الذي لحق بالضحايا من جهة، والبنى والأنظمة الأوسع التي أتاحت ارتكاب تلك الجرائم من جهة أخرى.

________________________________

للمزيد من المعلومات أو لتقديم ردود الأفعال والآراء، يرجى إدراج تعليقك في قسم التعليقات أدناه، أو التواصل مع المركز السوري للعدالة والمساءلة على [email protected]. كما يمكنكم متابعتنا على فايسبوك و تويتر. اشترك في نشرتنا الأسبوعية ليصلك تحديثات عن عمل المركز.