1 min read
محاكمة عاطف نجيب تُبرز الحاجة إلى قانون للعدالة الانتقالية

محاكمة عاطف نجيب تُبرز الحاجة إلى قانون للعدالة الانتقالية

 يقوم المركز السوري للعدالة والمساءلة برصد إجراءات محاكمة عاطف نجيب من خلال حضور وتوثيق كل جلسة، وذلك بهدف تعزيز إمكانية وصول الجمهور إلى المعلومات، والحفاظ على سجل شفاف للأدلة والشهادات، وتقييم كيفية تعامل المحاكم السورية مع القضايا التي تورط فيها مسؤولون سابقون رفيعو المستوى متهمون بارتكاب انتهاكات جسيمة.

تُعد محاكمة عاطف نجيب وغيره من المتهمين أمام "المحكمة الجنائية الرابعة" في سوريا بمثابة اختبار حاسم للمساءلة المحلية؛ إذ تُمثل أول ملاحقة قضائية لمسؤول سابق في نظام الأسد أمام هذه المحكمة، التي خُصصت للنظر في القضايا المتعلقة بعملية العدالة الانتقالية. ورغم أننا لا نزال في المراحل الأولية لهذه العملية، إلا أنها قد أبرزت بالفعل الحاجة إلى سن قانون متين للعدالة الانتقالية، وإلى تطبيق إجراءات تحقيق أكثر صرامة ودقة.

الأساس القانوني للتهم

في الجلسة التي عُقدت بتاريخ 10 مايو/أيار، نظرت المحكمة في الأساس القانوني للتهم الموجهة في هذه القضية، مستندةً في ذلك إلى كل من القانون المحلي والقانون الدولي فيما يتعلق بتهم القتل، والتعذيب، والاحتجاز التعسفي، والتحريض؛ وهي تهم تمس الحق في الحياة، والسلامة الجسدية، والحرية، والكرامة الإنسانية. وكان الركيزة الأساسية لاستناد المحكمة إلى القانون الدولي هي "الإعلان الدستوري" السوري لعام 2025، الذي أدرج مصادقة سوريا على معاهدات حقوق الإنسان ضمن منظومة القانون المحلي. وبناءً على هذا الأساس، أشارت المحكمة إلى وقوع انتهاكات للقانون الدولي الإنساني، وجرائم حرب، بالإضافة إلى جرائم ضد الإنسانية. كما خلصت المحكمة إلى وجود مسؤولية جنائية مزدوجة: مسؤولية فردية ومسؤولية قيادية.

مبدأ الشرعية

تُعد "المحكمة الجنائية الرابعة" محكمة محلية، ولا تمتد ولايتها القضائية إلا لتشمل الجرائم المحلية. غير أن القانون المحلي السوري لا يُجرم أفعالاً مثل جرائم الحرب أو الجرائم ضد الإنسانية. وعليه، يمكن القول إن ملاحقة عاطف نجيب قضائياً في هذا السياق تنتهك "مبدأ الشرعية"؛ وهو مبدأ جوهري في القانون الجنائي يحظر الملاحقة القضائية لجرائم (أو فرض عقوبات عليها) لم تكن محددة بوضوح وقابلة للتنبؤ بها وقت ارتكابها. ورغم أن الإعلان الدستوري قد أدرج معاهدات حقوق الإنسان ضمن القانون المحلي، إلا أنه لم يُعرّف جرائم الحرب أو الجرائم ضد الإنسانية، ولم يُقرر عقوبات محددة لمرتكبيها.

كما ينطبق مبدأ الشرعية على أنماط المسؤولية الجنائية، مثل "المسؤولية القيادية". وتُعد المسؤولية القيادية أداة مهمة لتحميل القادة العسكريين والحكوميين المسؤولية عن الأفعال الإجرامية التي يرتكبها مرؤوسوهم. ومن شأن المضي قدماً في قضية تتعلق بجرائم حرب دون إمكانية الاستناد إلى هذه الأداة القانونية أن يجعل عملية الملاحقة القضائية أكثر تعقيداً وصعوبة.

وثمة مسألة أخرى تتمثل في أن التهم الموجهة في هذه القضية -والتي تنبثق عن سلوك مزعوم وقع في درعا عام 2011- لا يمكن تصنيفها بشكل سليم على أنها "جرائم حرب"؛ وذلك لأن الوضع في درعا كان في المقام الأول عبارة عن احتجاجات شعبية قوبلت بقمع وعنف من جانب الدولة، وذلك قبل اندلاع النزاع المسلح. وعليه، فإن تصنيف مثل هذه القضايا على أنها "جرائم ضد الإنسانية" -ارتُكبت بحق مدنيين خارج سياق نزاع مسلح- يُعد تصنيفاً أكثر ملاءمة ودقة.

وأخيراً، ثمة مؤشرات أولية توحي بأن هذه القضية قد تم التعجيل بها خلال مرحلة التحقيق وصولاً إلى مرحلة المحاكمة، دون اتخاذ التدابير اللازمة، مثل استجواب الشهود الرئيسيين. ولكي يتمكن القضاء السوري من بناء مصداقيته، يتعين عليه أن يطمئن الرأي العام بأنه يجري تحقيقات شاملة ونزيهة؛ إذ لا يكفي أن تتحقق العدالة فحسب، بل يجب أن تكون العدالة مرئية وملموسة في نظر الجميع.

خاتمة

إن إسناد محاكمة "عاطف نجيب" إلى أحكام القانون الدولي يُعد خطوة إيجابية وضرورية. ومع ذلك، يتعين على سوريا أولاً إصدار قانون يُدرج "جرائم الحرب" و"الجرائم ضد الإنسانية" ضمن منظومتها القانونية الداخلية. ومن المرجح أن يؤدي إقرار قانون "العدالة الانتقالية" -الذي لا يزال حالياً في مرحلة المسودة- إلى معالجة هذه الهواجس، لا سيما فيما يتعلق بالقضايا التي قد تُرفع مستقبلاً؛ لذا ينبغي التعجيل بإقرار هذا القانون. كما يجب إيلاء الاعتبار الواجب للتصنيف القانوني السليم للسلوكيات التي تُوجه بشأنها التهم. وأخيراً، يتعين على القضاة ضمان اتباع إجراءات تحقيق شاملة ودقيقة للتحقق من الوقائع الجوهرية قبل الانتقال إلى مرحلة المحاكمة.

________________________________

للمزيد من المعلومات أو لتقديم ردود الأفعال والآراء، يرجى إدراج تعليقك في قسم التعليقات أدناه، أو التواصل مع المركز السوري للعدالة والمساءلة على [email protected]. كما يمكنكم متابعتنا على فايسبوك و تويتر. اشترك في نشرتنا الأسبوعية ليصلك تحديثات عن عمل المركز.