1 min read
محكمة العدالة الانتقالية الجديدة في سوريا: النشأة والدور القضائي للمحكمة الجنائية الرابعة

محكمة العدالة الانتقالية الجديدة في سوريا: النشأة والدور القضائي للمحكمة الجنائية الرابعة

أصبحت المحكمة الجنائية الرابعة واحدة من أولى الهيئات القضائية المحلية التي تحاول سوريا من خلالها معالجة الانتهاكات الجسيمة التي ارتُكبت في ظل حكومة الأسد السابقة. وتمثل إجراءاتها تطورًا مهمًا في سياق حُرم فيه الضحايا وعائلاتهم لفترة طويلة من الوصول إلى أي مسار رسمي للمساءلة داخل البلاد. ومع ذلك، تعمل المحكمة ضمن إطار قانوني لا يزال غير مهيأ بالكامل للتعامل مع طبيعة وحجم القضايا المعروضة أمامها. ففي ظل غياب قانون خاص بالعدالة الانتقالية أو ولاية قضائية استثنائية محددة بوضوح، تبقى قدرة المحكمة محدودة فيما يتعلق بحجم الانتهاكات التي يمكنها الاعتراف بها، وأشكال المسؤولية التي تستطيع إثباتها، ومدى قدرة إجراءاتها على توفير أساس فعّال لإيجاد الحقيقة، وجبر الضرر، وضمان عدم التكرار.

ما هي المحكمة الجنائية الرابعة؟

في حين لم تُقرّ سوريا حتى الآن تشريعًا يُنشئ محكمة متخصصة بالعدالة الانتقالية، فقد خصّصت الحكومة المحكمة الجنائية الرابعة في دمشق للنظر في القضايا المرتبطة بالعدالة الانتقالية. ولم يصدر أي إعلان رسمي يوضح بشكل صريح الكيفية التي مُنحت بموجبها هذه الدائرة القضائية صلاحية النظر في قضايا العدالة الانتقالية، إلا أن سلسلة من القرارات الإدارية تبدو وكأنها شكّلت تدريجيًا ملامح هذا الدور. فقد تم تعيين القاضي فخر الدين العريان، الذي أُعيد إلى منصبه بموجب المرسوم الرئاسي رقم 70 في حزيران/يونيو 2025، رئيسًا للمحكمة في كانون الثاني/يناير 2026، في حين افتتح وزير العدل السوري قاعة مخصصة للمحكمة داخل قصر العدل في نيسان/أبريل، وذلك قبيل أول محاكمة علنية لمسؤولين رفيعي المستوى ارتبطت أسماؤهم بحكومة الأسد السابقة.

بدأت أول قضية أمام المحكمة الجنائية الرابعة في 26 نيسان/أبريل، مع مثول عاطف نجيب حضوريًا أمام المحكمة. وتكتسب قضية نجيب أهمية خاصة بالنظر إلى دوره في بداية الأحداث عام 2011، إذ كان يشغل منصب رئيس فرع الأمن السياسي في درعا عندما أدت حادثة اعتقال وتعذيب أطفال المدارس إلى اندلاع أول موجة من الاحتجاجات الشعبية. كما استدعت المحكمة عددًا من المتهمين الغائبين، من بينهم بشار الأسد، وماهر الأسد، ووزير الدفاع السابق فهد جاسم الفريج، مؤكدةً بذلك مسؤولية القضاء القائم في النظر في جرائم تختلف جوهريًا عن الجرائم الجنائية المحلية التي اعتاد النظر فيها.

ما الجرائم التي يمكن للمحكمة الجنائية الرابعة ملاحقتها؟

نظرًا لأن القانون السوري لا يُجرّم بشكل شامل الجرائم ضد الإنسانية أو جرائم الحرب أو الإبادة الجماعية كجرائم مستقلة، فمن المرجّح أن تتم ملاحقة الأفعال التي قد تُصنَّف بموجب القانون الدولي كجزء من هجوم واسع النطاق أو ممنهج ضد المدنيين، من خلال جرائم عادية مثل القتل، والاعتداء، والاحتجاز غير القانوني، وأعمال التعذيب، أو إساءة استخدام السلطة. فعلى سبيل المثال، قد تتم ملاحقة الأفعال التي يمكن أن تُصنَّف قانونيًا كاختفاء قسري بموجب القانون الدولي باعتبارها مجرد احتجاز غير قانوني، دون التطرق إلى استمرار إخفاء مصير الضحية.

ويترتب على اعتماد هذا الإطار القانوني آثار جوهرية، إذ يؤدي إلى تجريد الجرائم من أبعادها الجماعية والسياسية. ففي قضية نجيب، لا تقتصر المسألة على ما إذا كان بالإمكان إثبات وقوع اعتقالات أو أعمال تعذيب أو قتل محددة، بل تتمثل أيضًا فيما إذا كانت المحكمة قادرة على إثبات أن هذه الأفعال كانت جزءًا من استجابة أمنية أوسع للاحتجاجات التي اندلعت عام 2011. وبموجب القانون الدولي، فإن اعتقال الأطفال وتعذيبهم، ووفاة المعتقلين، بمن فيهم الطفل حمزة الخطيب البالغ من العمر 13 عامًا، واستخدام الذخيرة الحية ضد المتظاهرين، تُقيَّم مجتمعةً لتحديد ما إذا كانت تشكّل جزءًا من هجوم واسع النطاق أو منهجي ضد المدنيين، بدلًا من التعامل معها باعتبارها مجرد أفعال منفصلة.

وبموجب قانون العقوبات السوري، لا تستطيع المحكمة سوى التركيز على ما إذا كانت أفعال محددة قد وقعت بالفعل، وما إذا كان بالإمكان تحميل نجيب المسؤولية المباشرة عنها، وهو ما ينعكس بدوره على طبيعة الأدلة المقدّمة. فالقضايا المبنية على أساس القانون الدولي تعتمد عادةً على مواد تُظهر وجود أنماط سلوكية وتنسيقًا ممنهجًا، مثل شهادات عدد كبير من الضحايا، أو توثيق الاعتقالات المتكررة، أو الأدلة المتعلقة بكيفية عمل الأجهزة الأمنية في درعا أو على مستوى سوريا عمومًا. أما في ظل قانون العقوبات الوطني، فيبقى التركيز أضيق نطاقًا، إذ يعتمد بشكل رئيسي على الأدلة المرتبطة بحوادث فردية، مثل شهادات الشهود، وسجلات الاعتقال، والتقارير الطبية. ونظرًا لضيق نطاق الأدلة المطلوبة، لا يمكن تمثيل سوى عدد محدود من الضحايا في القضية الواحدة، بينما يظل العديد من الضحايا الآخرين، الذين تشكّل تجاربهم جزءًا من النمط ذاته، خارج قاعة المحكمة.

وقد اتخذت المحكمة الجنائية الرابعة خطوة مهمة نحو معالجة بعض هذه القيود، من خلال الاستناد في الاتهامات إلى القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني. فقد شملت التهم الموجهة إلى نجيب استخدام القوة المفرطة ضد متظاهرين سلميين، والاعتقال التعسفي والحرمان غير المشروع من الحرية، والتعذيب المفضي إلى الموت، والتحريض على القتل، وإصدار أو المشاركة في أوامر بالقتل والاعتقال والتعذيب، وهي أفعال وصفها الادعاء بأنها انتهاكات منهجية بحق السكان المدنيين. كما صرّح القاضي فخر الدين العريان بأن الأفعال المنسوبة إلى نجيب والمتهمين الغائبين ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، مستندًا إلى المعاهدات والاتفاقيات الدولية التي تُعد سوريا طرفًا فيها. ويُعد هذا التأطير القانوني خطوةً فارقةً وإنجازًا مهمًا على طريق الإقرار بالطابع المنظم والسياسي للعنف، إلا أنه لا يزال من غير الواضح إلى أي مدى يمكن ترجمة هذه التوصيفات إلى تهم قانونية، وأسس للمسؤولية الجنائية، وأحكام قضائية ضمن إطار قانون العقوبات السوري المعمول به حاليًا، وذلك في ظل غياب إطار قانوني خاص بالعدالة الانتقالية.

ما أوجه القصور في عمل المحكمة؟

تواجه المحكمة أيضًا قيودًا فيما يتعلق بكيفية إسناد المسؤولية الجنائية. فالقانون السوري لا يعتمد رسميًا مفهوم "مسؤولية القيادة"، والذي يتيح ملاحقة المسؤولين الذين أصدروا الأوامر بارتكاب الجرائم، أو سهّلوا وقوعها، أو أخفقوا في منع مرؤوسيهم من ارتكابها. وبالتالي، لا توجد آلية قانونية يمكن من خلالها تحويل سلاسل القيادة الهرمية، التي شكّلت عنصرًا أساسيًا في عمل الأجهزة الأمنية السورية، إلى مسؤولية جنائية.

وعمليًا، يعني ذلك أن الادعاء يستطيع ملاحقة الأشخاص الذين نفّذوا الاعتقالات أو الانتهاكات بشكل مباشر وبصورة أسهل من ملاحقة من أشرفوا عليها. فعاطف نجيب، بصفته رئيسًا لفرع الأمن السياسي، لم يكن بالضرورة الشخص الذي نفّذ هذه الأفعال بيده. وفي غياب إطار قانوني واضح يُحمّله المسؤولية عن إصدار الأوامر بهذه الجرائم أو السماح بوقوعها، يصبح الانتقال من إثبات وقوع الانتهاكات إلى إثبات وجوب محاسبة المسؤول الأعلى عنها أمرًا أكثر صعوبة.

ويزداد هذا التحدي تعقيدًا عندما يتعلق الأمر بشخصيات مثل بشار الأسد. فلكي تتمكن المحكمة من تحميله المسؤولية، يتعين عليها إثبات وجود صلة مباشرة بين القرارات المتخذة على أعلى المستويات والجرائم التي نُفذت على الأرض. غير أن القانون بصيغته الحالية أكثر ملاءمة لإثبات وقائع محددة بذاتها، منه لتتبع كيفية تحوّل السلطة أو التعليمات إلى جرائم ارتكبها آخرون. ونتيجة لذلك، قد يكون من الأسهل ملاحقة مسؤولين من المستويات الدنيا أو المتوسطة المرتبطين بحوادث محددة وموثقة، مثل أمجد يوسف. أما القضايا المتعلقة بالقيادات العليا، فمن المرجّح أن تكون أكثر صعوبة وتعقيدًا من حيث البناء القانوني، وأقل قدرة على عكس النطاق الكامل للمسؤولية الجنائية.

كما يفرض عامل الزمن قيودًا على ما يمكن ملاحقته قضائيًا؛ فبموجب القانون السوري، لا يمكن إحالة الجرائم الخطيرة إلى القضاء إذا انقضت أكثر من عشر سنوات دون فتح ملف دعوى بشأنها. ويثير ذلك تساؤلات عملية حول القضايا التي يمكن تحريكها اليوم بشأن أفعال لم يكن بالإمكان ملاحقتها قضائيًا حين وقوعها. وتكتسب هذه المسألة أهمية مباشرة في قضية عاطف نجيب، إذ إن الأفعال المنسوبة إليه في هذه القضية المحددة وقعت قبل أكثر من عقد من الزمن. ونظرًا إلى أنه لم يكن من الممكن عمليًا مثول المتهمين أمام القضاء طالما بقيت الحكومة السابقة في السلطة، أكد القاضي الناظر في القضية أن هذه الجرائم لا تخضع للتقادم أو العفو بموجب الإعلان الدستوري لعام 2025 والالتزامات الدولية المترتبة على سوريا.

ويعكس هذا الاجتهاد القضائي جهودًا واضحة لتجاوز بعض القيود القانونية المتأصلة في النظام القضائي الحالي. وفي الوقت ذاته، ستعتمد أهمية هذا التوجه على مدى تطبيقه بشكل متسق في القضايا المستقبلية، ومدى وضوح إدماج مفاهيم القانون الجنائي الدولي ضمن الإجراءات القضائية السورية، وما إذا كانت التصنيفات الجنائية العادية قادرة على دعم السجل القانوني الأوسع نطاقًا الذي تتطلبه عملية العدالة الانتقالية. إذ إن الاعتماد على فئات جرائم أكثر ضيقًا من شأنه أن يحدّ من الأساس القانوني للتعويضات الجماعية أو واسعة النطاق، لا سيما في السياقات التي شهدت دمارًا واسعًا، وعمليات تهجير، وأضرارًا جسيمة لحقت بالمجتمع ككل. وعمليًا، من المرجح أن يقتصر جبر الضرر في هذه الحالة على المطالبات الفردية، مع محدودية الاعتراف بالأثر الواسع والعميق الذي خلفته تلك الجرائم على المجتمعات المتضررة.

ما هي تداعيات ذلك على المساءلة والعدالة الانتقالية؟

تمثل المحكمة الجنائية الرابعة محاولة محورية، وإن كانت محفوفة بالمخاطر، لإعادة تفعيل المساءلة المحلية في سوريا. ففي سياق اتسم بسنوات من الإفلات من العقاب، يحمل مثول مسؤولين سابقين رفيعي المستوى أمام محكمة سورية أهمية قانونية ورمزية كبيرة بالنسبة للسوريين، إذ يشير إلى أن الإفلات من العقاب لم يعد مطلقًا، وأن مطالب الضحايا باتت تُؤخذ بعين الاعتبار. غير أن الشروع السريع في محاكمات بارزة، في غياب إصلاحات قانونية موازية، يشير إلى مسار يركز على إظهار التقدم بصورة مرئية، لكنه لا يزال يفتقر إلى الوسائل اللازمة لبناء سجل شامل للانتهاكات، ودعم التعويضات بشكل فعّال، والمساهمة في تحقيق المصالحة المجتمعية.

وتنعكس هذه الديناميكيات على كيفية اختبار المساءلة عمليًا. فلا يزال كثير من السوريين يعيشون مع تبعات الاعتقال والقتل والنزوح، وغالبًا من دون إجابات واضحة بشأن ما حدث أو الجهة المسؤولة عنه. وفي الحالات التي تكون فيها المساءلة جزئية أو غير متكافئة، قد يجد ضحيتان تعرضتا لخسائر متشابهة أن قضيتيهما تُعالجان بشكل مختلف، تبعًا لما إذا كانت إحدى الحالتين موثقة ومعلنة ومسموحًا بملاحقتها أمام القضاء، في حين تبقى الأخرى خارج نطاق العملية. أما بالنسبة لعائلات المفقودين، أو لأولئك الذين لم تُسجّل تجاربهم رسميًا، فقد يعزز ذلك الشعور بأن عددًا محدودًا فقط من الانتهاكات يحظى بالاعتراف. وإذا ما اعتُبرت العملية غير متسقة أو انتقائية، فقد يؤدي ذلك إلى تعميق المظالم القائمة وتعزيز الشعور بالإقصاء.

كما أن غياب مسار عدالة موثوق ومتاح يمكن أن يغذي أشكالًا غير رسمية أو انتقامية من الردود على المستوى المحلي. وفي الوقت ذاته، فمن غير المرجح أن تكون المحاكمات وحدها كافية لمنع تكرار انتهاكات مماثلة، ما لم تُرفق بضمانات قانونية وإصلاح مؤسسي جوهري.

ويتطلب معالجة هذا الأمر تعزيز الأساس القانوني للمساءلة بما ينسجم مع نطاق الانتهاكات وتوقعات الساعين إلى العدالة، وذلك من خلال:

  • اعتماد قانون للعدالة الانتقالية يحدد بوضوح كيفية عمل آليات المساءلة، بما في ذلك اختيار القضايا، ومشاركة الضحايا، والتعويضات، والإصلاح المؤسسي.
  • إدراج الجرائم الدولية رسميًا في القانون المحلي، بما في ذلك الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب، بما يضمن أن تعكس المحاكمات خطورة الانتهاكات الجسيمة وسياقها وأثرها الجماعي.
  • إنشاء محكمة أو دائرة قضائية متخصصة بموجب القانون، تتمتع بولاية واضحة، وقضاة مستقلين، وضمانات إجرائية تكفل التعامل المتسق مع جميع القضايا المرتبطة بالنزاع. وينبغي أن يشمل ذلك تحديد أنماط المسؤولية التي تتجاوز الجناة المباشرين، وتوضيح كيفية تطبيق قواعد التقادم في الحالات التي كان فيها تحريك الدعوى سابقًا غير ممكن.
  • إنشاء مسارات تتيح للضحايا المشاركة في الإجراءات، بما يشمل أولئك الذين لم تُوثق قضاياهم علنًا، بحيث لا يعتمد الوصول إلى العدالة على مدى بروز القضية إعلاميًا أو توفر الموارد.
  • ربط الإجراءات الجنائية بآليات جبر الضرر، بما يسمح بأن تدعم نتائج المحاكمات تعويضات مجدية ومتسقة للعائلات والمجتمعات المتضررة.
  • ضمان التنسيق بين المؤسسات المعنيّة، بما في ذلك المحاكم واللجان وهيئات التحقيق، لتفادي تشتت الجهود والمسارات أو توازيها بشكل منفصل.

وتهدف هذه الخطوات إلى ضمان أن تستند عملية المساءلة إلى أساس قانوني موحّد ومنسجم، يتجاوز نطاق عدد محدود من المتهمين، ويعكس الانتهاكات المرتكبة في سياقات مختلفة، ويسهم في منع إعادة إنتاج الممارسات التي مهدت لوقوع تلك الانتهاكات في المقام الأول.

________________________________

للمزيد من المعلومات أو لتقديم ردود الأفعال والآراء، يرجى إدراج تعليقك في قسم التعليقات أدناه، أو التواصل مع المركز السوري للعدالة والمساءلة على [email protected]. كما يمكنكم متابعتنا على فايسبوك و تويتر. اشترك في نشرتنا الأسبوعية ليصلك تحديثات عن عمل المركز.