1 min read
خطوة نحو العدالة: بعد مضيّ عقد من الزمن

خطوة نحو العدالة: بعد مضيّ عقد من الزمن

بعد أن أَفَلَ الأسد، بزغت في الأفق بَلْجَةُ عدالةٍ شاملةٍ للسوريين. ولا يعمل تجددُ الاشتباكات في الأسابيع الأولى من شهر آذار / مارس إلّا على التأكيد على أهمية محاسبة الجناة التي يُرجح أن يستمر تعاقبُ العنف دونها. نشر المركزُ السوري للعدالة والمساءلة ومركزُ «سيسْفايَر لحقوق المدنيين» تقريرا سرد خيارات متنوعة للمساءلة عن الجرائم المرتكبة في سوريا («تقرير 2015»). وفي غمرة التغييرات السياسية الكبيرة في البلاد، لا تزال كثيرٌ من السبل التي ارتُئيت عام 2015 مساراتِ عدالةٍ يمكن تطبيقُها، وثَمَّة آليات بارزة أخرى بدت غير قابلة للتطبيق حتى الآن، ولكنها بدأت تتجلى آفاقا واقعية. ولا يزال التقرير مرجعا مفيدا لأولئك الذين يفكرون في العدالة الانتقالية لسوريا، مع ما يلي من التحفظات والتحديثات المبنية على الأحداث الأخيرة. ويمكن أن تشمل بعضُ الخيارات الجديدة الإحالةَ الذاتية إلى المحكمة الجنائية الدولية، وإنشاءَ محكمة هجينة في سوريا، واستمرارَ ممارسة الولاية القضائية العالمية في الدول الأوروبية.

المحكمة الجنائية الدولية

أُنشئت المحكمة الجنائية الدولية لمحاكمة كبار القادة والمسؤولين العسكريين المسؤولين عن أخطر الجرائم الدولية. وبصفتها محكمة دولية، تُوارب المحكمةُ الجنائية الدولية حصانةَ رؤساء الدول وتلتفُّ عليها، وتُعرّف الجرائم الدولية وتحدّدها، ويعطي هذا المنتهكين المحتملين إشعارا مسبقا، وهو شرط من شروط قانون حقوق الإنسان. وخلافا للاعتقاد الشائع، ليست المحكمة الجنائية الدولية كيانا تابعا للأمم المتحدة (رغم وجود علاقات بينهما) وليس لها صلة رسمية بالآلية الدولية المحايدة والمستقلة التي أنشأتها الجمعيةُ العامة للأمم المتحدة لجمع الأدلة على الجرائم الدولية في سوريا.

في الواقع، يمكن أن تكون المحكمة الجنائية الدولية مسرحا مناسبا لمحاكمة بشار الأسد وقياداته العليا. إلّا أنّ المحكمة الجنائية الدولية لا تزال غير مختصة بالتحقيق في الجرائم التي وقعت في سوريا لأن سوريا ليست دولة طرفا في نظام روما الأساسي. إذ تمنح المادةُ 13 (ب) من نظام روما الأساسي مجلسَ الأمن التابع للأمم المتحدة سلطةً لإحالة الوضع إلى المحكمة الجنائية الدولية، ولكن روسيا استخدمت حقَّ النقض (الفيتو) لاعتراض محاولةِ إحالةٍ للوضع في عام 2014. وبوجود حكومة جديدة في دمشق، يمكن لسوريا أن تصادق على نظام روما الأساسي أو تنضمّ إليه. ولفعل ذلك، سيتعيّن على سوريا أن تصدر إعلانا تقبل فيه اختصاص المحكمة ويسمح بتطبيق نظام روما الأساسي منذ بداية الحرب. ويمكن أن يمنح هذا الحكومةَ الجديدة في دمشق قدرا من الشرعية - كما فعلت أوكرانيا في شأنها الخاص. وقد يكون للتعاون مع المحكمة الجنائية الدولية جدوى في دعم عمليات العدالة المحلية في سوريا، لا سيما عن طريق بناء القدرات. إلّا أنّ الولاية القضائية الأساسية ستبقى مع سوريا لأن دور المحكمة الجنائية الدولية يهدف إلى أن يكون مكمّلا لمؤسسات الدولة ولا يُسمح لها بالتدخل إلا عندما تعجز الدولةُ عن تحقيق عدالة حقيقية أو تأبى ذلك.

وحتى لو حقّقت المحكمةُ الجنائية الدولية مع القادة الكبار العتاة المسؤولين عن الجرائم في حقبة الأسد، سيتيح ذلك للسلطات المحلية خياراتٍ كثيرةً لملاحقة المجرمين الأدنى والأحطّ رتبة قضائيا. وهناك محادثاتٌ دارت بين المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، كريم خان، وأحمد الشرع في كانون الثاني / يناير، ولكنها لا تمثّل التزاما رسميا بالتعاون الدولي أو العدالة.

محكمةٌ سوريةٌ هجينة

المحاكم الهجينة هي محاكم تستقي قواعدَ وأُسسًا من الأنظمة الدولية والمحلية، وأُنشئت في العديد من السياقات مثل سيراليون وكمبوديا ولبنان. وفي سوريا، قد يعني ذلك تكوين مزيج من القضاة والمدعين العامين السوريين والدوليين. وقد يعني أيضا إدخالَ قانون جديد يعطي اختصاصا قضائيا على الجرائم الدولية إضافة إلى استخدام الإجراءات الجنائية السورية. وقد يتطلب ذلك على الأرجح مفاوضةً بين الحكومة السورية والجمعية العامة للأمم المتحدة لاستحداث معاهدة. ولن يتيسّر ذلك إلّا عندما يُرى أنّ الحكومة السورية المؤقتة تتمتّع بشرعية كافية للانخراط في الشؤون الدولية وإبرام المعاهدات. ورغم أنه حينما صُغنا تقريرنا الأصلي بدا أنّ الدولَ آثرت إحالةَ سوريا إلى المحكمة الجنائية الدولية، إلّا أنه بعد اندثار الأسد، تجدّد الاهتمام بفكرة إنشاء محكمة هجينة من أجل سوريا.

عقد المركز السوري للعدالة والمساءلة عام 2013 اجتماعا لمجموعة من المحامين السوريين والخبراء الدوليين لمناقشة كيف يمكن أن تكون المحكمةُ السوريةُ الهجينةُ شكلا وهيئة. وكانت الثمرةُ ملامحَ عامةً لإطارِ عملٍ يمكن استثماره لإنشاء محكمة كهذه. وترك ذلك المستندُ كثيرا من الأسئلة المهمة مفتوحةً، مثل عدد كلٍّ من القضاة السوريين والدوليين، إضافة إلى مسائل تتراوح بين مصادر التمويل وما إذا كانت ستُتاح عقوبةُ الإعدام. وقد تفضي كل من هذه القضايا إلى مفاوضات معقدة ومطولة. غير أنّ هذا المستند قد يكون حجر أساس. ولكن قبل أن تبدأ أي مناقشات جادة، يجب على سوريا أن تعيد أولا بناء الهياكل الأساسية للسلطة القضائية، ومنها القانون الجنائي والإجراءات الجنائية. وسيحتاج القضاة والمحامون إلى تدريب تكميلي لإصلاح النظام القانوني الذي أدى إلى استتباب الفساد وتطبيعه. وفي هذا الصدد، أعلنت عدة المنظمات عن استعدادها لتقديم برامج بناء القدرات، ومنها المحكمةُ الجنائية الدولية والآليةُ الدولية المحايدة والمستقلة والمجتمعُ المدني السوري.

الولاية القضائية العالمية

لا تزال المحاكماتُ الجنائية في المحاكم المحلية الأجنبية بموجب مبدأ الولاية القضائية العالمية ضروريةً للمساءلة، ما دامت الإصلاحات جارية في سوريا على الأقل. وسطعت في ألمانيا وهولندا وفرنسا محاكماتٌ كهذه للجرائم المرتكبة في سوريا. ويمكن أن تؤدي عدة عوامل إلى زيادة عدد المحاكمات التي تُجرى في إطار الولاية القضائية العالمية على المدى القريب والمتوسط. فعندما كان الأسد جاثما على السلطة، تردّد الشهود في الإدلاء بشهادتهم، ولكن كُسرت الأغلال التي كانت تقيّد حريتهم في التحدث منذ أن تردّى. إضافة إلى ذلك، انبثقت الآن نفائسُ من الأدلة التي كانت دفينةً في سوريا، ومنها الوثائق التي كانت مكنوزة في سراديب منشآت المخابرات السابقة. والحكومةُ الانتقالية في سوريا في وضع قوي حاليا يسمح لها بتسهيل محاكماتٍ تقوم على مبدأ الولاية القضائية العالمية عن طريق تبادل الأدلة عبر اتفاقيات المساعدة القانونية المتبادلة. وقد فرّ من البلاد جناةٌ كُثُر من الحكومة (أو الحكومات) السورية السابقة ومن ميليشيات ذات انتماءات وخلفيات متنوعة، وقد يلحقون بعائلاتهم في الدول الأوروبية. وفي ظل غياب مؤسسات قضائية قادرة حقا على توفير الحد الأدنى من متطلبات المحاكمة العادلة في سوريا، ستتردّد السلطات القضائية الأوروبية في تسليم سوريا مَن يوجد في أوروبا ويُشتبه في ارتكابه جرائم دولية. وبهذا ستواصل معظم الدول الأوروبية محاكمة هؤلاء المشتبه فيهم بما يتوافق مع التزاماتها القانونية، خاصة عندما تكون لهم صلة قوية بالقضية (على سبيل المثال، عندما يكون الضحية أو الجاني من مواطنيها). وتشير هذه العوامل مجتمعةً إلى أنّ المحاكمات القائمة على مبدأ الولاية القضائية العالمية ستبرز أكثر لا أقل بعدما خرّ الأسد.

وقد سلط تقرير عام 2015 الضوء على ضرورة أن تراعيَ آلياتُ المساءلة بدقّة سياقَ ما بعد النزاع، وهذه مسألةٌ مهمّةٌ لأن على العدالة الجنائية أن تتعايش مع عمليات السلام الأخرى التي تتضمّن لجان الحقيقة والمصالحة أو لجان المفقودين. ففي النهاية، تشمل العدالةُ الانتقاليةُ المساءلةَ الجنائيةَ، إضافة إلى ضمانات عدم التكرار، والإصلاحات المؤسسية وصياغة الدستور، وجبر الضرر للضحايا والناجين.

العوامل السياسية

تجري العملية الانتقالية في سوريا في سياق دولي عسير ومتقلّب جدا. ويُرجح أن تؤثر كثيرٌ من العوامل على اعتماد بعض الآليات وعملها. وفي هذا السياق، من المرجح أن يظل الباب مصكوكا في وجه مجلس الأمن الدولي، بسبب الرئاسة الصينية والفيتو الروسي، إضافة إلى احتمال فقد الدعم الأمريكي للإحالة إلى المحكمة الجنائية الدولية. ويجب مراقبة البعد الإقليمي لجهود العدالة والمساءلة عن كثب، لا سيما داخل جامعة الدول العربية التي يمكن أن تكون منصّةً رئيسية لتوفير الدعم السياسي والمالي على حد سواء. وقد أشارت بعض الدول ذات المصالح الخاصة في النزاع السوري إلى استعدادها للمشاركة في العملية الانتقالية في سوريا، ومنها المملكة العربية السعودية وتركيا، وقد يشكل هذا مسارَ مبادراتِ العدالة في المرحلة التي تَعقُب النزاع.

رغم ضرورة مشاركة المجتمع الدولي في العملية الانتقالية في سوريا، إلّا أنها يجب أن تظل عمليةً بقيادة سورية لضمان شرعيةٍ ونجاحٍ طويل الأمد. يستغرق إنشاءُ آليات المساءلة غالبا وقتا طويلا ويكون عادةً مكلفا، لكن مع وجود دعم دولي ومحلي كافٍ، ستفتح عدةُ سُبُل للعدالة أبوابَها لسوريا.

________________________________

للمزيد من المعلومات أو لتقديم ردود الأفعال والآراء، يرجى إدراج تعليقك في قسم التعليقات أدناه، أو التواصل مع المركز السوري للعدالة والمساءلة على [email protected]. كما يمكنكم متابعتنا على فايسبوك و تويتر. اشترك في نشرتنا الأسبوعية ليصلك تحديثات عن عمل المركز.