1 min read
بعد مرور عام: واقع العدالة الانتقالية في سوريا
ساحة يوسف العظمة

بعد مرور عام: واقع العدالة الانتقالية في سوريا

في 17 أيار/مايو 2025، أعلن الرئيس أحمد الشرع إنشاء هيئتين محوريتين في المرحلة الانتقالية في سوريا: الهيئة الوطنية للمفقودين والهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية. وبعد مرور عام، يقيّم المركز السوري للعدالة والمساءلة ما حققته كل من الهيئتين، والثغرات التي لا تزال قائمة، والخطوات المطلوبة في الوقت الراهن.

نشر المركز السوري للعدالة والمساءلة خارطة طريق أولية للعدالة الانتقالية عقب تأسيس الهيئتين بفترة وجيزة، ثم قام بتحديثها لاحقًا في أيلول/سبتمبر 2025. ويُعدّ بناء عملية عدالة انتقالية موثوقة تحديًا مؤسسيًا معقدًا يتطلب عقودًا من الالتزام السياسي المستدام وبناء الثقة العامة. ووفقًا لهذا المعيار، فإن التقدم الذي أحرزته الهيئتان خلال اثني عشر شهرًا يستحق الإشادة والتقدير. ومع ذلك، فإن مسار العدالة يحتاج إلى رؤية استراتيجية أكثر وضوحًا وتصميمًا مؤسسيًا أكثر تماسكًا حتى يترجم إلى نتائج ملموسة وذات مغزى بالنسبة للمجتمعات المتضررة. وحتى الآن، لا يزال عمل الهيئتين يتسم بمحدودية الوضوح الإجرائي، وعدم تحديد الأدوار المؤسسية بشكل كافٍ، وضعف التنسيق مع السلطات القضائية.

تتزامن هذه الذكرى مع أبرز لحظة للمساءلة شهدتها البلاد منذ كانون الأول/ديسمبر 2024، والمتمثلة في أول محاكمة لمسؤول رفيع سابق في نظام الأسد تجري وقائعها داخل سوريا. ففي 26 نيسان/أبريل 2026، مثل عاطف نجيب أمام المحكمة الجنائية الرابعة في دمشق إلى جانب ثمانية متهمين آخرين يُحاكمون غيابيًا، من بينهم بشار الأسد وماهر الأسد. كما شهد ملف التضامن تقدمًا ملحوظًا؛ إذ ألقت السلطات القبض على أمجد يوسف في أواخر نيسان/أبريل، في حين أكدت الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية أنها تعمل على إعداد ملف قضائي ضد فادي صقر بتهم تتعلق بعمليات قتل جماعي وحالات اختفاء قسري، رغم أن السلطات الانتقالية كانت قد توصلت معه سابقًا إلى ترتيبات أمنية. ومع ذلك، لا تزال جهود المساءلة تتركز في عدد محدود من القضايا البارزة، من دون وجود استراتيجية واضحة لمعالجة الانتهاكات والأضرار الأوسع نطاقًا. وفي ظل غياب مسارات مؤسسية موثوقة، يجري تفريغ المظالم والشكاوى وتحويلها إلى توترات محلية وعمليات قتل انتقامية.

الهيئة الوطنية للمفقودين

على مدار العام الماضي، بدأت الهيئة الوطنية للمفقودين بترسيخ موقعها بوصفها الجهة المؤسسية المركزية المسؤولة عن ملف المفقودين في سوريا. فقد عقدت أول مشاورة وطنية لها في دمشق في تموز/يوليو 2025، وشكّلت مجلسًا استشاريًا، ووثّقت في مرحلة أولية وجود نحو 63 مقبرة جماعية. ومنذ ذلك الحين، نفذت الهيئة تدخلات في عدد من المواقع المشتبه بأنها تضم مقابر جماعية، بما في ذلك التضامن، والعتيبة في ريف دمشق، ومواقع في حلب وإدلب، والحفة في ريف اللاذقية، ومزرعة الراهب في ريف حلب الجنوبي، حيث جرى انتشال نحو 55 رفاتًا. كما وقّعت الهيئة في تشرين الثاني/نوفمبر 2025 اتفاقية مشتركة مع اللجنة الدولية لشؤون المفقودين واللجنة الدولية للصليب الأحمر والمؤسسة المستقلة لشؤون المفقودين في الجمهورية العربية السورية التابعة للأمم المتحدة، شملت بناء القدرات في مجال الطب الشرعي ووضع بروتوكولات التنقيب عن المقابر. وفي آذار/مارس 2026، أبرمت اتفاقية مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي لتطوير البنية التحتية الرقمية وأنظمة إدارة الملفات.

على الرغم من هذه الخطوات، لا تزال توصيات المركز السوري للعدالة والمساءلة غير منفذة إلى حد كبير. فعلى الرغم من إجراء مناقشات أولية بشأن تجريم العبث بالمقابر الجماعية، فإن التقدم التشريعي في هذا المجال لا يزال متعثرًا في ظل استمرار حالة الجمود البرلماني، كما لم تُتخذ أي خطوات ملموسة نحو إنشاء عملية وطنية لتسجيل حالات المفقودين. وفي غياب إطار قانوني واضح وكادر وظيفي متخصص، ستواجه الهيئة صعوبات جمّة في إدارة الملفات، وحماية البيانات الحساسة، والتنسيق مع السلطات، والاستجابة بصورة فعّالة لاحتياجات العائلات.

التوصيات

  • الحفاظ على مواقع المقابر الجماعية:  أقرت الهيئة الوطنية للمفقودين بالحاجة إلى تطوير قدراتها في مجال الطب الشرعي قبل الشروع في عمليات الاستخراج الرسمية للرفات في المواقع الرئيسية، واتخذت خطوات للتعاون مع جهات قادرة على تقديم الدعم التقني والتشغيلي اللازم. وينبغي للهيئة الآن الاستفادة من هذه الشراكات لوضع خطة متكاملة للحفاظ على مواقع المقابر والبدء بتنفيذها، بما يضمن حماية الأدلة تمهيدًا لعمليات الاستخراج والتعرّف على الهويات التي ستُجرى مستقبلًا.
    • تنظيم عمليات استخراج الجثث: إعداد قانون يُعرض على البرلمان لتجريم التلاعب بمواقع القبور، وتحديد جهة مركزية داخل وزارة العدل مُفوّضة بعمليات استخراج الرفات. وريثما يتم وضع استراتيجية شاملة، يجب ألّا تتم الموافقة على استخراج الجثث إلا في حالات الطوارئ، مثل ظهور الرفات على السطح، أو الحاجة لإزالتها بسبب إعادة إعمار عاجلة.
    • حملة توعية: إطلاق حملة عامة تحث المجتمعات على حماية مواقع القبور، وتوعيتهم بأهميتها في عمليات تحديد الهوية. يجب أن يقوم أعضاء الهيئة بإجراء حملات تثقيفية عبر القنوات التلفزيونية والإذاعية المحلية، والتنسيق أيضًا مع عائلات المفقودين لدعم الحملات والمشاركة فيها.
  • عملية التسجيل: يجب أن تتاح للأسر السورية في جميع أنحاء البلاد فرصة تسجيل أحبائهم المفقودين شخصيًا في المكاتب أو العيادات المتنقلة، ويجب على الهيئة الوطنية للمفقودين الانتقال من مرحلة التخطيط إلى مرحلة التنفيذ، بما في ذلك:
    • مقابلات التسجيل: تطوير نموذج مقابلة موحّد لتسجيل حالات الأشخاص المفقودين، إلى جانب إعداد مواد تدريبية مخصصة للموظفين الذين سيجرون المقابلات مع العائلات. وينبغي أن تتم عملية التسجيل عبر مقابلات شخصية يجريها موظفون مدرَّبون، وليس فقط عبر نموذج إلكتروني. كما يجب حفظ جميع الحالات ضمن قاعدة بيانات مركزية وآمنة.
    • خطة التواصل: وضع خطة لإجراء عملية تسجيل للمفقودين والمختفين قسريًا على مستوى البلاد، ترافقها حملة تواصل واسعة لتشجيع العائلات على المشاركة، وتوعيتها بما يمكن أن تحققه التحقيقات المتعلقة بالمفقودين، وتطمينهم بعدم تعرضهم لأي أعمال انتقامية نتيجة التقدم بالمعلومات. وينبغي للهيئة الوطنية للمفقودين تحديد مواقع مكاتب التسجيل والعيادات المتنقلة المطلوبة، وتقدير عدد الموظفين المطلوبين في كل منطقة، وذلك بالتعاون مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر ومنظمات المجتمع المدني القائمة.
    • الوضع القانوني للمفقودين: إعداد قانون يُعرض على البرلمان يمنح وضعًا قانونيًا خاصًا للأشخاص المفقودين المسجلين. ومن شأن ذلك أن يتيح لعائلاتهم تسوية مسائل قانونية مثل الإرث، وحضانة الأطفال، وغيرها من المسائل القانونية، أثناء انتظار معرفة مصير أحبائهم وأماكن وجودهم.
  • توفير الدعم النفسي والاجتماعي للعائلات: تُعدّ عملية تسجيل حالات المفقودين والتعرّف على الرفات من التجارب شديدة الوطأة نفسيًا. ولذلك، ينبغي للهيئة الوطنية للمفقودين التعاون مع وزارة الصحة والمنظمات الدولية غير الحكومية المعنية لضمان توفير خدمات الدعم النفسي والاجتماعي للعائلات المتعاملة مع الهيئة، سواء أثناء عملية التسجيل أو عند تلقي معلومات بشأن أقاربهم المفقودين.
  • تعزيز الأساس القانوني والمالي للهيئة: تحتاج الهيئة الوطنية للمفقودين إلى تشريع يحدد بوضوح ولايتها وصلاحياتها والتزاماتها المتعلقة بحماية البيانات، وينظم علاقتها بالمحاكم والوزارات والأجهزة الأمنية. كما يجب أن يقترن أي إطار من هذا القبيل بتوفير تمويل مستدام ومستقل.

الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية

واصلت الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية عملها في ظل قيود كبيرة، من بينها محدودية الدعم المقدم من الحكومة المركزية. فلم يُشكَّل مجلس الهيئة إلا في آب/أغسطس 2025، ولم تتسلّم مكاتبها في دمشق إلا مطلع عام 2026، كما نُشر تقريرها الأول بعد ستين يومًا من الموعد المحدد له، في حين لا تزال لوائحها الداخلية ومدونة السلوك الخاصة بها غير معلنة. وقد عقدت الهيئة جلسات حوارية في عدد من المحافظات، ونظّمت جلسات لمناقشة مشروع قانون العدالة الانتقالية، كما أقامت ورش عمل مع موظفين فنيين ومتخصصين في إدارة البيانات بهدف تصميم سجل وطني للضحايا. كذلك افتتحت الهيئة فروعًا لها في حمص ودير الزور. وفي أواخر نيسان/أبريل 2026، ترأس نائب رئيس الهيئة، البرازي، وفدًا زار حي التضامن للاستماع إلى الشهادات وتشجيع السكان على التعاون في بناء ملف القضية.

ومع ذلك، لا تزال المشكلات الهيكلية الأساسية التي حددها المركز السوري للعدالة والمساءلة في خرائطه السابقة دون معالجة. إذ يقتصر نطاق ولاية الهيئة على الانتهاكات التي ارتكبها النظام السابق، ما يستبعد ضحايا أطراف أخرى. كما لم تنشر الهيئة أي خارطة طريق، أو خطة عمل ،أو معايير لاختيار القضايا أو إجراءات إحالة، ولا تزال علاقتها بوزارة العدل غير محددة المعالم، مما يثير خطر تكرار الأنشطة وتداخل الصلاحيات بين المؤسسات.

وتتفاقم هذه الثغرات بفعل القيود القانونية. إذ تعمل المحكمة الجنائية الرابعة بموجب قانون العقوبات السوري لعام 1949، الذي لا يجرّم صراحةً الجرائم ضد الإنسانية أو جرائم الحرب، ما يهدد بإنتاج سجل تاريخي غير مكتمل حتى في حال صدور إدانات. ونظرًا لبدء المحاكمات قبل اعتماد قانون للعدالة الانتقالية، فإنها تعمل على عزل المحاكمات الجنائية الضيقة عن سياق عملية أوسع وأكثر تماسكًا تهدف إلى إظهار الحقيقة وتحقيق المساءلة وجبر الضرر.

التوصيات

  • نشر خطة عمل ولوائح داخلية وتقارير دورية: صدر التقرير الأول للهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية متأخرًا بستين يومًا ودون الإفصاح عن عناصر أساسية. وفي المستقبل، ينبغي للهيئة نشر لوائحها الداخلية ومدونة السلوك وخطة عمل مفصلة ومعايير اختيار القضايا وإجراءات الإحالة وفق جدول زمني منتظم، مع تحديد حد أدنى من المحتوى، بما في ذلك التقارير المالية.
  • توضيح ولاية الهيئة ودورها المؤسسي: يجب تحديد دور الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية رسميًا فيما يتعلق بوزارة العدل ووزارة الداخلية والمحاكم والأجهزة الأمنية. فبدون ذلك، قد تعمل الهيئة في ملفات حساسة تتعلق بالمساءلة دون صلاحيات واضحة أو ضمانات كافية.
  • إعداد ونشر استراتيجية للعدالة العامة: لا يزال غياب التبرير العلني لكيفية اختيار القضايا أو ترتيب أولوياتها قائمًا، فضلًا عن غياب توضيح لكيفية ترتيب اللجنة للأولوية بين القضايا الجنائية وغيرها من مسارات جهود العدالة الأخرى مثل جبر الضرر، والإصلاح المؤسسي، أو تقصّي الحقائق. وينبغي للهيئة وضع معايير واضحة لتحديد أولويات القضايا، وتصنيف فئات الجرائم، ومعالجة الأدلة، والتعامل مع ملفات المسؤولية على المستويات العليا، بما في ذلك الشخصيات التي استفادت من تسويات سياسية، كما يجب عليها توضيح خططها لمتابعة جهود العدالة خارج نطاق منظومة العدالة الجنائية.
  • توسيع نطاق الولاية خارج انتهاكات النظام السابق: يقتصر الإطار الحالي على استبعاد ضحايا الانتهاكات التي ارتكبتها أطراف فاعلة من غير النظام السابق. ويجب توسيع الولاية لضمان المعاملة المتساوية لجميع الضحايا، واعتبار العائلات أصحاب حقوق.
  • ضمان توافق قانون العدالة الانتقالية مع المعايير الدولية: يُشكّل غياب قانون للعدالة الانتقالية فجوة جوهرية كان ينبغي معالجتها قبل المضي في محاكمة عاطف نجيب، ويجب تداركها قبل أن تمضي المحاكمة قدمًا. وينبغي أن يتضمن أي مشروع قانون الجرائم الدولية، بما في ذلك الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب ومسؤولية القيادة، وأن يستبعد عقوبة الإعدام، وأن يكرّس ضمانات المحاكمة العادلة، ومشاركة الضحايا، وحماية الشهود، وأحكام جبر الضرر. كما ينبغي للهيئة نشر مسودة القانون وإتاحتها لمراجعة المجتمع المدني دون مزيد من التأخير.
  • إنشاء آلية لحماية الشهود والضحايا: يدلي الشهود بشهاداتهم بالفعل في محاكمة عاطف نجيب قبل وجود إطار قانوني واضح لحمايتهم. لذا، ينبغي للهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، بالتنسيق مع وزارة العدل، إنشاء آلية مؤقتة تشمل حماية الهوية والدعم القانوني.
  • الانتقال بمشاركة الضحايا إلى ما هو أبعد من المشاورات:  تُعد الجلسات الحوارية التي تُعقد في مختلف المحافظات خطوة مفيدة، لكنها لا ترقى إلى مستوى المشاركة المنظمة. ويحتاج الضحايا والعائلات إلى دور محدد ومستمر في صياغة أولويات الهيئة وإجراءاتها وسياستها المتعلقة بجبر الضرر، وتصميم سجل الضحايا.

وأخيرًا، هناك تداخل في ولايات الهيئة الوطنية للمفقودين والهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية: يُعدّ مصير المفقودين أحد محاور عمليات كشف الحقيقة في مسارات العدالة الانتقالية، وله انعكاسات مباشرة على مجالات عمل الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، بما في ذلك المساءلة وجبر الضرر والإصلاح المؤسسي. لذا ينبغي إنشاء فريق عمل مشترك أو آلية تنسيق رسمية بجدول اجتماعات محدد وبروتوكولات واضحة لتبادل المعلومات، وذلك لتفادي الازدواجية وضمان اتساق التعامل مع الأدلة وملفات القضايا. وعلى أقل تقدير، يجب أن تضمن الهيئتان تبادل الأدلة المتعلقة بملف المفقودين، بما يسمح باستخدامها في مختلف مسارات العدالة.

لا يُتوقع من مؤسسات العدالة الانتقالية معالجة عقود من الانتهاكات خلال عامها الأول. ومع ذلك، فإن مصداقيتها ستعتمد على قدرتها على ترجمة اختصاصاتها إلى إجراءات ملموسة والانتقال من مرحلة التأسيس إلى مرحلة التنفيذ. وسيواصل المركز السوري للعدالة والمساءلة مراقبة عمل الهيئتين، وتقديم تحليلات وتوصيات محدثة مع تطور المستجدات.

________________________________

للمزيد من المعلومات أو لتقديم ردود الأفعال والآراء، يرجى إدراج تعليقك في قسم التعليقات أدناه، أو التواصل مع المركز السوري للعدالة والمساءلة على [email protected]. كما يمكنكم متابعتنا على فايسبوك و تويتر. اشترك في نشرتنا الأسبوعية ليصلك تحديثات عن عمل المركز.