1 min read
أول عملية ترحيل للاجئ سوري من النمسا تُشكّل سابقة مثيرة للقلق
مارع, حلب (المركز السوري للعدالة والمساءلة 2025)

أول عملية ترحيل للاجئ سوري من النمسا تُشكّل سابقة مثيرة للقلق

 نفّذت السلطاـت النمساوية بتاريخ 7 تموز/يوليو 2025 قرارًا بترحيل مواطن سوري إلى بلاده، لتُصبح بذلك أول دولة في الاتحاد الأوروبي تُباشر عملية ترحيل منذ اندلاع النزاع السوري عام 2011. الرجل، الذي لم تُكشَف هويته، جُرّد من وضعه كلاجئ عقب إدانته بجريمة عام 2018، ليُصدر بحقه لاحقًا أمر بالترحيل. ومما يُثير القلق أنّ الحكومة النمساوية أعلنت عزمها المضي في عمليات ترحيل إضافية إلى سوريا، وبدأت بالفعل التحضير لترحيل سوري آخر.

وقد تمّ ترحيل أول مواطن سوري استنادًا إلى قرار صادر عن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، وكانت المحكمة قد أوقفت قرار الترحيل في البداية، لكنها تراجعت عنه لاحقًا معتبرةً أنّ العودة إلى سوريا لا تنطوي على أي خطر. أما الترحيل الثاني المُخطَّط له من النمسا فقد توقّف بعد صدور قرار آخر صادر عن المحكمة الأوروبية نفسها. ووفقًا لوكالة الأنباء الألمانية، أصدرت المحكمة أمرًا قضائيًا مؤقتًا تساءلت فيه عمّا إذا كانت الحكومة النمساوية قد أجرت تقييمًا كافيًا لمخاطر التعرّض للتعذيب أو الموت في حال العودة إلى سوريا، في إشارة إلى ترحيل أول مواطن سوري والذي لا يزال مكان وجوده مجهولًا منذ وصوله إلى بلاده.

يثير ترحيل النمسا لأول مواطن سوري، إلى جانب الحكم الأولي الصادر عن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، مخاوف كبيرة، إذ لا يزال من غير الواضح كيف قيّمت الحكومة النمساوية والمحكمة وجود خطر محتمل عند العودة. كما أنّ تغيّر الأوضاع المستمر في سوريا يطرح تساؤلات حول مدى دقّة ومصداقية المعلومات التي جرى الاستناد إليها.

ورغم هذه المخاوف الملحّة، فقد أعربت دولٌ أخرى أعضاء في الاتحاد الأوروبي عن نيتها السير على خطى النمسا. فعلى سبيل المثال، أعلنت وزارة الداخلية الألمانية خططًا لبدء ترحيل سوريين مدانين بجرائم إلى سوريا. غير أنّ هذه التوجهات المُعلنة تتعارض مع ما تكشفه التقارير المتواصلة من داخل سوريا، والتي تُظهر بشكل متزايد أنّ البلاد لا تزال غير آمنة للعودة.

وقائع القضية

حصل أول مواطن سوري تم ترحيله في تموز/يوليو على حق اللجوء في النمسا عام 2014، غير أنّ وضعه كلاجئ أُلغي بعد خمس سنوات إثر إدانته بجريمة غير محدَّدة، وحُكم عليه بالسجن سبع سنوات. ورغم أنّ السلطات النمساوية لم تُفصح عن تفاصيل الجريمة، فقد أنهى الرجل مدة عقوبته. وقبل الإفراج عنه، قدّم طلبًا جديدًا للحصول على الحماية الدولية، لكنه رُفض استنادًا إلى تقرير صادر عن وكالة اللجوء التابعة للاتحاد الأوروبي. وفيما أوقفت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان عملية الترحيل في البداية، عادت وألغت الإجراء المؤقت معتبرةً أنّ الوضع الأمني في سوريا لا يشكّل خطرًا على الرجل في حال عودته.

وعقب الجدل القانوني في مطلع حزيران/يونيو، تأجّل موعد الترحيل الأول بسبب مخاوف تتعلق بمسار الرحلة الجوية إلى سوريا والذي كان يمر عبر الأجواء الإيرانية. غير أنّ المحاولة الثانية انتهت بتنفيذ العملية بنجاح، لتُسجّل بذلك أول حالة ترحيل من النمسا إلى سوريا منذ نحو 15 عامًا، وأول حالة ترحيل من الاتحاد الأوروبي إلى سوريا منذ اندلاع النزاع. ومنذ ترحيل الرجل، لم تتمكّن عائلته وفريقه القانوني من التواصل معه، ويخشون على سلامته.

ونظرًا لنقص المعلومات حول مكان وجوده، ووفقًا لرسالة حصلت عليها وكالة رويترز، أطلقت لجنة الأمم المتحدة المعنية بحالات الاختفاء القسري تحقيقًا في 8 آب/أغسطس بشأن مصير الرجل. وطلبت اللجنة من النمسا "تقديم مذكرات دبلوماسية رسمية إلى السلطات السورية لمعرفة ما إذا كان على قيد الحياة، ومكان وظروف احتجازه، إضافة إلى طلب ضمانات دبلوماسية لضمان سلامته ومعاملته الإنسانية"، وفق ما أفادت رويترز. وحتى تاريخ نشر هذا المقال، لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت النمسا قد ردّت على استفسار اللجنة.

النمسا تصدر قرارًا سلبيًا بشأن اللجوء استنادًا إلى معلومات غير موثوقة عن بلد الأصل

وفي بيان صحفي صادر عن المكتب الفيدرالي للهجرة واللجوء في النمسا، أفاد المكتب بأنه اعتمد على تقرير معلومات بلد المنشأ، الصادر عن وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء، ويُفترض أنّه التقرير الذي نُشر في آذار/مارس 2025 باعتباره أحدث تقرير قبل صدور قرار الترحيل الأول إلى سوريا. وذكر تقرير وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء أنّه "لم يتم العثور على معلومات عن معاملة العائدين من الخارج في حدود القيود الزمنية لهذا التقرير"، ما يطرح مزيدًا من التساؤلات حول كيفية تقييم النمسا لعدم تعرّض العائدين لمخاطر تمنع الترحيل.

قدّمت وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء من خلال التقرير، معلومات إضافية حول الانتهاكات المستمرة لحقوق المدنيين في سوريا، بما في ذلك عمليات القتل والاختطاف، ما يشير إلى أنّ العائدين في تلك الفترة ربما تعرّضوا لخطر جدّي يتمثل في المعاملة اللاإنسانية أو المهينة، أو تهديد مباشر لحياتهم. وفي مطلع عام 2025، أبلغ المركز السوري للعدالة والمساءلة أيضًا عن الانتهاكات التي استهدفت المدنيين العلويين وأفراداً مرتبطين بالنظام السابق، إضافةً إلى تحليله لأحداث العنف التي اندلعت في الساحل، وهو ما عزّز المخاوف بشأن مصير العائدين إلى سوريا.

كما ظهرت مؤخرًا تقارير عن إساءة معاملة الحكومة للعائدين، ويعمل فريق التوثيق في المركز السوري للعدالة والمساءلة على التحقق منها. ويتعيّن على الحكومة السورية وآليات التحقيق المعنية دراسة هذه الحالات لتحديد ما إذا كانت هناك انتهاكات إضافية، بما يتيح تقييم المخاطر التي يواجهها العائدون بدقة. وبدون هذه الجهود والتقييمات الموضوعية، سيستمر ترحيل السوريين مبكرًا، ما قد يعرّضهم لمعاملة لاإنسانية أو مهينة أو لخطر جدّي على حياتهم. ولضمان تقييم دقيق لمستوى الخطر، لا بدّ من منح مزيد من الوقت للتحقق مما إذا كانت مثل هذه الانتهاكات قد وقعت بالفعل. كما أُبلغ المركز السوري للعدالة والمساءلة عن استمرار حالات الاحتجاز التعسفي، والاختفاء القسري، والتعذيب في مرافق تخضع لسيطرة الحكومة.

في الوقت نفسه، لا يزال العنف متواصلاً في سوريا، كما يتضح من أحداث السويداء والساحل. وفي ضوء هذه المعطيات، يؤكد المركز السوري للعدالة والمساءلة مجددًا موقفه السابق: إنّ الأوضاع في سوريا تتغيّر بسرعة وهي غير مستقرة، ما يجعل أي تقييمات للوضع سابقة لأوانها وغير موثوقة بمرور الوقت. وبناءً عليه، وخلافًا لقرارها النهائي في قضية الترحيل الأولى، فإنّ قرار المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان الأخير بوقف الترحيل لحين إجراء تقييم للمخاطر من جانب النمسا هو قرارٌ ضروري وفي الوقت المناسب، وينبغي أن تُجرى مثل هذه التقييمات بشكل متواصل.

قرار الترحيل في النمسا يقوّض الحماية القانونية للاجئين

يثير قرار النمسا بترحيل الرجل إلى سوريا مزيدًا من المخاوف القانونية. فإلى جانب الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، تُلزِم اتفاقية جنيف لعام 1951، وكذلك القانون الأساسي والثانوي للاتحاد الأوروبي، الدولَ الأعضاء بمبدأ عدم الإعادة القسرية. وتنصّ اتفاقية 1951، التي تُعَدّ النمسا وجميع الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي طرفًا فيها، على هذا المبدأ، الذي يحظر إعادة أي شخص إلى بلد قد يتعرّض فيه لتهديد لحياته أو حريته. كما تنصّ المادة 21 من "توجيه معايير التأهيل" الصادر عن البرلمان الأوروبي والمجلس على إدماج مبدأ عدم الإعادة القسرية في قانون الاتحاد الأوروبي.

ورغم أنّ كلًا من اتفاقية 1951 وتوجيه معايير التأهيل يسمحان بالإعادة القسرية في حالات استثنائية، كإدانة الأفراد بجرائم خطيرة بشكل خاص واعتبارهم تهديدًا للأمن العام، فإنّ هذه القواعد تُعَدّ استثناءً ولا يجوز تطبيقها بشكل منهجي على جميع ذوي السوابق الجنائية. وفي تموز/يوليو 2023، أوضحت محكمة العدل التابعة للاتحاد الأوروبي أنّ إلغاء صفة اللاجئ يُعدّ إجراءً أخيرًا لا بدّ أن يُوازن باختبار للتناسب، يُقاس فيه ما إذا كان الإلغاء متناسبًا مع مستوى التهديد الذي يُشكّله الفرد على المجتمع.

كما أكّدت المحكمة في حكم صدر عام 2019 أنّه حتى في حال إلغاء صفة اللاجئ بسبب إدانة جنائية، لا يمكن للدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي طرد أو ترحيل الأفراد إذا كان ذلك سيعرّضهم لمخاطر جدّية، تتمثّل في الخضوع لمعاملة غير إنسانية أو مهينة، وهو ما يحظره ميثاق الحقوق الأساسية للاتحاد الأوروبي. وقد نصّ الحكم بوضوح: "لا يجوز للدول الأعضاء إزالة أو طرد أو تسليم أيّ أجنبي إذا وُجدت أسباب جدّية تدعو إلى الاعتقاد بأنّه سيواجه خطرًا حقيقيًا، في بلده الأصلي، بالتعرّض لمعاملة تحظرها المادتان 4 و19(2) من الميثاق."

في الوقت الراهن، ثمة شكوك حول قدرة السلطات والمحاكم المحلية في الاتحاد الأوروبي، وكذلك المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، على تقييم مستوى التهديد الذي يواجهه السوريون عند إعادتهم، في ظل غياب معلومات دقيقة ودائمة عن بلد المنشأ. إذ يقتضي تقييم المخاطر بموجب المادة 3 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان أن يكون "تقييمًا فرديًا مُخصصًا لكل حالة على حدة، ومستندًا إلى جميع الأدلة المتاحة." غير أنّ توافر أدلّة موثوقة وقابلة للتحقق ما زال يشكّل تحديًا أمام الموثّقين والمنظمات الحقوقية وهيئات الأمم المتحدة. وبما أنّ السلطات والمحاكم تعتمد على هذه المصادر، فإنّ التوصّل إلى نتيجة مفادها أنّ الخطر غير مُثبت يثير قلقًا جدّيًا.

الخلاصة

يُشكل ترحيل النمسا المُبكر سابقة خطيرة، وقد يُقوّض الحماية المنصوص عليها في قانون حقوق الإنسان في الاتحاد الأوروبي. ورغم أنّ عمليات ترحيل السوريين حتى الآن تبدو مقتصرة على من صدرت بحقهم إدانات جنائية، لا تزال هناك مخاوف من أن عمليات العودة واسعة النطاق إلى سوريا ستبدأ قبل أن يستقر الوضع الأمني والإنساني بشكل كافٍ وموثوق. ومن أجل صون حقوق الأفراد والالتزام بقانون حقوق الإنسان في الاتحاد الأوروبي، ينبغي على الدول الامتناع عن إعادة أي شخص إلى سوريا، بغضّ النظر عن سجله الجنائي، طالما أنّ المخاطر التي قد يواجهها العائدون، سواء من معاملة لاإنسانية أو مهينة أو من تهديد خطير للحياة، ما زالت غير واضحة.

وفي حال استأنفت الدول تقييمات المخاطر قبل استقرار الوضع في سوريا، فيجب إجراء هذه التقييمات بشكل متكرر لضمان عدم استناد قرارات ترحيل الأفراد إلى معلومات قديمة. وأخيرًا، ينبغي على الحكومات أيضًا التحلّي بالشفافية في استنتاجاتها بشأن الأوضاع في سوريا، بما في ذلك معلومات بلد المنشأ، وتقييمات المخاطر، والضمانات التي تلقتها من الحكومة السورية، ومشاركة هذه المعلومات علنًا. وإلى أن تُستوفى هذه الشروط، ستظل عمليات الترحيل إلى سوريا تُعرّض الأفراد لأذى جسيم وتُقوّض الإجراءات القانونية الواجبة.

 ________________________________

للمزيد من المعلومات أو لتقديم ردود الأفعال والآراء، يرجى إدراج تعليقك في قسم التعليقات أدناه، أو التواصل مع المركز السوري للعدالة والمساءلة على [email protected]. كما يمكنكم متابعتنا على فايسبوك و تويتر. اشترك في نشرتنا الأسبوعية ليصلك تحديثات عن عمل المركز.