
داخل محاكمة علاء م #107: مُرافَعاتُ مُحامي الْمُدَّعينَ وَالدِّفاعِ الْخِتامِيَّةُ - وَكَلِمَةُ عَلاءٍ الْأَخيرَة
محاكمة علاء م.
المحكمة الإقليمية العليا - فرانكفورت ألمانيا
موجز مراقبة المحاكمة السابع بعد المئة
تاريخ الجلسة: 5 حزيران / يونيو 2025
تحذير: قد تتضمن بعض الشهادات توصيفاتٍ للتعذيب
يُرجى ملاحظة أن هذا الموجز ليس نسخة حرفية لمحضر المحاكمة؛ بل مجرّد ملخّص غير رسميٍّ لإجراءات المحاكمة.
في هذا الموجز، [المعلومات الموجودة بين قوسين معقوفين هي ملاحظات من مراقبينا في المحكمة] و"المعلومات الواردة بين علامتي اقتباس هي أقوال أدلى بها الشهود أو القضاة أو المحامون". كما تمّ حجب أسماء الشهود والمعلومات التي قد تحدّد هويتهم.
[ملحوظة: يواظب المركز السوري للعدالة والمساءلة على تقديم موجز للإجراءات مع حجب بعض التفاصيل حمايةً لخصوصية الشهود وصَونًا لنزاهة المحاكمة.]
يسرد تقرير المحاكمة السابع بعد المئة الخاص بالمركز السوري للعدالة والمساءلة تفاصيل اليوم السادس والثمانين بعد المئة من محاكمة علاء م. في فرانكفورت، ألمانيا. في جلسة اليوم، قرأ محامو المدعين، بانز وبيسلر ورايجر، بياناتِهم الختاميةَ التي ركّز فيها كلٌّ منهم على رواية ناجٍ مختلف عن التعذيب وعلى دور المتهم المزعوم في مشفى حمص العسكري، إضافةً إلى المرافعات الختامية لمحامي الدفاع، العجي وإندريس وبون. افتتح المحامي بانز مرافعته بتعزية P8 في وفاة أخيه، وطالب بالاعتراف القانوني بوفاته. ووصف كيف شارك طبيبٌ مُدرّب في تعذيبٍ منهجي أفضى في النهاية إلى وفاة الأخ بعد إعطائه قرصَ دواء مُريبا. ووصف بانز الجريمة بأنها حالةٌ واضحة للقتل بصفته جريمةً ضد الإنسانية.
سلّط المحامي بيسلر الضوء على قضية P4 الذي ضُرب حتى فقد وعيه، وكُسرت أسنانه، وزُعم أنّ المتهمَ أضرم النارَ في جرحه المتقيّح. وشدّد على على مصداقية رواية P4 رغم محاولات الدفاع تشويهها والانتقاص منها باستخدام وثائق مريبة. ممثّلا P1 الذي عُذّب «بالشبح» وحُرق بعدما أُغمي عليه، وصف المحامي رايجر شهادةَ P1 بأنها واجبٌ شجاع منه تجاه الضحايا الآخرين. ولم يعزّزِ التعرّفَ على هوية المتهم مظهرُه فحسب، بل كذلك صوتُه الذي استثار شجونَ P1 في المحكمة. وأيّد رايجر تقييمَ الادعاء العام القانوني، واستحسن عقوبةَ السجن لأحد عشر عاما بناءً على هذه القضية وحدها.
ثم بدأ محامي الدفاع العجي بيانَه الختامي مستفتحا بتأمل شخصي في معاناته في ظل النظام السوري، مع التأكيد على ضرورة الإنصاف. وركّز على الحالات رقم 12 و16 و17 و18، مجادلا بأنه إذا كان علاءٌ قد نُقل فعلا من حمص إلى دمشق بحلول 20 تشرين الثاني / نوفمبر 2011 - وهو ما أيّدته وثائقُ المحكمة وسجلاتُ المحادثات - فتكون الشهاداتُ التي تصف أنه كان في المشفى بعد ذلك التاريخ غيرَ صحيحة واقعيّا. وشكّك محامي الدفاع كذلك في مصداقية الشهود، مشيرا إلى تناقضات في ذكريات P8 وتحديده هويةَ الأشخاص، وجادل بأن هناك فكرةً رئيسية ذكرت المتهمَ قد تكون ملفقة. وشكّك بالمثل في P11 وP19 وP4، مشيرا إلى تناقضاتٍ وتأثيرٍ خارجي وتنسيقٍ محتمل. وأضاف محامي الدفاع إندريس أنّ علاءً لم يصبح مشتبها به إلّا بعد التغطية الإعلامية في عام 2020، وانتقد تقييمَ الخبرة النفسية الذي قدّمه الادعاء العام بحجّة أنه يفتقر إلى المضمون. وجادل بأنّه لا يوجد خطرٌ لانتكاس علاء وعودته إلى الإجرام، وأنه لا ينبغي أن يظلّ في الحبس الاحترازي. واختتم محامي الدفاع بون بالتأكيد على أنّ الوثائق الرسمية أكّدت أنّ المتهم انتقل إلى دمشق أواخر عام 2011، وهو ما يجعل عدّةَ مزاعم للشهود مُحالا. وجدّد تأكيده على عدم وجود أدلة موثوقة تُثبت وجود المتهم في مشفى حمص العسكري بعد ذلك التاريخ. وأعرب علاءٌ في كلمته الأخيرة عن أمله في حكم عادل.
اليوم السادس والثمانون بعد المئة - 5 حزيران / يونيو 2025
بدأت جلسةُ اليوم بمحامي المدعين بانز مستهلّا بيانَه الختامي بالكلمات التالية:
«سيدي القاضي رئيس المحكمة، حضرة المحكمة الموقرة، زملائي الكرام، عزيزي السيد علاء، أُمثّل السيدَ [حُجب الاسم] [P8] الذي انضم إلى الإجراءات، وشقيقَه [حُجب الاسم] الذي لقي حتفه».
وأكد أنّ أكثر ما أثار قلق موكله هو تناول موضوع وفاة شقيقه بالكامل. ونيابةً عن P8، شكر المحامي المحكمةَ على اعتنائها بدقائق الأمور وتوضيحها النيّق، والسيدَ فرّاجًا، الخبيرَ اللغوي والمترجمَ الشفوي، على عمله الدؤوب، وأخاه المتوفى الذي أخذ على عاتقه الترجمةَ الشفويةَ في البداية، والادعاءَ العام. وبعد ثلاث سنين من المحاكمة، كان تقديم شكر صريح أمرا مستحَقّا.
أوضح محامي المدعيين بانز أنّ بيانه سيُقسّم إلى ملاحظة تمهيدية، والخطاب الفعليّ، وكلمات ختامية من موكّله. واستهلّ ملاحظاته بتأمّل في دور المدعين في إجراءات كهذه. إذ يمكن أن يصفه المرءُ متهكّما بأنه دورُ مراقبي المحاكمات المأجورين. وأقرّ بأن الأطراف الأخرى تنظر أحيانا بريبةٍ إلى المقاضاة الثانوية [أي، المشاركة في الإجراءات بصفة مدّع]، واستحضر أنه شارك سابقا آراءً ناقدةً كهذه من منظور محامي دفاع.
غير أنّ للمقاضاة الثانوية مبررها: فهي تُحوّل الطرف المتضرر من مجرد مَصدرٍ للأدلة إلى فاعل نشط، وتُتيح نوعا من التمكين الذاتي، وتساعدُ على تجاوز دور الضحية السلبي. وتُبرز في المحاكمة منظورَ المتضررين، بل قد تُطلق شرارة مواجهة مع المتهم. ورغم أنها قد تُساهم في استعادة النظام والقانون [بالألمانية: Rechtsfrieden]، إلّا أنّ هذا الهدف يبدو بعيد المنال في ظل الوضع الحالي. وتكمن فيها وظيفةٌ مهمة أخرى هي كشفُ السياقات الهيكلية والسياسية خارج منظور الجاني، وهو أمر ذو أهميةٍ خاصةٍ في إجراءات القانون الجنائي الدولي.
طابع هذه الإجراءات سياسيٌّ لا ريب، كما يتضح من التهم المثارة بموجب القانون الألماني للجرائم ضد القانون الدولي. إلّا أنّ مَن سَيّس القضيةَ أولا لم يكن المدعي؛ بل كانت المحكمةُ نفسُها هي مَن وضَع المعايير عن طريق عملية استدلال شاملة مفتوحة. ويُضفي على الإجراءات أهميةً سياسيةً خارجيةً ومحليةً أن تقاضي محكمةٌ ألمانيةٌ جرائمَ ارتُكبت في سوريا مستندةً إلى الولاية القضائية العالمية. ويمنح هذا العملُ المشتركُ الناجين السوريين شرعيةً إضافية، ويساعد في صياغة السياق التاريخي، ويضرب مثالا على محاسبةٍ مستحقَّةٍ على الجرائم التي ارتكبها نظامُ الأسد. وظلّت المحاكمة تجربةً وجوديةً بَين بَين حتى النهاية.
ثم انتقل محامي المدعي بانز إلى البيان الختامي الفعلي. فبخصوص الحالة رقم 12 من لائحة الاتهام، أوضح أنّ الربيع العربي كان بذرة هذه المحاكمة. ثم خاطب المتهم مباشرة: «يا سيد م أنت لا تدري ما معنى أن تنزل إلى الشوارع وترفع اللافتات، وأنت تعلم أنّ هناك قناصة على الأسطح». ورفض بانز تصويرَ المتظاهرين بأنهم إرهابيون، مشيرا إلى أنّ الإرهاب منبجسٌ من النظام ومؤيّديه. فالوقوف في وجه نظام كهذا تطلّب شجاعةً هائلة. وبحلول أواخر آذار / مارس 2011، امتدّت الاحتجاجات إلى حمص. فَرَدّ النظام بقمع جارف: إغلاقٌ وحصارٌ ومداهماتٌ واعتقالاتٌ جماعية. وأضحى حيُّ بابا عمرو بؤرة المقاومة. عاش P8، الذي بلغ من العمر آنذاك 30 عاما، حياةً بسيطةً، عاملَ بناء معيلا أسرتَه، ولم يكمل سوى المدرسة الابتدائية. وعندما سُئل P8 عن موقفه من نظام الأسد، أوضح أنّ الناس قبل الأحداث كانوا يركزون على النجاة والبقاء أحياء، لا على السياسة. فلم يكن ناشطا سياسيا، وكان يعتني بأخيه المصاب بالصرع. ولم يشارك في المظاهرات إلّا بعد أن شهد تعاظُمَ وحشية النظام، كنشره الدبابات. ووَعد والدتَه بأنهم سيرعى أخاه المريض. وفي النهاية، لجأت العائلة إلى ابن عمهم [حُجب الاسم]، P11، في [حُجب المكان].
في 23 تشرين الثاني / نوفمبر 2011، اقتحمت قوات الأمن المنزل ليلا مشهرةً السلاح. واعتُقل P8 وشقيقُه وP11 وجُرّوا إلى سيارة وقمصانُهم تغطي رؤوسَهم. ومُنعت الأمُّ من تقديم الدواء لابنها المصاب بالصرع، وأُبلغت بأنّ الأخوين سيعودان في اليوم التالي. ثم اقتيدوا أولا إلى فرع الأمن العسكري في [حُجب المكان]، ثم إلى الفرع 261 في حمص. عوملوا بدايةً برِفقٍ نسبيّا، ولم هناك إساءة معاملة مباشرة.
ولكن، كما شدّد محامي المدعي بانز، يُمثّل النقلُ إلى الفرع 261 بدايةَ نزع الإنسانية. وأشار إلى كثيرٍ من الشهادات المروّعة أثناء المحاكمة وإلى الظروف المهينة في سجون المخابرات. كانت الصور المخزية من سجن صيدنايا بمثابة صورة مناسبة لعامة الناس. وعندما سُئل P8 كيف قضى ليلَته الأولى، قال إنه كان خائفا: زنازينُ مكتظة، وظروفٌ صحية لا تُطاق، لا مياه نظيفة، ولا طعام كافٍ، تهويةٌ شحيحة وإضاءةٌ خافتة. فكانت العاقبةُ سوءَ تغذية وأمراضا وتدهورَ الأبدان، إضافة إلى تعذيبٍ وخوفٍ دائمٍ من الموت ومجهولٍ تامّ. كانت هناك بالكاد فسحة؛ إذ جلس بعض السجناء ووقف آخرون. وفي هذا الوضع، أصيب شقيقه بنوبة صرع وضُرب ضربا مبرحا لدرجة أنه فقد وعيه مدةً وجيزة. حاول P8 حمايته بمواساته: فجلس بجانبه، وابتسم، وطمأنه بأنهم سيُطلق سراحهم قريبا، رغم أنه هو كان غارقا في اليأس.
كان P8 يعلم أنّ شقيقه بحاجة ماسة إلى علاج طبي وسمع أنّ قدومَ الأطباء كان متوقّعا في اليوم التالي. وعندما وصلوا، التقى بـ [حُجب الاسم] وعلاء. وصفعه المتهمُ بعدما أخبره P8 أنهما من بابا عمرو. وأعادهما عناصرُ الأمن إلى الزنزانة. فصُعق P8: إذ كان يترقّب طبيبا يساعدُ شقيقَه الواضح مرضُه. ولكن حالة شقيقه تدهورت، وبعد نوبات صرع أخرى، توجّه P8 يائسا إلى الأطباء مرة أخرى. فطلب علاء إحضار مريض الصرع مرة أخرى، مع أنّ هذا كان أمرا بالأحرى - وفقا لمحامي المدعين بانز - رغم وضوح حالة الأخ الطبية الطارئة. أهان المتهمُ الأخَ وصفعه وركله. فوقف P8 أمام [أخيه] ليحميه ويَذودَ عنه. فضُربا بأنبوب وأُهينا بطريقة نفّرت المترجمَ الشفوي آنذاك - السيدَ ضياء فراج، الشقيقَ الراحل للمترجم الحالي السيدِ أحمد فراج - بوضوح من ترجمة الإهانات.
بعد حوالي 30 دقيقة، عاد علاء وطلب جلبَ مريض الصرع مرةً أخرى. احتاج P8 إلى مساعدةٍ من زملائه السجناء لجلب شقيقه. أُعطي [P8] قرصا، فتريّث وتردّد غيرَ متأكد من محتواه، فأعطاه المتهمُ [الأخَ] بنفسه. وأعاد P8 شقيقَه إلى الزنزانة، حيث تدهورت حالته بسرعة.
بعد 15 دقيقة، همد الأخ. وروى P8:
«قلتُ: ’إن كنتَ تسمعني فاضغط على يدي‘، ففعل. ثم لم يفعل لاحقا. ظننتُ أنه نائم. وفي الصباح التالي، أردتُ التحدث إليه، ولكن لم يكن هناك شيء. رآني زملائي السجناء أتحدث إليه. فقلتُ إنني لا أعرف ما الخطب. ثم جاء اثنان من الطاقم الطبي المساعد وجسّا نبضه وقالا: ’توفي أخوك‘. فقلتُ: ’لا، إنه يشعر بالبرد فحسب‘. ألبستُه جوربَي. لم أعرف ما أقول لأمي. ماذا أقول لأطفاله؟ ما زالوا يسألونني حتى يومنا هذا». أُخذت الجثة. وبعد يوم، استُجوب P8 وP11 وعُذّبا بالضرب والصدمات الكهربائية. ولا يزال P8 يعاني من العواقب الجسدية والنفسية حتى هذا اليوم، والتي أصبحت خلال شهادته واضحةً لا شكّ فيها. ذكر محامي المدعين بانز أنه علم من P19 بما حلّ بالجثة بعد ذلك، ولكنه آثَر عدم مشاركة ذلك، لأنه لم يَعُد ذا صلة مباشرة بالتهم.
عاد محامي المدعي بانز مجددا إلى موضوع المتهم الذي أنكر انتماءه لأي فرع مخابرات، ولكنه لم يُقدّم أي دليل يُذكر يؤيّد هذا الادعاء. بينما أيّدت هذه الادعاءاتِ شهاداتُ الشهود P8 وP11 وP19، تدعمُها قائمةُ سجناء من لجنة العدالة الدولية والمساءلة ووثيقةُ تسليم مؤرخة في 7 كانون الأول / ديسمبر 2011. واستجوبت المحكمة P8 لأكثر من أربعة أسابيع على مدار ست جلسات. فتسبّب الاستجواب المُطوّل والذكريات المُتكررة في تعريضه إلى صدمة نفسية مرةً أخرى. وكانت التباينات في شهادته طبيعيةً بالنظر إلى الظروف التي قاساها والخوف من الموت الذي كابده. وبدا منهكا تماما أثناء استجوابه وبعده.
وأكد محامي المدعين أنّ P8 أعطى انطباعا صادقا وموثوقا. وبدا متحمّلا للمسؤولية واعترف صراحةً بنقاط ضعفه، على سبيل المثال، عندما تعلّق الأمر بالأرقام. ولم يكن تدوينه للأسماء والأماكن تناقضا، بل بيّن التزامه بتذكّر كل شيء بدقة. ولم تكن هناك علامات على مَيلٍ للتجريم؛ بل كان واضحا أنّ P8 شعر بأنه مُلزَمٌ بالمساهمة في التحقيق. ودائما ما بدا P8 صادقا وأمينا وذا مسؤولية. وأقرّ صراحةً بصعوبات واجهها مع الأرقام ووصف نفسه بأنه رجل بسيط. وأكّد محامي المدعين أنّ P8 لم يستطع حتى تذكر أعياد ميلاد أطفاله، وأنه دوّن الأسماء والأماكن كي لا ينساها فحسب.
أقرّ P8 بوجود شكوك وتباينات، لا سيما بخصوص بالتسلسل الزمني، إلا أنها بدت معقولة. وكانت شهادته واضحةً بشأن الأحداث الجوهرية، ولا سيما تحديد هوية علاء والتعرف عليه. وكانت وسيلةُ حفظه الأسماءَ مقنعة: فقد دوّنها مع أماكن المنشأ، وأبقى القائمة في محفظته لكي لا ينسى، خلافا لمصير أخيه [حُجب الاسم]، الذي لم ينسَه أبدا. وفي الختام، لخّص محامي المدعين بانز بأنه لا يوجد دليل على تجريمٍ باطلٍ ولا يمكن إدراك أي دافع لذلك. وكانت للإشارة إلى [حُجب الاسم] صلةٌ خاصةٌ بسياق مشفى حمص العسكري، إذ ربط عدّةُ شهود [حُجب الاسم] مرارا بإساءة المعاملة والوحشية. وقد أُثبت أنّ علاء كان مسؤولا عن وفاة شقيق P8. ورغم أنه يُفترض بالأطباء أن يقدّموا العلاج، إلّا أنّ المنظومة الطبية في سوريا متشابكةٌ مع أجهزة المخابرات. إذ دعم الطاقمُ الطبي النظامَ فأصبح جزءا من منظومة التعذيب والسَّجن. وأكّد محامي المدعين أنّ الأطباء كانوا يعرفون حالةَ الأخِ الصحيةَ السابقة. بدأ الاعتداءُ بجلب الأخوين وP11 إلى الفرع 261. ورغم أنّ التوتر ربما يكون ما تسبب في نوبات الصرع، إلّا أنّ تصرفات علاء بإعطائه الدواء الخطأ ومنعه العلاج المناسب هو ما أدّى في النهاية إلى وفاة الأخ. واختتم محامي المدعين بانز حديثه مقتبسا المتهمَ الذي أخبر المحكمة بفخر أنه عالج زميله السجين المصاب بالصرع. وعندما سُئل المتهم عن ذلك، أوضح أنّ التدريب الطبي الأساسي يتضمن المعرفة اللازمة لعلاج كهذا. ويعززُ هذا الاستنتاجَ بأنه كان يملك بالفعل معرفةً بذلك آنذاك. وأشار المحامي بانز إلى أنه سأل المتهم في بداية المحاكمة لِمَ صار طبيبا، فرفض محامي الدفاع إندريس أن يجيب [المتهم]. ومع ذلك، برزت خلال المحاكمة صورةٌ للمتهم تتنافى مع الانطباع الذي كان لدى P8 عندما وثق به أولَ مرة.
نظراً لدقّة بيان الادعاء العام، أعلن محامي المدعين بانز أنّ تقييمه القانوني سيكون موجزا. كان علاء مسؤولا عن تعذيب P8 وقتل شقيقه. شكّلت هذه الأفعال جزءا من نمط أوسع من العنف المنهجي ضد السكان المدنيين السوريين، وخاصة في حمص. ومَثّل الاعتقالُ والنقلُ إلى أجهزة المخابرات وإساءةُ المعاملة أثناء دخولها ولاحقا على يد المتهم نمطا نموذجيا كما تقتضيه الفقرة 7 من القانون الألماني للجرائم ضد القانون الدولي. ولم تكن أسبابُ الاعتقالِ المزعومةُ إلّا ذريعةً للاختطاف والاحتجاز وإساءة المعاملة. وبيّنت الأدلة بوضوح أنّ المشافي العسكرية شكّلت إحدى الدعائم الأساسية للاعتداء على المدنيين. ركز البيان الختامي على العواقب القانونية. لم يكن لدى P8 نفسه أي مصلحة في أن تُصدَر عقوبة، ولم يطالب بأي تعويض وكان يعلم أنّ ذلك لن يعيد شقيقه الراحل. بالنسبة له، كان مهمّا إثباتُ مسؤولية علاء وإقرارُ الجرائم. صرح محامي المدعين بانز، في ملاحظة شخصية، بأنّ السجن المؤبد لا يتوافق مع حقوق الإنسان وكرامته ولا القانون الأساسي الألماني، ولذلك لم يطلب محامي المدعين حكما محدَّدا. واختتم محامي المدعين بانز كلمتَه بإجلال المجتمع المدني السوري وإكبار دوره في محاسبة جرائم النظام وشركائه. وأثنى على منظمات حقوق الإنسان والناشطين والمنظمات غير الحكومية، وأشاد بشجاعة موكله وعزيمته. وأعرب عن أمله في أن تساهم المحاكمة في تحسين ظروف سوريا ومنحها مزيدا من الحرية.
ثم قرأ محامي المدعين البيان الختامي لموكله الذي لم يتمكن من الحضور. أعرب P8 عن امتنانه للقضاء الألماني «حصن الحقيقة والعدالة» وللحكومة [حُجب المكان] على وفائها بواجبها الإنساني. وتعهّد بألّا ينسى ما حدث أبدا وأن يسعى لمعرفة الحقيقة، والله على ما يقول شهيد. وبصفته الآن مواطنا أوروبيا، عرّف نفسَه على أنه شاهدٌ على جريمة نكراء. ويثق في أنّ المحكمة ستصدر حُكما عادلا، بغض النظر عن نتيجته. وتحدث نيابةً عن المدنيين السوريين الذين كابدوا الطغيان والاستبداد. وأعطى النظام السوري الجديد بارقةَ أمل. وختاما، شكر جميع المشاركين في مجابهة جرائم النظام، واختتم بهذه الكلمات: «كان الله معكم جميعا».
***
[استراحة لاثنتي عشرة دقيقة]
***
ثم أكمل محامي المدعين بيسلر المسيرة بقراءة بيانه الختامي. بخصوص موكله [حُجب الاسم]، P4، أكّد أنه - كما هو الحال بالنسبة للادعاء العام في مرافعته الختامية - لم يكن لزاما بذلُ جهد عظيم لتوضيح الأساس القانوني فحسب، بل الأساس الوقائعي كذلك. وقال إنّ هذا يُحسَب كثيرا للمحكمة. ولم تكن شهادةُ المتهم نفسُها هي ما يُعترض عليه، إذ لم يكن مُلزما بقول الحقيقة. إلّا أنّ سلوك دفاعه لم يُساهم في إثبات الحقيقة. فرغم أنّ علاء قدّم مزاعم دفاعية، إلّا أنه أنكر تهمًا رئيسية تتعلق بالمقاضاة الثانوية. وكان مما فَعلَه أن قدّم وثيقةً تهدف إلى إثبات غيابه عن مسرح الجريمة. غير أنّ محامي المدعين بيسلر أحال إلى شهود وإلى الشاهد الخبير الدكتور شْتايْنْبِرج P24 الذي شهد بإمكانية الحصول على جميع أنواع السندات والوثائق في سوريا مقابل المال. وفي المقابل، سرد الشاهد P4 بتفصيل وإحكام كيف أُدخل المشفى. ولم يكن للتشكيك في مصداقيته أساسٌ من الصحة: إذ أدلى P4 بشهادته بتفصيلٍ وعاطفةٍ ودون أي ثغرات في الذاكرة. وعرّض نفسه للخطر مرارا. ونظرا لخطورة الموقف، أعدّ مكتبُ الشرطة الجنائية الاتحادية الألماني (BKA) في النهاية له تدابير وقائية. فقد داس المتهمُ بحذائه على جرح متقيح في مرفق P4 وأحرقه وكسر ثلاثة من أسنانه وضربه بهراوة حتى فقد وعيه. وبصفته طبيبا، كان علاء ملزما بحماية الناس. إلّا أنه زعم أنّ P4 استقى معلوماته من تقارير إعلامية، دون تقديم أي دليل على ذلك، ولم يؤكد هذا الزعمُ أثناء المحاكمة. ولم يقدّم محامي المدعين بيسلر شكوى جنائية، بل ترك الحكم لتقدير المحكمة.
ثم ألقى محامي المدعين رايجر بيانَه الختامي. وأكّد أنّ حجة الادعاء العام كانت شاملة لدرجة أنه يوافق على ما جاء فيها دون أن يكون لديه الكثير ليضيفه. ارتُكبت الجرائم منذ أمدٍ بعيد؛ وعسّرت الإجراءاتِ العوائقُ اللغوية والموقف الحساس للشهود وعائلاتهم في سوريا. ويرسل مبدأُ الولاية القضائية العالمية رسالةً إلى الجناة والضحايا. بالنسبة لموكله [حُجب الاسم] P1، ظلّ يظنّ طويلا أنّ من المُحال محاسبةُ الجناة جنائيا. فحوّلت المحاكمةُ دورَه من ضحية تعذيب إلى طرف متضرر معترف به، وكشفت المحكمةُ ما كان يجب أن يبقى حبيس الكتمان، وعرّت الجرائمَ في تشرين وحمص وبيّنتها بجلاء. وفي اليوم الخامس عشر من المحاكمة، سأل محامي المدعين رايجر الشاهدَ P1 عن أسوأ شيء في اعتقاله، فأجاب: الإهانات، لأنّ هذا يُعَدُّ في الثقافة الإسلامية السورية شكلا بالغ الشدة من أشكال الإذلال. وجَبَرت المحاكمة كرامةَ P1 وضحايا التعذيب. لم يَعُد المتهمُ فوقهم؛ بل يجب محاسبته. وهذا أمرٌ بالغ الأهمية للشعب السوري. فجلبُ العدالة هي مهمة المحكمة وفقا للقانون الألماني للجرائم ضد القانون الدولي، لا بسبب الأحداث السياسية، بل تحديدا بسبب الهجمات المنهجية على المدنيين.
كان عمرُ P1 عامَ 2011 ثمانية عشر عاما. أراد دراسة الهندسة بعدما أنهى المدرسة الثانوية، وشارك في مظاهرات [حُجب المكان]. وكان كفيلا بمشاركتِه وأصلِه واسمِ عائلته أن يُفضوا إلى اعتقاله عند حاجز عسكري في نيسان / أبريل 2012. وأعقب ذلك أشهرٌ من الاعتقال وإساءة المعاملة والتعذيب الشديد حتى كانون الأول / ديسمبر 2012. عندما أُطلق سراح P1 من سجن حمص المركزي وعمرُه 19 عاما، كان شابا أثقلته ندوبٌ جسدية ونفسية، لا يزال يقاسي تبِعاتِها حتى يومنا هذا. وأوضح محامي المدعين رايجر أنّ شهادة P1 في المحاكمة اقتصرت على التعذيب المتعلّق بالقضية المرفوعة ضد المتهم. وفي آب / أغسطس 2012، اتُّهم P1 بالمشاركة في أعمال شغب في سجن حمص المركزي. ثم نُقل مع 15 إلى 20 معتقلا آخر إلى وحدة الأمن العسكري، حيث مكث 15 يوما. بلغت شدّةُ التعذيب مبلغا جعلته وآخرين يطلبون نقلهم إلى المشفى. حذّره زملاؤه السجناء: لم تعد هذه مشافيَ، بل مسالخ. أدرك P1 أنّ المنظومة برُمّتها، من أجهزة أمنية وقضائية وطبية، مسخّرةٌ لخدمة النظام. وفي يوم المحاكمة الثالث عشر، شهد P1 بأنّ دمك «يُهدر» حالما تُعَدُّ معارضا للنظام. ظنّ أنّ إصاباته لا يمكن أن تسوء أكثر مما هي عليه، ولكنه كان مخطئا. وقبل إدخاله المشفى العسكري في حمص، كان يعُدُّ الأطباء والممرضين «ملائكة رحمة»، يمثّلون الرعايةَ والشفاءَ والإنسانية. كان يرى أنّ الأطباءَ مهنيّون كرّسوا أنفسهم لما فيه رخاءُ الناس وعافيتُهم، ولعلاجِ الأمراض، وتخفيفِ المعاناة. ولكن تلك الصورة تغيرت فجأةً بعد دخوله المشفى.
جعل علاءٌ وأقرانُه حياةَ P1 وسجناءَ آخرين جحيما في مشفى حمص العسكري. وقد وصف الادعاءُ العام بدقة التعذيبَ الذي اتُّهم بارتكابه المتهمُ. فقد ضرب علاءٌ مع آخرين الشاهدَ P1 وعلقوه من السقف باستخدام أسلوب «الشبح»، حيث يُرفع السجناءُ مقيّدي اليدَين بحيث لا تلامس الأرضَ إلّا أطرافُ أصابع أقدامهم. يسبب هذا الوضع ألما لا يُطاق؛ ووفقا لمحامي المدعين رايجر، يعرف الجميعُ في سوريا هذا الأسلوب. وحتى أنه يزداد وحشيةً حينما تُربط الأيدي والأقدام ويُعلّق الضحية تماما في الهواء أثناء ضربه. ويُشدّ الجسد إلى حدّه الأقصى، فيصير العمودُ الفقري معرضا للكسر. وهذا بالضبط ما حلّ بـ P1 في غرفة التعذيب، على يدي المتهم وشركائه. وبعد أن انهار على الأرض فاقدا وعيَه وحُلَّ وثاقُه، سُكب على ذراعه سائلٌ وأُحرقت. واستوفت ظروفُ الاعتقال الموصوفة أعلاه وحدَها معاييرَ التعذيب المنصوص عليها في الفقرة 7 (1) (5) من القانون الألماني للجرائم ضد القانون الدولي: شُحُّ الطعام، وعفنٌ على الجدران، وبرازٌ على الأرض، وجَرَبٌ، وآفاتٌ من حشراتٍ وديدان، وأمراضُ الجهاز الهضمي، وكلها ترمي إلى إلحاق أقصى قدر من المعاناة. فكان الموت احتمالا واردا على أقل تقدير.
لا يزال P1 يعاني مما خلّفه تعذيبُ المتهم له. إذ سبّب تعليقُه من يديه وقدميه تلفا دائما في عموده الفقري، ولا يزال يقاسي آلاما مزمنةً في ظهره. وترك الحرق ندبةً ظاهرةً وثّقها البروفيسور الدكتور روتشيلد. ولا يزال P1 يكابد نفسيّا ومضاتِ ذكرياته من الماضي واضطراباتٍ في نومه يُرجّح أن تطارده لبقية حياته. وأكّد محامي المدعين رايجر أنّ علاء كان يملك الخيار، فاختار المتهمُ واعيا عامدا أن يكون جزءا من نظام مجرم؛ فعذّبَ وقتَلَ تُحرّكُه قناعاتُه. وحاول أطباء آخرون، في حدود إمكانياتهم، على الأقل أن يُظهروا تعاطفا وامتنعوا عن التعذيب، خلافا لعلاء. وقد أبرز هذا ولاءه للنظام، كما أكّد ذلك الادعاءُ العام في بيانه الختامي. ولم يجعله ولاؤه هذا مسخّرا للاستخدام في المشافي العسكرية فحسب، بل وفي أجهزة المخابرات كذلك. ولهذا لم يكن مُستَغرَبا نقلُه إلى مشفى حمص العسكري في آب / أغسطس وأيلول / سبتمبر 2012. ومن الجدير بالملاحظة محادثةٌ على فيسبوك مع [حُجب الاسم] بتاريخ 9 كانون الثاني / يناير 2012، كتب فيها المتهمُ أنه أكمل [دورة] «الأغرار» في حمص، أي التدريب العسكري الأساسي. ويشير هذا أيضا إلى أنّ علاء سعى للمشاركة فاعلا في قمع الاحتجاجات، فتخطّى بتمادٍ دورَ الطبيب المقيم المدني.
وبخصوص تقييم شهادة P1: استُجوب شاهدا طيلةَ خمس جلسات استماع، كانت اثنتان منها محضَ استجوابٍ وتجابهٍ من الدفاع. وأشار الادعاءُ العام في بيانه الختامي إلى أنّ بعض الشهود قد استُنزفوا إلى أقصى حد، وهو ما ينطبق بالأخصّ على P1. وكانت أسئلةُ المحكمة كثيرةً ومفصلةً وأحيانا مُجهِدة. وقد أدى استحضارُه لما مرّ به إلى انهياره عدّةَ مرات، في قاعة المحكمة وفي قاعة الشهود. وشدّد محامي المدعين رايجر على أنّ الادعاء العام قيّم شهادةَ P1 بأنها موثوقة ومتّسقة.
ووصف P1 نفسه دوافعه للشهادة كما يلي:
في يوم المحاكمة الثالث عشر: «سبب مجيئي الرئيسي إلى هنا هو متابعة هذه المحاكمة. إنه واجب. اليوم هو ثاني أيام العيد، كما تعلمون. تركتُ عائلتي وحدها لأني هنا أؤدي واجبا، فهو واجب يجب أن يؤدّيه كلُّ من عانى في هذا المشفى».
في يوم المحاكمة السادس عشر: «قلتُ سابقا إنني أرى أنّ هذا واجب. إلّا أنني أعاني من كل هذا الضغط، فلديّ مشاكل اكتئاب وإصابات لأنني أريد أن أؤدي هذا الواجب: أن تَظهر الحقيقةُ، وأن يعرف الناس ما حدث».
أحال محامي المدعين رايجر إلى التقييم المفصل الدقيق الذي أجراه الادعاء العام لأصل الشهادة واتساقها وجودتها. وامتنع عن التعقيب أكثر تجنبا للتكرار. ولم تكن هناك أي مؤشّرات على أنّ P1 لم يُدْلِ بالحقيقة في شهادته أمام المحكمة. ثم شدّد محامي المدعين على أنّ P1 حدّد هويةَ المتهم. واتّضحت مصداقيتُه كذلك في طريقة تعامله الدقيقة مع تحديد الهوية، فلا هو اكتفى بتتبّع صورة «علاء م» المنتشرة على الإنترنت - كما زعم الدفاع مرارا - ولا هو عرّف الطبيبَ الذي عذّبه خطأً بأنه [حُجب الاسم]، على سبيل المثال. فعندما عُرضت عليه صورٌ مُختارة في اليونان أولَ مرة، حدّد P1 بعناية صورةَ المتهم على أنها صورة الطبيب الذي عذّبه في المشفى العسكري بنسبة يقين تصل إلى 70٪. وفي الجلسة الرئيسية، قَشَع المتهمُ بنفسه ما تبقى من غمام شكوك P1: إذ دأب علاء على مقاطعة شهادة P1 مجاهرا بالتدخّل وبتصويبات للترجمة. وشهد P1 أنّ ذهنه غادر قاعة المحكمة حالما سمع صوت الذي تحدّث آنفا. واستحضر فورا التعذيبَ الذي قاساه هو وسجناءُ آخرون. وفي يوم المحاكمة الرابع عشر، ذكر أنّ المرء لا ينسى من يهينُه بكلمات معيّنة. فإهانةُ أخت المرءِ وأمه أمرٌ جَلَلٌ في الثقافة العربية، ولا توجد طريقة مناسبة للرد. وأثارت هذه التصريحات في P1 ردّ فعل عاطفي عميق.
واستحضر رايجر أنه عندما سأل رئيسُ المحكمة الشاهدَ P1 عما إذا كان لا يزال متمسكا بنسبة 70-80% لتحديد الهوية، رفض P1 ذلك وقال: «إنها 100%».
ونوّه محامي المدعين رايجر على أنّ P1 لم يحدّد هويةَ المتهم عن طريق مظهره فحسب، بل وصوته كذلك. وكانت رواية P1 عن مقتل زميله السجين [حُجب الاسم] بنفس القدر من الموثوقة. فقد وصف كيف أخذ عناصر الشرطة العسكرية [حُجب الاسم] من زنزانته، وكتبوا شيئا على جثته، وحملوه بعيدا في كيس. ويُعرف من صور قيصر أنّ الشرطة العسكرية السورية كانت مسؤولة عن تسجيل السجناء المتوفين وتوثيقهم. وكان وسمُ الجثث الظاهر في تلك الصور متوافقا مع وصف P1، وهو ما يشير إلى أنّ الشيء نفسه وقع لـ [حُجب الاسم]. وتمكن P1 من التعرف بصورة موثوقة على زي الشرطة العسكرية بسبب روابط عائلية بالجيش ومعرفته الناتجة عنها. ومن وجهة نظر رايجر، عزّز هذا الاستنتاج أنّ [حُجب الاسم] قد مات في الزنزانة.
وأكّد محامي المدعي رايجر أنّ P1 أراد صراحةً أن يشكر المحكمة على منحه فرصةً ليرويَ تجاربه وعلى الاستماع إليه. وبصفته طرفا متضرّرا، كانت هذه الفرصةُ التي نالها للتحدث والتحقيقُ الشامل الذي أجرته المحكمة يعنيان له الكثير. وأعرب المدعي P1 عن امتنانه للادعاء العام والمحققين وخاصةً ضباط حماية الشهود في مكتب الشرطة الجنائية الاتحادية الألماني (BKA). وخصّ محامي المدعين بالذكر رئيسَ المحقيق في مكتب الشرطة، دويْسِنْج، مقرّا بفضله نيابةً عن جميع ضباط الشرطة المشاركين، والذين أدّى عملُهم دورا محوريّا في التحقيق في الجرائم ضد الإنسانية في سوريا، وهو تحقيق ما كان ليحدث أبدا بهذا الشكل بخلاف ذلك. وتمنّى P1 أن يعرب عن تقديره الشخصي لذلك. أيّد محامي المدعين رايجر المرافعة الختامية للادعاء العام فيما يتعلّق بالعقوبة. إذ ارتكب المتهم جريمة ضد الإنسانية عن طريق التعذيب بموجب الفقرة 7 (1) (5) من القانون الألماني للجرائم ضد القانون الدولي، وجريمة حرب ضد أشخاص عن طريق التعذيب بموجب الفقرة 8 (1) (3) من القانون الألماني للجرائم ضد القانون الدولي، مضرّا بـ P1. وبدت العقوبة بالسجن لإحدى عشرة سنة مناسبةً بخصوص P1. وترك رايجر تحديد العقوبة الإجمالية لتقدير المحكمة. وإضافة إلى ذلك، يجب أن يتحمّل المتهمُ نفقات P1 اللازمة.
***
[استراحة لساعة]
***
بدأ محامي الدفاع العجي مرافعته الختامية ببيان شخصي. فحتى الدفاعُ عَدَّ تقييمَ الادعاء العام لجرائم النظام السوري مبنيّا على أسس متينة، كما أكّد العجي. وبصفته من أبناء حمص، عانى هو نفسُه تحت وطأة النظام، وخاصةً خلال سنوات دراسته. وَشَقَّ عليه سماعُ شهادات الشهود، إذ ذكّرته بأماكنَ عايشها شخصيا، أماكنَ لم يتمنّ زيارتَها أبدا.
ثم انتقل إلى تفاصيل القضية. على مدى ثلاث سنوات ونصف، نوقشت وقائعُ زُعم وقوعها على بُعد آلاف الكيلومترات، أو ربما لم تقع أصلا. وفي بيانه الختامي، ركّز على الحالات 12 و16 و17 و18.
تساءل محامي الدفاع العجي كيف لمكن أن تكون هذه الشهادات المُجرِّمة معقولةً إذا لم يَعُد علاء يعمل في حمص بدءا من 20 تشرين الثاني / نوفمبر 2011. فبخصوص الحالة 12، أوضح أنّ المتهم أنكر أنه عمل في مشفى حمص العسكري أو أي مركز مخابراتٍ بعد ذلك التاريخ. إلّا أنه وفقا للأدلة، اعتُقل الشاهدان P11 وP8 وأخوه المتوفى [حُجب الاسم] في 23 تشرين الثاني / نوفمبر 2011، واقتيدوا إلى فرع للمخابرات العسكرية في حمص، حيث زعموا أنهم رأوا المتهم.
في هذا السياق، أشار محامي الدفاع إلى مقال في صحيفة دير شبيجل بتاريخ 22 أيار / مايو 2020، والذي اتهم علاءً علنا لأول مرة بتعذيب سجناءَ في حمص في تشرين الأول / أكتوبر 2011. وزعم مصدر لم يُذكر اسمه أنّ شقيقَه قتله علاءٌ في 23 تشرين الثاني / نوفمبر 2011. وبعد أن عَلِم المتهم بذلك، بدأ في جمع وثائق شخصية لإثبات أنه لم يَعُد يعمل في حمص. وعُرضت هذه الوثائق في المحكمة وأكّدت أنه رحل عن مشفى حمص العسكري في 20 تشرين الثاني / نوفمبر 2011 ونُقل إلى دمشق. وبعد إلقاء القبض عليه في 19 حزيران / يونيو 2020، حصل الدفاع على إمكانية الوصول إلى الملفات في 2 تموز / يوليو 2020، والتي تتضمّن سجلَّ استجواب الشاهد P8. وأفاد هذا السجلُّ أنّ P8 اعتُقل في 23 تشرين الأول / أكتوبر 2011، وهو ما يوافق ما وَرَد في مقالة شبيجل. ويدَلّلُ هذا من وجهة نظر الدفاع على أنّ علاءً كان لا يزال في حمص في ذلك الوقت.
ورغم الشكوك التي أثيرت حول صحة الوثائق التي قدّمها المتهم، إلا أنّ محتواها يوحي بشفافية بخصوص أماكن عمله، وهو ما ينفي وجودَ نيّة للاحتيال والمخادعة. ثم شكّك محامي الدفاع العجي في مصداقية الشاهدَين P8 وP11، لا سيما فيما يتعلق بزعمهما أنهما تعرّفا على المتهم. وعزم على تناول الجوانب الخمسة التالية بالتفصيل:
1. ذاكرة الشهود
2. أصل المذكرة المزعومة
3. مقابلة P8 مع المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في [حُجب المكان] (نيسان / أبريل 2015)
4. وصف مظهر المتهم
5. تناقضات أخرى في الإفادات
عندما تناول محامي الدفاع العجي النقطة الأولى، جادل بأنه اتضح أثناء الاستجواب أنّ ذاكرة P8 وP11 ضعيفةٌ بخصوص هوية المتهم. ففي بداية استجوابه الأول، أخبر P8 المحكمة أنه لم يكن يعرف اسم الطبيب. إلّا أنه ما لبث حتى ادعى بعد ذلك أنه سمع اسمَي «علاء م» و«[حُجب الاسم]» وحفظهما عندما كان في السجن عام 2011. وعندما سُئل P8 عما إذا كان يعرف أخًا لـ [حُجب الاسم] أو ابنَ عمٍّ له، قال إنه سمع الاسم في السجن ودوّنه بعد إطلاق سراحه. وعندما سُئل P8 عن اسم [حُجب الاسم]، ادعى بادئ الأمر أنه لا يتذكره، غير أنه بعدما ذُكّر بأنه أخبر الشرطةَ سابقا أنه سمع هذا الاسم في تقريرٍ لقناة الجزيرة، تهرّب من السؤال مرةً أخرى مشيرا إلى فقدان الذاكرة. وأثارت هذه التناقضات تساؤلات، فكيف يمكن أن يتذكر P8 اسما يُزعم أنه سمعه قبل تسع سنوات، ولا يتذكر مقابلة حديثة مع الشرطة. ولم يستطع أيضا أن يحدّد متى أجرت صحيفةُ [حُجبت المعلومة] مقابلة معه، مدعيا أنه ينسى الأوقات عادةً، وحتى أيام ميلاد أطفاله.
جادل العجي أيضا بأنّ P8 شهد بأنه لم تُؤخذ بصماته أثناء الاعتقال، إلّا أنّ سجلات الشرطة تشير إلى أنه أفاد سابقا أنه أُجبر على إعطاء بصمات. وفسّر هذا التناقض بالقول إنه يخلط بين الأرقام ويحتاج إلى تنسيق التواريخ مع ابن عمه، P11، بسبب ثغرات في الذاكرة. وأكّد P11 نفسُه أنّ P8 نسي بعض الأمور، مثل اسم سجين بُترت ساقه. ووفقا للدفاع، فكلُّ هذا حجةٌ تُناقض موثوقيةَ الذاكرة.
ثم أشار محامي الدفاع العجي إلى الملحق رقم 2 من استجواب الشرطة لـ P8، والذي ذكر فيه P8 أنه دوّن ملاحظة بعد إطلاق سراحه تحوي أسماءَ الطبيبين ومكان أصلهما. ولكن الدفاع أشار إلى تناقضات بين روايتي P8 وP11 بخصوص تدوين هذه الملاحظة. إذ ادعى P8 أنّ زوجته كتبت الملاحظة لأنّ كتابتَه كانت سيئة. أمّا P11 فذكر أنّ ممرضا كتبها. ومما وجده الدفاع جديرا بالملاحظة هو أنّ P8 على ما يبدو لم يخبر P11 شيئا عن محتوى الملاحظة أو أصلها، رغم أنه وصفها بأنها تذكار مهم وأخبر P11 عنها في لقاءٍ عام 2016 في [حُجب المكان]. ولم يكن P11 متأكدا حتى مما إذا كان قد رأى الملاحظة من قبل. ووفقا للعجي، تشكّك هذه العواملُ في وجود الملاحظة أو في صحتها على الأقل. وخلص الدفاع إلى أنّ القصة المحيطة حيكت بعد استبصار لتبرير ما زُعم عن تذكّر P8 اسمَ المتهم. ومن وجهة نظر الدفاع، كان غير معقول أن يتمكّن شاهدان من الاحتفاظ باسمٍ تسعَ سنوات في ظروف سجن صادمة كهذه دون أي دليل مكتوب. وشكك الدفاع في مصداقية P8 في إطار مقابلته مع المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين عام 2015 في [حُجب المكان]. فرغم أنّ P8 قدّم وصفا مفصلا لاعتقاله وإساءة معاملته ووفاة شقيقه المصاب بالصرع، إلّا أنه لم يذكر أي أسماء قطّ، رغم زعمه أنه حفظها وأنه حتى كان يملك مذكرة مكتوبة. وعندما سُئل P8 عن السبب، أخبر المحكمةَ أنه كان يخشى من موظفي المفوضية الذين ربما تأثروا بحزب الله. لم يجد الدفاع هذا مقنعا: فإذا كان على استعداد للحديث عن التعذيب والموت وجرائم النظام، فلماذا كان اسم علاء أخطر من أن يُذكر؟
وفقا لمحامي الدفاع العجي، بدا تقريرُ المفوضية شاملا ومحايدا ومهنيا. ولذا كان ادعاء P8 بأنه يخشى من موظفيها غيرَ معقول. وذكر P8 في المحكمة أنه أخبر المفوضيةَ بنفس القصة التي أخبر بها المحكمة، إلّا أنّ الوثائق لا تؤيدُ هذا الادعاء. وظهرت تناقضات أخرى في وصف P8 للمتهم. ففي البداية، قال إنّ علاء كان يلبس ملابس مدنية؛ ثم أضاف لاحقا بنطالا عسكريّا. وزُعم أنّ [حُجب الاسم] كان يلبس سترة عسكرية وبنطالا مدنيّا. وقال P8 إنه لم يتحدث مباشرة إلى الأطباء، بل كان يراقب فقط الآخرين يُضربون. وادعى أنّ أحد حراس السجن خاطب علاء قائلا «نعم سيدي»، وهو مصطلح يُستخدم عادةً للضباط العسكريين، غير أنّ المتهم لم يخدم قطُّ في الجيش. وقد قوّضت موثوقيةَ تحديد الهوية التناقضاتُ والأوصافُ المبهمةُ لمكان الاعتقال وعدم اليقين عموما. وأشار الدفاع إلى أنّ الإضاءة الخافتة وانعدام النوافذ كان سيُصعّب من التعرف على هوية المتهم. وفي اليوم الثالث من الاستجواب، ذكر أحد الشهود أنّ الطبيبين وزّعا أدوية ضغط الدم ثم غادرا. إلّا أنّ P8 لم يُصرّح بوضوح ما إذا كان هذان الشخصان طبيبين فعلا أم حراسَ سجن.
ثم أكد محامي الدفاع العجي أنّ P8 أعطى في الغالب إجابات مراوغة ولم يستطع تحديد من غادر نصفَ ساعة ثم عاد. ولم يستطع وصف حالة شقيقه الراحل [حُجب الاسم]. ووفقا لـ P8، كان هناك خلط بين حبوب مرض السكر وضغط الدم، ولكن لم يمت أحد. ويتناقض هذا مع روايات أخرى ويوهنُ سرديّةَ أنّه كانت هناك عواقب وخيمة. وادعى P8 أنه سمع محادثة حول «علاء م»، إلّا أنه أوضح لاحقا أنه لم تُذكر أيُّ أسماء إطلاقا. وعندما سُئل P11 عن الحبوب، لم يذكر إلّا أنه أُخبر بأنه لم تُعطَ حبةُ دواء، لا أنه شهد ذلك. وأفاد عن حالة واحدة من إساءة المعاملة، رغم ادعائه سابقا بوجود ثلاث حالات في يومين. ويشير هذا أيضا إلى تناقضات. وجادل محامي الدفاع العجي بأنّ P11 تعرّف على علاء عن طريق صور في وسائل الإعلام في فرنسا وتظاهر بالحياد أثناء التنسيق مع P8. وأكّد هذا الشاهدُ أنور البني P23 قائلا إنّ P11 تواصل معه عبر الفيسبوك.
ووَصف الشاهد [حُجب الاسم] P19 مكانَ الاعتقال، ولكنه فشل في ربطه بالمتهم بصورة معقولة. وقال إنه سمع اسم «الدكتور علاء» في سياق الضرب، ولكنه لم يستطع أن يفسّر متى ربَط الاسمَ بشخص معيّن. تضمّنت إحدى الوقائع التي وصفها طَرْقا على الباب ودخولَ شخص في العتمة، يُزعم أنه علاء، ولكن التعرّف عليه كان مبهَما وغير مقنع. وفي اليوم الرابع من الاستجواب، وصف P19 واقعةً أخرى في السجن المركزي تتعلق برجل يُدعى [حُجب الاسم]. وكان لدى المحكمة سجلٌّ بهذا. إلّا أنّ الدفاع لم يجد توضيحا موثوقا يفسّر كيف رُبط [حُجب الاسم] بعلاء. وقال الدفاع إنّ P19 بدا متأثرا بشدة بوسائل التواصل الاجتماعي والتغطية الإعلامية السابقة. وأخيرا، سلّم محامي الدفاع العجي بأن شقيق P8 المصاب بالصرع كان فعلا ضحية للنظام. وأُبلغ عن هذه القضية على نطاق واسع، وتَحدث P19 مع P23 قبل استجوابه. واستحضر P19 أيضا رؤية تقارير وصور على الإنترنت عن ضحية مصاب بالصرع، وهذا يشير إلى أنّ شهادته ربما تشكّلت من مصادر خارجية لا من ذاكرته الشخصية.
وفقا لمحامي الدفاع العجي، فُنّدت شهادة الشاهد P4. ففي اليوم الأول من الاستجواب، بدأ P4 بخطاب مُعدّ باللغة العربية الفصحى، وألقاه بنبرة عدوانية، بدل الإجابة عن الأسئلة مباشرة في قاعة المحكمة. فكانت شهادةً مُعدّةً مسبقا وتدرّب عليها. وعندما سألت المحكمة عن مزيد من التفاصيل، بدأ P4 يصيح بأنهم ليسوا في بلد الأسد وأنه يسعى إلى العدالة، وهو يخبط على الطاولة. ووفقا للدفاع، كانت ينوي إقناع هيئة المحكمة بمصداقيته. إلّا أنّ سلوكه دلّ على تزعزع وانعدام الثقة. وعندما سُئل P4 عن تفصيلات، اكتفى بادعاءات عامة. وبغض النظر عن هذه المسائل، جادل محامي الدفاع العجي بأنّ شهادتَي P1 وP4 كانتا متناقضتَين وغير منطقيتَن وغير متّسقتَين.
ثم ضرب العجي عدّةَ أمثلة: فادعى P4 أنه دخل المشفى بناءً على طلبه، رغم أنه شهد في الوقت نفسه أنه حُذّر من الخطر. وقال P1 إنه نُقل إلى مشفى حمص العسكري جزاءً على أعمال الشغب في السجن. وعندما سُئل P4 عما إذا بقي [حُجب الاسم] في الزنزانة بعد حقنه، أجاب مرةً أنه بقي عدة ساعات، غير أنه ذكر سابقا في مقابلة مع الشرطة أنه بقي عدة أيام. ثم أوضح أنّ هذا خطأً في الترجمة أثناء استجواب الشرطة. وادعى أنه رأى الطبيب بعد الحقن، ولكنه قال في مكان آخر إنه لم يرَ الطبيب إلّا بضع مرات. وفيما يتعلق بوصف المتوفى [حُجب الاسم]، أفاد P4 أنّ العينين تجحظان عند وفاة الشخص، ولكنه أضاف بعد ذلك أوصافا أخرى لا علاقة لها بالمظهر الخارجي. إضافةً إلى ذلك، ادعى أنه شاهد إحراق الأطراف مرتين، مرةً في الزنزانة، عندما سُكب الكحول على ذراع شخص ما وأُشعلت فيه النار، ومرةً أخرى عند المدخل. وكانت هذه الأقوال، وفقا لمحامي الدفاع العجي، متناقضةً وملفّقةً في وقت قصير، وهو ما يثير الشكوك حول مصداقيته.
في تناقض آخر، ادعى P4 أنه لا يتذكر ما إذا ضُرب آخرون. وخلال جلسة الاستماع، أشار القاضي رودِه إلى استجواب الشرطة لـ P4، والذي ذكر فيه بوضوح وقوع الضرب. ثم ادعى P4 مرة أخرى وجود خطأ في الترجمة، ولكن القاضي شكّك في ذلك، لأن محتوى الإفادة أشار بوضوح إلى مثل هذه الأحداث. وأشار محامي الدفاع العجي إلى أنّ P4 ربما يكون قد شاهد صورا على الإنترنت وأعاد تفسيرها في سياق تجربته الشخصية في السجن. وأكّد أنّ السجن المركزي في حمص هو منشأة للسجناء العاديين، وليس للمعتقلين السياسيين. وبالتالي، لم يكن سجن P4 لأسباب سياسية، بل لجرائم جنائية. وكان ابن أخيه القاصر [حُجب الاسم] P47 معتقلا في قسم آخر من السجن. أمّا بالنسبة للزعم بأنّ P47 انتهى به المطاف معه في المشفى العسكري، فتساءل العجي عما إذا كان P4 قد لفّق هذا الادعاء. ولم يؤكد P47 نفسُه ذلك، بل قال فقط إنه كان في مشافٍ مختلفة، ولكنه لا يتذكر وقائع محددة. ومن وجهة نظر الدفاع، لم تُثبِت روايةُ P4 تعرّضَه للسجن أو التعذيب. وأشار محامي الدفاع العجي إلى قائمة أسماء زُعم أنّ P4 قدّمها، وهو تناقضٌ آخر، إذ كانت هوية السجناء تُحَدَّد بالأرقام لا بالأسماء.
في جلسة الاستماع التي عُقدت في 21 تموز / يوليو 2022، شهد P4 بأنه لم يتصل بـ P1 إلّا بعد أن رأى P1 علاءً على مواقع التواصل الاجتماعي. وتعلّقت تناقضات أخرى بمبنى المستشفى. فقد شهد شهود آخرون، من بينهم أطباء، بعدم وجود غرف تعذيب في القبو، بل بأنّ هناك غرف عمليات وكافتيريا وصالون حلاقة. وقدّم P4 روايات متضاربة حول وقت وقوع الانتهاكات: فقال مرةً إنه حدث عند الوصول، ومرةً أخرى إنه كان بعد يومين.
ادّعى الدفاع أيضا أنّ شهادة P1 تضمّنت تناقضات وأنه أُثّر عليه. ورأى الدفاع أنّ أقوال P1 افتقرت إلى الاتّساق، ولا يمكن أن تُشكل أساسا موثوقا للإدانة عند موازاتها بأقوال P4.
أما بالنسبة لحكم إدانة P4 في سوريا، فقد عَدَّه الدفاع صحيحا، إذ فصّل جوانب من حياته. وفسّر الدفاع «ضحكته الصفراء» في ردّه على الاتهامات بأنها علامةٌ على أنه أُخذ على حين غِرّة. إذ بدا ردُّ فعله حقيقيّا لا مصطنَعا، وكان ذلك أيضا بسبب أخطاء الترجمة الظاهرة. إضافةً إلى ذلك، رفع والد علاء دعوى تشهير ضد P4. وكانت المخاوف التي أُثيرت حول أصل حكم المحكمة السورية تكهنيةً وغير مُثبَتةً. إذ صدرت الوثيقة من العميد خالد أحمد كاخي، رئيس سجن حمص المركزي آنذاك. وأكّد الشاهدُ الخبير P24 كليهما، منصِبَه وصحةَ الوثيقة.
ورمى الدفاعُ الشاهدَ P4 بالكذب بشأن تعذيب ابن أخيه P47. وقد أثار بيانُ الادعاء العام ردَّ فعل عنيف وصاخب من P4. وزُعم أنه هدد شقيقتَه وابنَ أخيه في سوريا، وهو ما يشير إلى احتمال أنه احتال على الناس للحصول على أموال. ورسّخ سلوكُه العدواني والمخادع والصاخب شكوكَ الدفاع في مصداقيته. وبعد استراحة، دعت المحكمة إلى اجتماع مع المترجم الشفوي فرّاج الذي كان يراقب من شرفة الجمهور.
***
[استراحة لعشرين دقيقة]
***
بعد الاستراحة، ألقى محامي الدفاع إندريس مرافعته الختامية. وأوضح أنه يرغب في تقييم مجمل الإجراءات بإيجاز من وجهة نظر الدفاع. وسيركّز محامي الدفاع بون في بيانه بالتفصيل على التهم 12 و16 إلى 18. وأكد محامي الدفاع إندريس احترامه لجميع المشاركين في المحاكمة. لقد كانت محاكمة غير عادية: إذ استمرت أكثر من 3 سنوات ونصف، وتناولت عددا كبيرا من المواقع، واضطرت الأطراف فيها إلى الاعتماد على خرائط جوجل نظرا لاستحالة زيارة المواقع. وفاقم الوضعُ السياسي وانعدامُ العلاقات الدبلوماسية من صعوبة الإجراءات كثيرا. وأكّد أنّ المحاكمة اعتمدت على شهود أتَوا إلى ألمانيا إما طوعا أو بحثا عن اللجوء. إلّا أنه لم يكن ممكنا الاستماع حتى إلى شاهد واحد يمكنه المساهمة في تبرئة المتهم، مثل مدراء المشافي، أو وزير الصحة السوري آنذاك، أو كبار الجنرالات.
أشار إلى أنّ ما وصفه الادعاء العام بخصوص سوريا يُثير في المرء قشعريرة. وأضاف أنّ نفس الروايات ستتكرر ما لم يتغير الناس. وحُسمت تحفظاتُه الأوليّة على الادعاء العام والمدعين؛ إذ كانت المدعية العامة الاتحادية تسابيك، على حدّ تعبيره، في غاية اللطف والودّ. واقتبس من الكاتب الساخر النمساوي هيلموت كْفالتينْجَه: «متيقّنٌ من شيء واحد - الإنسان خنزير» [بالألمانية: Da Mensch is a Sau، وتعني أنّ البشر سيّئون].
وفقا «للمعارضة»، كان علاء جزءا من الجهاز القمعي. وصرّح محامي الدفاع إندريس بأنه فكّر في هذا الأمر الليلة السابقة. وصل المتهم إلى ألمانيا عام 2015، وأكمل اختصاصه في جراحة العظام والرضوض، وكان لديه وزوجتِه طفلٌ آنذاك. في نيسان / أبريل 2020، عُرض فيلم وثائقي على قناة الجزيرة، ظهر فيه علاء باسمه الكامل وصورته، وكان لدى منتِج الفيديو 2.6 مليون متابع. ونشرت صحيفة شبيجل تقريرا عنه كذلك.
وليؤكد محامي الدفاع وجهةَ نظره، أشار إلى المثل القائل: «في نورمبرج، لا يشنقون أحدا إلّا إذا تمكنوا منه». وحتى تلك اللحظة، لم يذكر أحد اسمَ علاء. ووقتها لم يبادر إلّا P23 «الشخصية المبهرة» - كما وصفه إندريس - وآخرون. بدأت العاصفة تعصف بعلاء، وبدأ الناس يركزون عليه، وأنشؤوا شبكةً لتبادل المعلومات. لم يُدرك علاء الخطر، واتخذ وضعية الهجوم، وقدّم شكوى جنائية بتهمة التشهير. ووفقا لمحامي الدفاع إندريس، قام مقام ممثّل لنظام الأسد عندما لم يُتح أي شخص آخر. إلّا أنه قبل ربيع عام 2011 وبعد وصوله إلى ألمانيا، أدى ببساطة واجبه المهني بمعالجة الناس، وليس بتعذيبهم أو قتلهم. وصرّح مرارا بأنه لا يعرف الشهود وأنه لم يكن موجودا في مسرح الجريمة المزعومة.
قال محامي الدفاع إندريس إنه من الغريب أن يتّخذ رجل جاء إلى ألمانيا للعلاج وضعيةً هجومية. وأشار إلى أنّ الرجل الجالس خلف الدفاع ظلّ يكرر نفس العبارة أثناء شهادة الشهود: إنه لا يعرف هؤلاء الأشخاص. أظهرت سجلاتُ محادثات المتهم أنه كان مؤيدا للنظام بشغف، وهو موضوع يُفضَّل ألّا يُتطرّق إليه، لأنه مسيحي. إذ كان المسيحيون والعلويون أقليات محمية في ظل النظام. غير أنّ محامي الدفاع تساءل عما إذا تصرّف علاء بالطريقة التي زعمها الادعاء العام. ووصف موكلَه بأنه ضحية، بأنه شخص جعل من نفسه ضحية. لقد احتُجز خمس سنوات ويُحتمل أنه أنقذ حياة شخص ما. ورفض محامي الدفاع إندريس التقريرَ النفسي للبروفيسور بيرجر ووصفه بأنه مغامر ولا يستحق قيمة الورق الذي كُتب عليه. تخلى علاء طوعا عن رخصته الطبية. وتصرّف طيلة المحاكمة بهدوء وانضباط، ولم يتحدث إلّا مرة واحدة خلال إفادة محامي المدعين بانز حول فرع الأمن العسكري حيث كان P8 معتقلا، ليقول إنه لم يكن هناك أصلا.
بعد بيان محامي الدفاع إندريس الختامي، كان محامي الدفاع بون هو العضو الثالث والأخير من فريق الدفاع الذي قدّم مرافعته الختامية. في البداية، أوضح أنّ الادعاء العام لخّص بدقة في بيانه الختامي نتائج جمع الأدلة الشامل والمكثف بخصوص عهد الإرهاب في ظل نظام الأسد، والذي أُجري على مدى ثلاث سنوات ونصف. وبالأخص، أُقرّت بصورة مقنعة الاحتجاجاتُ التي اندلعت في سوريا مطلع عام 2011 وقمعُ سلطات الدولة لها بوحشية. وذكر محامي الدفاع بون صراحةً بأنّ الدفاع يتفق مع هذه النتيجة.
ثم انتقل إلى مسألتين محوريتين من إجراءات الأدلة:
1. نقل المتهم من حمص إلى دمشق
2. ومدة إقامته في مشفى المزة العسكري في دمشق
تتوافق هذه النقاط مع التهم 12 والتهم 16 إلى 18 من لائحة الاتهام.
وفقا لأمر التوقيف الصادر من المحكمة الاتحادية بتاريخ 19 حزيران / يونيو 2020، والذي عُرض على علاء بتاريخ 20 حزيران / يونيو 2020 على أنها قضية رقم 12، اعتُقل الضحيتان المزعومان، P8 وشقيقُه، في 23 تشرين الثاني / نوفمبر 2011، ونُقلا إلى سجن حمص. وينص أمر التوقيف على أنّ [حُجب الاسم]، شقيقَ P8، ضُرب حتى فقد وعيه في وقتٍ تخلّل وقتَ اعتقاله ويومَ 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2011، وأصيب بنوبة صرع، ثم ما لبث أن توفي. ويُقال إنّ علاء كان له دورٌ فاعل في ذلك، ومن ذلك إعطاؤه قرص دواء.
ردّ الدفاع بأنّ المتهم نُقل من مشفى حمص العسكري إلى مشفى المزة العسكري بناءً على طلبه، اعتبارا من 20 تشرين الثاني / نوفمبر 2011، وكان ذلك آخر يوم عمل له في حمص هو 19 تشرين الثاني / نوفمبر 2011. ودلّل على ذلك شهادةُ خبرة صادرة عن وزارة الدفاع السورية بتاريخ 19 تموز / يوليو 2020. ويُؤكّد صحةَ هذه الشهادة التوقيعُ المتطابق الذي وُجد في وثائق أخرى قُدّمت أثناء المحاكمة. وأكدّ محامي الدفاع بون أنّ هذه الشهادة ليست مبرِّئةً بل مُجرِّمة، إذ تُثبت وجودَ المتهم في حمص في وقت يتعلّق بالتهم. ولذلك، لا يُرجّح أن يكون هناك تزويرٌ مُتعمّدٌ لصالحه. ويؤيّد ذلك أمرٌ إداري صادر عن [إدارة] الخدمات الطبية العسكرية في سوريا بتاريخ 20 تشرين الثاني / نوفمبر 2011، عليه ختم استلام من مشفى المزة بتاريخ 23 تشرين الثاني / نوفمبر 2011.
وأضاف الدفاع أنّ انتقال علاء إلى دمشق أيّدته كذلك سجلاتُ المحادثات من ملفه الشخصي على فيسبوك، والتي حللها مكتبُ الشرطة الجنائية الاتحادية الألماني وأُدرجت في الأدلة. وأظهرت هذه السجلات باستمرار أنّ المتهم كان في دمشق من أواخر تشرين الثاني / نوفمبر 2011 فصاعدا. وتشير المحادثاتُ تحديدا مع [حُجب الاسم] و[حُجب الاسم] إلى أنه واصل عمله الطبي في مستشفى المزة العسكري خلال هذه الفترة. وذكرت رسالة في 17 تشرين الثاني / نوفمبر 2011، بين الشاهدين [حُجب الاسم] P35 و[حُجب الاسم] P48 أنّ «شخيص» - لقب المتهم - سينتقل إلى دمشق في الأسبوع التالي. وأوضح محامي الدفاع بون أنّ الدفاع دحض اعتراض الادعاء العام بأنّ لقب «شخيص» لا يمكن ربطه قطعا بالمتهم، إذ أشار الدفاع إلى تسميات شخصية أخرى لعلاء، مثل «أبي شاكر».
فيما يتعلق بالمسألة الثانية، أكد بون أنه باستثناء الشاهدين P1 وP4، لم يشهد أي شاهد أو حتى يُلمّح إلى عودة المتهم إلى مشفى حمص العسكري بعد نقله إلى دمشق. ولم تظهر خلال الإجراءات أي نتائج أو مؤشرات أخرى تُشير إلى ذلك. وينطبق الأمرُ نفسُه على محادثات فيسبوك المُطوّلة التي أُدرجت ضمن الأدلة، والتي لم تتضمن أي إشارة إلى مثل هذا المكث هناك. ويجدر بالذكر أنّ الانتقال من حمص إلى دمشق كان موضوعا تكرّر في هذه المحادثات على مدار عدة أسابيع. فلو نُقل علاء مؤقتا إلى حمص في صيف عام 2012، لانعكس ذلك على الأرجح على تلك المحادثات. أما فكرةُ إخفائه مهمةً كهذه عمدا - بسبب قناعاته السياسية، على سبيل المثال - فتبدو مستبعدة. وأشار بون إلى أنه لم يُبلغ أي شاهد من المجال الطبي عن عودة كهذه.
بل على العكس من ذلك، أفاد الشهود [حُجب الاسم] P26 و[حُجب الاسم] P28 و[حُجب الاسم] P36 بأنهم كانوا على علم بنقل علاء إلى دمشق. وأفاد الشاهد P26 بأنه كان يلتقي المتهم مرة أو مرتين أسبوعيّا من وقتها. وذكر الشاهد P28 أنه عمل مع المتهم في مشفى المزة العسكري لستة أشهر تقريبا، حتى منتصف عام 2012. وبعدما غادر علاءٌ المشفى، استمر في العمل هناك حتى نهاية عام 2012.
وأكّد الشاهد [حُجب الاسم] P30 أنّ المتهم كان في دمشق منذ أواخر عام 2011 أو أوائل عام 2012 فصاعدا. وقالت بمثل ذلك شهاداتُ الشهود [حُجب الاسم] P57 و[حُجب الاسم] P34 و[حُجب الاسم] P42 الذين كانوا على اتصال شخصي بالمتهم في دمشق حتى نهاية عام 2012. ووثّقت كثيرٌ من رسائل فيسبوك نشاطَه الطبي في أيام محددة. فعلى سبيل المثال، كتب أنه ساعد في عملية جراحية في المشفى الفرنسي الخاص في تموز / يوليو 2012، وهو ما أكّده الشاهدان [حُجب الاسم] P37 و[حُجب الاسم] P29. وأشار محامي الدفاع بون أيضا إلى أنّ المتهم شهد الانفجار في دمشق في 18 تموز / يوليو 2012، وهو ما أكده الشاهد [حُجب الاسم] P33. وهناك حدثٌ مؤكدٌ آخر كان إصابتَه بطلق ناري في ساقه في دمشق بتاريخ 5 كانون الأول / ديسمبر 2012، وأكّد ذلك عدةُ شهود من المجال الطبي. أفاد الشاهد [حُجب الاسم] P40 الذي عمل في مشفى المزة العسكري من ربيع 2012 إلى نهاية 2013، بأنه عمل مع المتهم وأكّد الإصابة. ولم يُشر أيٌّ من الشهود إلى أنّ علاء غادر دمشق أو المشفى خلال تلك الفترة. بل على العكس، كان يُرى هناك بانتظام ويُساعد في العمليات الجراحية مع أطباء آخرين.
ولا تُشكّل زيارةُ علاء لمسقط رأسه في وقت فراغه أو إجازته - كما شهد هو بنفسه - دليلا على إقامته في مشفى حمص العسكري في صيف عام 2012، كما ادّعى الادعاء العام. ووفقا للدفاع، لا تُجرّمه هذه الزيارات، إذ لا يوجد دليل على عمل علاء خارج المزة عام 2012. ورغم أنّ شهادة الشاهد P57 حول إساءة المعاملة بدت ذات مصداقية في البداية، إلّا أنّ دافعَ سلوكه الواضح كان الانتقام وجعل المتهمَ بؤرة اهتمامه. وحتى أنّ الادعاء العام لم يعتمد في النهاية على هذا الشاهد، لا سيما أنه ادّعى زورا أنّ الأطباء كانوا يستطيعون التنقل بين المشافي العسكرية كما يشاؤون، بينما كانت الإدارة الطبية السورية في الواقع هي وحدها التي تُحدّد التنقّلات.
وبخصوص الحبس الاحترازي، أشار بون إلى أنّ الادعاء العام أيّد رأي الخبير البروفيسور دكتور بيرجر وطالب بالاحتجاز بموجب الفقرة 66 من القانون الجنائي الألماني. إلّا أنّ البروفيسور بيرجر أدلى بشهادته أثناء الاستجواب في 11 شباط / فبراير 2025، بأن «الميل أو النزعة» ضمن معنى الفقرة 66 ينطبق عادةً على المجرمين المعتادين، وهذا لا يتطابق مع توصيف علاء. ولذلك يجب ألّا يُجرى تشخيصٌ لمثل هذا الميل إلّا بعناية وحذر. ورغم أنّ البروفيسور بيرجر رأى مؤشرات على سلوك ساديّ واحتمالَ وجود ميولٍ إدمانية تعلّق بالسمات النرجسيّة المثاليّة والاندفاعية المتهوّرة، لم تكن هناك مؤشرات أخرى على الإدمان، خاصةً أنّ المتهم أنكر التهم. ورأى الخبير أنّ تشكُّل أي سلوك محتمل بفعل الظروف السياسية القسرية في سوريا هو أمرٌ يمكن تصوُّره. وإذا كان علاء قد ارتكب أعمال بُغضٍ كراهية، فسيظل مسؤولا عن فعل ذلك بصفته طبيبا. لقد تربّى المتهمُ وتدرّب في أحضان نظام الأسد، دون وجود بديل، وفي ظل دعاية مضلّلة من طرف النظام فحسب.
مع اندلاع الانتفاضة ضد نظام الأسد، يبدو أنه تطرّف ليصبح تابعا مخلصا أعمى. وكان هذا السياق الاجتماعي والسياسي الفريد، الذي يُعَدّ أنه انتهى الآن فعليّا، هو الدافعَ وراء السلوك المزعوم. ويجد علاء نفسه الآن في وضع مختلف تماما. إذ لا يوجد دليل على أي سلوك مماثل سواء قبل عام 2011 أو بعد وصوله إلى ألمانيا. وعلى العكس من ذلك: تشير الأدلة إلى عدم وجود خطر مستقبلا. ووفقا لمحامي الدفاع بون، ينصّ قانون السوابق القضائية على أنّ افتراض وجود خطر لا ينطبق إذا حدثت تغييرات كبيرة في الظروف. وبالتالي، يُستبعد أن يُؤمر تلقائيّا بالحبس الاحترازي. وفي ختام المحاكمة، أفاد المتهم بصورة موثوقة بأنه لن يمارس الطب بعد الآن، وحتى لو سُمح له بذلك قانونا. ورَدّ رخصتَيه الطبيتَين السورية والألمانية.
اختتم بون مشدّدا على أنه لا يمكن الجزم بأنّ هناك مجازفة بأن يرتكب أفعالا مماثلة في المستقبل، حتى وإن كان قد ارتكبها سابقا. وأنهى مرافعته الختامية بطلب تبرئة علاء من التهم 12 و16 إلى 18.
أعقب مرافعاتِ الدفاعِ الختاميةَ كلمةٌ أخيرةٌ للمتهم قرأها باللغة الألمانية. بدأ علاء مرافعته بالتحية: «سيداتي وسادتي، أيتها المحكمة الموقرة». وأوضح أنه حتى قبل سجنه، كانت هناك فعلا موجةٌ ضده من الاتهامات والادعاءات. ودائما كان يردُّ بتأكيده على ثقته الكاملة في نظام العدالة الألماني. وقدّم مرتين شكاوى إلى الشرطة الألمانية بخصوص الادعاءات ضده. وأخبره محاميا الدفاع إندريس وبون أنه لا يحتاج إلى دفاع لأنّ كل شيء عادل في هذه الإجراءات. وعلى مدار ثلاث سنوات، أجرى الادعاء العام تحقيقات مفصلة، لا سيما في جمع شهادات الشهود. وعندما دخل لاحقا إلى حسابه على فيسبوك، أصابه الخزيُ والعارُ بسبب بعض تعليقاته؛ ولكنه أوضح أنه تربّى في ظل هذا النظام. وفي ذلك الوقت، كان ساذجا غشيما «وغرّا غير ناضج سياسيا بما يكفي» لمقاومة التأثير الإعلامي لدعاية النظام المضللة. ومنذ بداية الإجراءات، وصف بوضوح النظامَ السوري بأنه ديكتاتوري. ولم يدافع عنها أمام المحكمة قطّ، رغم أنها كانت تسعى الآن إلى العودة إلى الساحة الدولية عن طريق إعادة الانضمام إلى جامعة الدول العربية.
عندما طلب المتهم من شركة ميتا بيانات الأماكن التي تتعلّق بتسجيل الدخول إلى حسابه على فيسبوك لإثبات أين كان يوجد في وقت معيّن، تفاءل ظانًّا أنها قد تُساعد في إثبات براءته. لكن ومع الأسف، صرّح القاضي رودِه بأنّ البيانات غير مفيدة. وقال المتهم إنه رحّب بسقوط نظام الأسد، وعَدّ الإعلامَ الألمانيّ مصدرا موثوقا.
كان يأمل أن يسمح التغيير السياسي في سوريا بإعادة فتح العلاقات، ليتمكن مكتب الشرطة الجنائية الاتحادية الألماني من السفر إلى البلاد وجمع البيانات للتحقق منها. إلّا أنّ أمله هذا تبدّد بعد أن أبلغه محامي الدفاع بون بعدم وجود أي تعاون قانوني مع سوريا.
فيما يتعلق بالمدعين، قال علاء إنه لا يشك في أنهم كانوا ضحايا للنظام. غير أنه يُصرّ حتى آخر أنفاسه على أنه لم يعمل قطُّ في أجهزة المخابرات أو في مشفى حمص في الوقت الذي ذُكر أنّ P8 وشقيقَه الراحلَ وP11 كانوا فيه معتقلين.
وقرّر أنه لم يَعُد يرغب في العمل طبيبا في المستقبل. لقد تخلّى عن هذه المهنة. إذ أراد أن يعيش حياته مع عائلته وأن يكون سندا لأطفاله. وأعرب عن أمله في حكم عادل. وأمِل أن تبزغ الحقيقة لأنه يؤمن بالنظام القضائي الألماني. واختتم كلمته بـ «شكرا».
ثم أنبأ رئيسُ المحكمة بإلغاء جلستَي 10 و12 حزيران / يونيو. وأمّا بالنسبة للنطق بالحكم في 16 حزيران / يونيو 2025 الساعة 10:30 صباحا، فستُفتح أبواب قاعة المحكمة قبل ساعة من الموعد المحدد نظرا لأنّ هناك إقبالا كبيرا متوقَّعا.
رُفِعت الجلسة في الساعة 3:34 بعد الظهر.
سيُعقد يوم المحاكمة التالي في 16 حزيران / يونيو 2025، في العاشرة والنصف صباحا.
________________________________
للمزيد من المعلومات أو لتقديم ردود الأفعال والآراء، يرجى إدراج تعليقك في قسم التعليقات أدناه، أو التواصل مع المركز السوري للعدالة والمساءلة على [email protected]. كما يمكنكم متابعتنا على فايسبوك و تويتر. اشترك في نشرتنا الأسبوعية ليصلك تحديثات عن عمل المركز.