1 min read
مشروع قانون العدالة الانتقالية في سوريا: ثغرات في نطاق القانون وتعريف الجرائم والضمانات القانونية
وزارة العدل

مشروع قانون العدالة الانتقالية في سوريا: ثغرات في نطاق القانون وتعريف الجرائم والضمانات القانونية

شكّل سقوط حكومة الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024 فرصةً للتصدي لإرث أكثر من خمسة عقود من القمع، تخللتها انتهاكات واسعة النطاق وممنهجة لحقوق الإنسان، من الاعتقال التعسفي والاختفاء القسري إلى التعذيب والقتل الجماعي. ومنذ عام 2011، ارتكبت جهات مسلحة أخرى بدورها انتهاكات جسيمة، ما زاد من تعقيد إرث العنف في سوريا ووسّع نطاق المطالبة بالمساءلة. ولا تزال تبعات هذه الانتهاكات قائمة في مختلف المناطق السورية، إذ تواصل العائلات البحث عن مصير ذويها من المعتقلين والمختفين، فيما ينتظر الناجون العدالة والإنصاف.

توفّر العدالة الانتقالية إطاراً لمعالجة هذه الانتهاكات وصون حقوق الضحايا في معرفة الحقيقة وتحقيق العدالة وجبر الضرر وضمانات عدم التكرار. ويُرسي قانون العدالة الانتقالية الأساس القانوني والمؤسسي لتنفيذ هذه الالتزامات، بما ينعكس مباشرةً على فعالية الملاحقات القضائية، وحماية الحقوق الفردية، واستقلال المؤسسات المكلّفة بتطبيقه.

وسيُسهم القانون كذلك في رسم ملامح المسار الانتقالي في سوريا عموماً، إذ يشكّل اختباراً مهماً لقدرة المؤسسات العامة على تحقيق مساءلة محايدة والاستجابة لمطالب الضحايا. وترتبط مصداقية القانون باتساق تطبيق تدابير المساءلة وبإشراك المجتمعات المتضررة، وهما شرطان لا غنى عنهما لتفادي مزيد من الانقسامات وإعادة بناء الثقة بين السوريين.

في 17 أيار/مايو 2025، أعلن الرئيس الانتقالي أحمد الشرع إنشاء الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية. ومع تداول مشروع قانون العدالة الانتقالية حالياً، بات الانخراط الجادّ مع المجتمع المدني السوري والضحايا ضرورياً لضمان أن تُسهم رؤاهم في صياغة التشريع النهائي. ويوفّر المشروع أساساً لمزيد من التطوير التشريعي، إذ يعترف بحقوق الضحايا ويضع ضمانات لإجراءات المساءلة، ساعياً إلى إرساء الأسس القانونية لمعالجة انتهاكات الماضي والمضيّ قدماً بالعدالة الانتقالية في سوريا. غير أن ثغرات كبيرة لا تزال قائمة فيما يتعلق بنطاق المساءلة واستقلال المؤسسات وحماية الحقوق الفردية. وانطلاقاً من التحليل المشترك لمشروع القانون الذي أصدرته المبادرة السورية للحقوق الأساسية في وقت سابق، تتناول هذه الورقة أوجه القصور هذه وانعكاساتها على المرحلة الانتقالية في سوريا. وتستند الورقة إلى المعايير الدولية وتجارب سياقات انتقالية أخرى لتحديد الجوانب التي تستدعي المراجعة، وتقدّم توصيات لتعزيز القانون قبل إقراره.

نطاق العدالة الانتقالية في مشروع القانون

يربط المشروع العدالة الانتقالية أساساً بالانتهاكات التي ارتكبتها الحكومة السابقة والميليشيات المرتبطة بها. فالفقرة 4 من المادة 1 تقصر الجرائم المشمولة بالقانون على تلك المرتكبة بين 16 تشرين الثاني/نوفمبر 1970 و8 كانون الأول/ديسمبر 2024، كما تحدّد الفقرة 2 من المادة 36 اختصاص الدوائر الجنائية المتخصصة بالفترة ذاتها. في المقابل، يبدو أن المادة 2 توسّع نطاق القانون ليشمل الانتهاكات الجسيمة والممنهجة التي ارتُكبت نتيجةً لانهيار البيئة الأمنية والقانونية في سوريا. وعند قراءة هذه المادة في ضوء التعريفات الأضيق الواردة في مواضع أخرى من المشروع، يظل من غير الواضح ما إذا كان القانون يسري على الانتهاكات الجسيمة التي ارتكبتها جميع الأطراف، أم يقتصر على تلك المنسوبة إلى الحكومة السابقة والميليشيات المرتبطة بها.

من الواضح أن مسؤولية الحكومة السابقة عن عقود من القمع تبرّر أن تحتلّ جرائمها موقعاً مركزياً في مسار العدالة الانتقالية في سوريا. كما يوفّر حجم هذه الجرائم وطابعها الممنهج أساساً مشروعاً لإيلائها الأولوية. إلا أن المشروع لا يحدد بوضوح ما إذا كانت آلياته تمتد لتشمل الانتهاكات الجسيمة التي ارتكبتها جهات مسلحة أخرى، ومنها تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وهيئة تحرير الشام والتشكيلات التي سبقتها، والقوات المرتبطة بقوات سوريا الديمقراطية، والفصائل المدعومة من تركيا. وفي حين يمكن أن تعكس أولويات الملاحقة القضائية جسامة جرائم بعينها وحجمها، ينبغي أن يستند نطاق المساءلة إلى طبيعة الانتهاكات لا إلى الجهة التي ينتمي إليها مرتكبوها فحسب. فالإطار الذي يتعامل مع أضرار متماثلة بمعايير مختلفة يُنذر بإقصاء فئات واسعة من الضحايا عن آلياته الخاصة بكشف الحقيقة والمساءلة وجبر الضرر.

ويُحدث التاريخ الفاصل المحدد بـ8 كانون الأول/ديسمبر 2024 ثغرة من نوع آخر. فبموجب الفقرة 2 من المادة 36، تخرج الانتهاكات الجسيمة المرتكبة بعد هذا التاريخ عن اختصاص الدوائر الجنائية المتخصصة، بما فيها الانتهاكات التي وقعت خلال مجازر الساحل وفي السويداء. وقد يرقى بعض هذه الأفعال إلى جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية متى ثبتت أركانها القانونية. ويُكرّس استبعادها فصلاً بين المساءلة عن جرائم الحكومة السابقة والمساءلة عن الانتهاكات المرتكبة خلال المرحلة الانتقالية، حتى حين تتماثل الجرائم في طبيعتها وجسامتها. كما يثير هذا الاستبعاد تساؤلات حول قدرة المؤسسات المعنية بتنفيذ العدالة الانتقالية على معالجة الانتهاكات المرتكبة في ظل النظام السياسي الجديد.

ينبغي التمييز بين الحدود الزمنية لمسار العدالة الانتقالية والتزامات سوريا المستمرة بموجب القانون الدولي. ومن ثمّ، تبرز الحاجة إلى إطار قانوني وطني دائم يُجرّم الجرائم الدولية الأساسية ويوفّر أساساً لملاحقتها قضائياً خارج مسار العدالة الانتقالية. ولا يَحول عدم تجريم هذه الأفعال صراحةً في التشريعات الوطنية خلال عهد الحكومة السابقة، بحدّ ذاته، دون المساءلة عنها متى كانت مُجرّمة أصلاً بموجب القانون الدولي، شريطة أن تحترم الملاحقات القضائية مبدأ الشرعية.

ويمكن الاستفادة في هذا السياق من التجربة التونسية. فقد تمتّعت هيئة الحقيقة والكرامة بصلاحيات واسعة شملت الانتهاكات المرتكبة بين عامَي 1955 و2013، غير أن عملها بات موضع خلاف متزايد مع وصول التحقيقات إلى أفراد وشبكات احتفظت بنفوذها أو استعادته بعد المرحلة الانتقالية. وأصبح الحصول على تعاون الدولة أكثر صعوبة، في حين فقدت الهيئة تدريجياً الدعم السياسي اللازم لمواصلة عملها.

وتُظهر التجربة التونسية كيف يمكن للسياق السياسي أن يُقيّد العدالة الانتقالية حتى حين تكون ولايتها الرسمية واسعة. وبالنسبة إلى سوريا، يؤكد ذلك أهمية تحديد نطاق القانون بوضوح منذ البداية، بما يضمن معالجة الانتهاكات الجسيمة التي ارتكبتها أطراف أخرى وتلك المرتكبة خلال المرحلة الانتقالية، إما ضمن الإطار القائم أو من خلال مسار مرتبط به صراحةً ويخضع لمعايير مماثلة في التحقيق ومشاركة الضحايا والمساءلة.

تعريف الجرائم وأشكال المسؤولية الجنائية

تحتاج تعريفات الجرائم الدولية الواردة في المشروع إلى مزيد من التوضيح لضمان قدرة المحاكم السورية على تطبيقها بما يتّسق مع القواعد الراسخة في القانون الدولي. إذ يبدو أن المادة 41 تشترط، لاعتبار الفعل جريمة حرب، أن يكون جزءاً من خطة أو سياسة أوسع، أو أن يُرتكب على نطاق واسع. ويفرض ذلك عتبة أعلى مما يتطلبه القانون الدولي الإنساني، إذ يمكن لفعل منفرد، كالقتل العمد لشخص محمي أو الهجوم غير المشروع على المدنيين، أن يشكّل جريمة حرب متى توافرت أركانها. ومن شأن إضافة هذا الشرط أن تستبعد أفعالاً تشكّل جرائم حرب بموجب القانون الدولي، ما يضيّق نطاق التجريم في القانون السوري.

كما لا تميّز المادة بين النزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية، على الرغم من ضرورة هذا التمييز لتحديد قواعد القانون الإنساني الواجبة التطبيق وتعريف الجرائم المقابلة لها. ويتعيّن أن يتيح الإطار القانوني الوطني في سوريا ملاحقة المخالفات الجسيمة لاتفاقيات جنيف والبروتوكول الإضافي الأول حيثما كان منطبقاً، إلى جانب الانتهاكات الجسيمة الأخرى للقانون الدولي الإنساني المرتكبة في النزاعات المسلحة الدولية. كما يتعيّن أن يشمل الانتهاكات الجسيمة للمادة 3 المشتركة وغيرها من القوانين والأعراف السارية على النزاعات المسلحة غير الدولية. وتنطوي المادة 41 على ثغرات أخرى في تعريف الجرائم. فإشارتها إلى الأسلحة المحظورة دولياً لا تحدد أحكام الحظر القانونية الواجبة التطبيق، كما أن تناولها للقصف لا يميّز بالقدر الكافي بين الهجمات غير المشروعة والعمليات العسكرية المنفّذة وفقاً للقانون الدولي الإنساني. وتفتقر قائمة الجرائم كذلك إلى الدقة التي تعكسها وثيقة أركان الجرائم الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية، ما يولّد حالة من عدم اليقين قد تُعقّد الملاحقات القضائية وتُفضي إلى تفسيرات قضائية متباينة.

أما المادة 42 المتعلقة بالجرائم ضد الإنسانية، فتعكس إجمالاً الشرط الدولي القاضي بأن يكون السلوك المحظور جزءاً من هجوم واسع النطاق أو منهجي موجّه ضد أي مجموعة من السكان المدنيين. إلا أنها لا تعرّف هذا الهجوم بوضوح، ولا تحدد ما إذا كان يجب أن يُشنّ تنفيذاً لسياسة دولة أو منظمة، كما يشترط نظام روما الأساسي. كما تترك الأركان المكوّنة لجرائم مثل الاضطهاد والاختفاء القسري والتهجير القسري دون تعريف كافٍ، ما يخلق غموضاً حول السلوك والظروف اللازمة لإثبات المسؤولية الجنائية. فضلاً عن ذلك، فإن إغفالها "الأفعال اللاإنسانية الأخرى" قد يُبقي خارج تعريف الجرائم ضد الإنسانية أفعالاً ذات جسامة مماثلة تتسبب في معاناة شديدة أو في أذى خطير يلحق بالجسم أو بالصحة العقلية أو البدنية.

ويثير المشروع كذلك مخاوف تتعلق بالقواعد الناظمة للمسؤولية الجنائية. فالمادة 33 تُجيز ملاحقة الجرائم الدولية المرتكبة قبل صدور القانون على أساس أنها كانت مُجرّمة أصلاً بموجب القانون الدولي. ومع أن هذا النهج يتّسق مع مبدأ الشرعية، فإنه لا يعالج بالقدر الكافي مسألة العقوبات الواجبة التطبيق على هذه الجرائم. فبموجب المادة 15 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، لا يجوز فرض عقوبة أشدّ من تلك التي كانت سارية وقت ارتكاب الجريمة، ويجب أن يستفيد المتهم من أي عقوبة أخفّ يُنصّ عليها لاحقاً. ويؤدي عدم تمييز بين ملاحقة أفعال كانت مُجرّمة أصلاً وتطبيق العقوبات بأثر رجعي إلى حالة من عدم اليقين بشأن انتهاكات ارتُكبت قبل عقود، وقد يعرّض الأحكام للطعن.

أما المادة 34 المتعلقة بمسؤولية القيادة، فتطبّق إلى حدّ بعيد المعيار ذاته على القادة العسكريين والمسؤولين المدنيين، على الرغم من اختلاف الشروط التي تنص عليها المادة 28 من نظام روما الأساسي. كما تُغفل اشتراطاً واضحاً للسيطرة الفعلية على المرؤوسين، وهو عنصر محوري في إثبات المسؤولية الجنائية للقائد أو المسؤول الأعلى. وقد تُعقّد هذه الثغرات ملاحقة كبار المسؤولين، وتُضعف في الوقت ذاته الضمانات التي تحول دون تحميل الأفراد المسؤولية بناءً على موقعهم في التسلسل الهرمي أساساً.

وتنشأ مخاوف مماثلة عن الأحكام المتعلقة بالجرائم المرتكبة في إطار مشروع إجرامي مشترك. ففي غياب اشتراط واضح لإثبات مساهمة كل فرد، قد تُستنتج المسؤولية من مجرد الانتماء إلى مؤسسة أمنية أو حزب سياسي أو جماعة مسلحة. وفي سوريا، حيث تشابكت البنى الأمنية والسياسية للحكومة السابقة تشابكاً وثيقاً مع شبكات المحسوبية والانتماءات المجتمعية، قد يؤدي ذلك إلى توسيع المسؤولية الجنائية لتشمل أفراداً لا تكفي صلتهم بهذه المؤسسات لإثبات مشاركتهم في جرائم بعينها. كما ينطوي هذا النهج على خطر ترسيخ التصوّر بأن الملاحقات القضائية تستهدف فئات بعينها بدلاً من الأفراد المسؤولين عن الانتهاكات.

وتوسّع المادة 36 كذلك الاختصاص الجزائي ليشمل الأشخاص الاعتبارية، وتُجيز حلّها، ما يطمس الحدود بين المسؤولية الجنائية الفردية والتبعات الإدارية أو المدنية التي تترتب على المنظمات. وقد تطال هذه التدابير موظفين وأفراداً آخرين لم يثبت تورطهم في السلوك الإجرامي، بما يترتب على ذلك من آثار على الاستمرارية المؤسسية وعلى حقوق المرتبطين بالمنظمات المعنية.

استقلال المؤسسات وضمانات المحاكمة العادلة

تُنشئ المادة 3 الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية بوصفها هيئة مستقلة تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي والإداري. وتنص على أن تتألف من ثلاثة عشر عضواً على الأقل يُعيَّنون بمرسوم، على ألا تقلّ نسبة تمثيل المرأة في عضويتها عن 30%. غير أن المشروع لا يتضمن آلية ترشيح علنية، ولا دوراً رسمياً لمجموعات الضحايا والمجتمع المدني في مراجعة المرشحين، كما لا ينص على تثبيت التعيينات من جهة مستقلة. ويُترك كذلك تحديد شروط العضوية وآلية العزل للّائحة التنفيذية. ونتيجة لذلك، يُعترف باستقلال الهيئة من حيث المبدأ، إلا أن تركّز صلاحية التعيين وغياب الحماية القانونية لمدة ولاية الأعضاء يمنحان السلطة التنفيذية هامشاً واسعاً من التقدير.

تقدّم الممارسات المقارنة نماذج بديلة. فقد اتّبعت لجنة الحقيقة والمصالحة في جنوب أفريقيا آلية علنية للترشيح والمقابلات قبل التعيين الرئاسي، في حين جرى اختيار أعضاء هيئة الحقيقة والكرامة في تونس عبر البرلمان. ومع أن أياً من الترتيبين لم يُلغِ الضغوط السياسية، فقد أوجد كلاهما قدراً من الفصل بين السلطة التنفيذية وعملية التعيين. وفي سوريا، قد يؤثر غياب ضمانات مماثلة في قدرة الهيئة على إجراء تحقيقاتها باستقلالية، لا سيما حين تطال أفراداً لا يزالون يتمتعون بنفوذ سياسي أو مؤسسي.

وتتصل مسألة الاستقلال المؤسسي بالقدر ذاته بالجهات القضائية المتخصصة المُحدَثة بموجب المادة 11. إذ ينص المشروع على إحداث نيابة عامة ودوائر قضائية مخصّصة، يختار مجلس القضاء الأعلى القضاة العاملين فيها، لكنه يترك جوانب مهمة من عملها دون حسم. فهو لا يضع ضمانات واضحة تحكم تعيين القضاة وعزلهم، ولا يحدد بالقدر الكافي هيكلية إجراءات الاستئناف واختصاصها. وتزداد خطورة هذه الثغرات بالنظر إلى أن القضاء السوري نفسه من بين المؤسسات التي تحتاج إلى إصلاح بعد عقود من التدخل السياسي. كما تتطلب ملاحقة الجرائم الدولية قدرات قضائية متخصصة لا تزال محدودة ضمن المنظومة القائمة. وقد كشفت المحاكمات الأخيرة لكلٍّ من عاطف نجيب ووسيم الأسد وأحمد حسون عن أوجه قصور في الممارسة القضائية، ما يطرح تساؤلات أوسع حول قدرة القضاء على الفصل في الجرائم الدولية باستقلالية وحياد. وتؤكد هذه القضايا الحاجة إلى محاكم تتوافر لها الضمانات المؤسسية والكفاءة المتخصصة اللازمة لاستيفاء متطلبات المادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.

تعترف المادة 64 بضمانات مهمة للمحاكمة العادلة، منها قرينة البراءة، والحق في توكيل محامٍ، والحق في مناقشة شهود الادعاء والطعن في شهاداتهم. غير أنها لا تكفل صراحةً الحق في استئناف حكم الإدانة أو العقوبة أمام محكمة أعلى. كما تنطوي على ثغرات تتعلق باستبعاد الأدلة المنتزعة تحت التعذيب، والاطلاع على أدلة الادعاء، والرقابة القضائية على الاحتجاز السابق للمحاكمة. وتُعدّ هذه الحمايات جوهرية للحق في محاكمة عادلة بموجب المادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. وينبغي أن يوضح القانون أيضاً أن الحق في دفاع فعّال يشمل إمكانية الطعن في رواية الادعاء دون أن يُفسَّر ذلك على أنه "تبرير" لجرائم الحكومة السابقة بمفهوم الفقرة 17 من المادة 1. وتُعدّ هذه الحماية أساسية لضمان ألا تمسّ جسامة الاتهامات بحق المتهم في محاكمة عادلة.

وستطرح ملاحقة جرائم دولية ارتُكبت قبل عقود تحديات إثباتية وقانونية كبيرة، لا سيما حين تكون السجلات منقوصة أو حين تكون الأدلة قد جُمعت في ظروف صعبة. ومن شأن ترك هذه الضمانات دون تحديد كافٍ أن يُضعف قدرة المحاكم على إثبات المسؤولية الفردية وإصدار أحكام يمكن للضحايا الركون إليها. ويجب أن يوفّر القانون أساساً أمتن لإجراءات قادرة على الصمود أمام التدقيق، لا سيما أن سوريا تسعى إلى إرساء معيار للعدالة يختلف عمّا كان سائداً في عهد الحكومة السابقة.

الضحايا والشهود والتوثيق

يجب أن يظلّ الضحايا في صميم مسار العدالة الانتقالية في سوريا، وأن يضطلعوا بدور فعّال في تحديد كيفية الاعتراف بتجاربهم ومعالجة الأضرار التي لحقت بهم. ويُقرّ المشروع بهذا المبدأ في المادة 7 التي تنص على مشاركتهم الفاعلة في مسارات العدالة الانتقالية، في حين تُنشئ المواد من 13 إلى 15 آليات لجبر الضرر وسجلاً وطنياً للضحايا. كما يضمّ مجلس أمناء صندوق جبر الضرر ممثّلَين اثنين عن الضحايا.

تشكّل هذه الأحكام أساساً مهماً للاعتراف بحقوق الضحايا، غير أن دورهم في القرارات المتعلقة بإنصافهم لا يزال غير محدد بالقدر الكافي. فالمشروع لا يبيّن كيفية اختيار ممثلي الضحايا، ولا الكيفية التي ستُراعى بها تجاربهم واحتياجاتهم المتباينة في سياسات جبر الضرر. وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في ضوء القيود على نطاق القانون المشار إليها أعلاه، والتي قد تُفضي إلى استبعاد من تضرروا على يد جهات مسلحة أخرى أو خلال المرحلة الانتقالية. كما لا يخضع الصندوق إلا لرقابة وحدة الرقابة الداخلية في الهيئة، في ظل أحكام محدودة تنظّم الأهلية والتدقيق المالي ومراجعة الطلبات المرفوضة أو المتأخرة. وقد تؤدي هذه الثغرات إلى تفاوت في فرص الحصول على جبر الضرر، وتترك للضحايا سبلاً محدودة للطعن في قرارات تمسّهم مباشرة.

وتتطلب المشاركة الفعلية كذلك توفير الحماية للضحايا والشهود. ومع أن المشروع يعدّ ذلك من الركائز الأساسية لعملية العدالة الانتقالية، فإنه لا يقدّم سوى تفاصيل محدودة بشأن تطبيقه. فالإدلاء بالشهادة قد يعرّض الأفراد وعائلاتهم للانتقام، لا سيما حيث لا يزال مسؤولون أمنيون سابقون وجهات مسلحة يحتفظون بنفوذهم. لذلك يجب أن تراعي تدابير الحماية المخاطر القائمة طوال الإجراءات وبعد انتهائها، مع إتاحة الدعم النفسي والاجتماعي لجميع الضحايا والشهود، وتوفير ضمانات إضافية تلائم احتياجات الناجين من التعذيب والعنف الجنسي واحتياجات الأطفال. ويجب أن تصون التدابير التي تنطوي على إخفاء الهوية أو تقييد الإفصاح حقَّ المتهم في الاطلاع على الأدلة والطعن فيها، بما في ذلك من خلال مناقشة الشهود. وقد يؤدي قصور الحماية إلى إحجام الأفراد عن الإدلاء بشهاداتهم، ما يحدّ من وصولهم إلى العدالة ومن قدرة المحققين على إثبات المسؤولية.

وتنطبق الاعتبارات ذاتها على المعلومات التي جمعتها بالفعل منظمات التوثيق السورية والدولية. بيد أن المادة 49 تُلزم الأفراد والمنظمات العاملين في مجال التوثيق بتسليم جميع ما في حوزتهم من وثائق وبيانات وأدلة تحت طائلة المساءلة الجزائية. وقد تواجه المنظمات أيضاً غرامات أو الحلّ أو فرض قيود على عملها. وقد جُمع كثير من هذه المواد عن بُعد أو خارج سوريا، في ظروف قد تقيّد استخدامها أو الإفصاح عنها لاحقاً. فقد تقتصر موافقة الأفراد الذين أدلوا بإفاداتهم على استخدامات محددة، دون أن تشمل الإذن بنقلها إلى السلطات السورية. كما قد يكون الإفصاح مقيّداً بالسرية المهنية المحمية قانوناً، أو بمتطلبات حماية البيانات مثل اللائحة العامة لحماية البيانات الأوروبية، أو بالتزامات ناشئة عن تحقيقات جارية في ولايات قضائية أخرى. وتعترف الممارسة الجنائية الدولية بمثل هذه القيود، إذ يوفّر كلٌّ من نظام روما الأساسي والقواعد الإجرائية وقواعد الإثبات آليات لتلقّي المعلومات بشرط السرية وتقييد الإفصاح عنها عند الضرورة.

ولا تميّز المادة 49 تمييزاً فعلياً بين المواد التي يجوز نقلها قانوناً والمعلومات الخاضعة لهذه القيود. ومن شأن واجب الإفصاح الواسع الذي تفرضه أن يعرّض سلامة المصادر للخطر، ويُخلّ بالتعهدات المقطوعة أثناء جمع المعلومات، ويتعارض مع إجراءات قضائية جارية في أماكن أخرى. كما قد يؤدي التهديد بالعقوبات الجزائية إلى ثني منظمات التوثيق عن التعاون، بما يقوّض علاقات بُنيت على مدى سنوات من العمل مع الناجين. وستكون الأرشيفات القائمة مهمة لمسار المساءلة في سوريا، لا سيما بالنظر إلى حجم الأدلة التي جمعها المجتمع المدني. غير أن فرض نقلها دون ضمانات كافية ينطوي على خطر حرمان الأفراد من التحكم بمعلومات حساسة تخصّهم، وتعريضهم لمزيد من الأذى على يد المؤسسات ذاتها التي أُنشئت لتحقيق العدالة.

العقوبات وتخفيفها وعقوبة الإعدام

تُنشئ المواد من 54 إلى 59 آلية "التخفيف القضائي المشروط"، التي تتيح للمتهمين الحصول على تخفيف في العقوبة مقابل اعتراف كامل وصادق، والكشف عن البنية القيادية والأوامر، وتقديم معلومات عن أماكن الاحتجاز أو المقابر الجماعية. وبموجب هذه الآلية، يجوز تخفيف عقوبة الإعدام إلى السجن المؤبد، وعقوبة السجن المؤبد إلى السجن المؤقت لمدة خمس عشرة سنة، وتخفيض العقوبات المؤقتة بما يصل إلى الثلث. وتُستثنى من التخفيف جريمة الإبادة الجماعية، والجرائم التي أفضى فيها التعذيب إلى الوفاة، والجرائم المنسوبة إلى أعلى مستويات القيادة.

ثمة مبررات عملية قوية لإيجاد حوافز تشجّع على الإفصاح عن معلومات قد يتعذّر الوصول إليها بخلاف ذلك. فقد يمتلك الجناة والمسؤولون السابقون معلومات لا يمكن استخلاصها بسهولة من السجلات المتبقية، لا سيما ما يتعلق بمصير المختفين وأماكن المقابر ومواقع الاحتجاز. ويمكن لتعاونهم أن يساعد العائلات على معرفة ما حلّ بذويها، وأن يدعم التعرف على الرفات وإعادتها، ويوفّر معطيات تُسهم في التحقيق مع جناة آخرين.

ومع ذلك، تطلب هذه الآلية من الضحايا والرأي العام القبول بمقايضة بين العقاب والمعلومات. فبالنسبة إلى عائلات أمضت سنوات تطالب بالحقيقة والمساءلة معاً، قد يُنظر إلى الإفصاح على أنه واجب يقع على عاتق الجناة، لا وسيلةً للحصول على تخفيف العقوبة. في المقابل، قد يؤدي رفض أي حافز على التعاون إلى تعذّر الوصول إلى معلومات حاسمة، لا سيما في القضايا التي لا يمكن حسمها بالأدلة الوثائقية أو أدلة الطب الشرعي وحدها.

وتتمحور المسألة الأساسية حول الكيفية التي ينظّم بها القانون هذه المقايضة. فقيمة التخفيف مرهونة بمدى اكتمال المعلومات المقدّمة، والتحقق منها بصورة مستقلة، وقدرتها على تحقيق نتائج ملموسة. وللضحايا وعائلاتهم مصلحة مباشرة في تقييم تعاون المتهم، لا سيما حين يتعلق الإفصاح بمسائل ظلّوا يسعون إلى جلائها لسنوات. وينبغي أن يمتد دورهم أيضاً إلى النظر في التخفيف ذاته، إذ إن معرفة مصير أحد الأقارب وتحديد مقدار التخفيف الذي يستحقه ذلك الإفصاح مسألتان منفصلتان. ونظراً إلى محدودية الأحكام التي تتيح للضحايا إبداء آرائهم في المشروع، قد لا يكون للعائلات سوى تأثير ضئيل في القرارات المتعلقة بالجرائم التي ارتُكبت بحق ذويها.

تقدّم الولاية القضائية الخاصة من أجل السلام في كولومبيا مثالاً مفيداً للمقارنة. إذ يمكن للمقاتلين السابقين الذين يُقرّون بمسؤوليتهم إقراراً كاملاً أن يحصلوا على عقوبات بديلة تجمع بين تقييد الحرية وتدابير تصالحية في المجتمعات المتضررة. وحتى ضمن هذا الإطار، ظلّ تخفيف العقوبة موضع جدل سياسي، لا سيما بين الضحايا الذين يرون أن العقوبات غير كافية بالنظر إلى جسامة الجرائم. ومع ذلك، تُظهر التجربة الكولومبية كيف يمكن ربط التساهل في العقوبة بالتزامات تفرض على الجناة الإسهام المباشر في جبر الضرر.

في المقابل، تُغفل الأحكام السورية إلى حدّ بعيد البُعد المتعلق بجبر الضرر في تخفيف العقوبة. فالمتهمون الذين تُخفَّض عقوباتهم مُلزمون بالإفصاح عن المعلومات والإقرار بالمسؤولية، لكن الآلية لا تُلزمهم بالمساهمة في جبر الضرر أو بالاضطلاع بتدابير تصالحية. كما أنها لا تبيّن بالقدر الكافي كيف ستُحدَّد درجة التخفيف الممنوحة بناءً على القيمة الفعلية لتعاونهم بعد التحقق منها. وبصيغتها الحالية، قد تسمح هذه الأحكام بتخفيضات كبيرة في العقوبة دون إسهام مقابل في معالجة آثار الجرائم، ما يُضعف الغاية التي تتوخاها الآلية على صعيد جبر الضرر.

كما ينص المشروع على عقوبة الإعدام في أخطر الجرائم الدولية. فالمادة 47 تجعلها إلزامية في جريمة الإبادة الجماعية، فيما تُجيز المادة 46 تشديد العقوبة إلى الإعدام في الجرائم ضد الإنسانية إذا اقترنت بالقتل الجماعي أو بالاختفاء القسري واسع النطاق أو بالتعذيب المنهجي أو العنف الجنسي الممنهج. كما يسمح المشروع بتشديد العقوبة إلى الإعدام في بعض جرائم الحرب المقترنة بظروف مشدّدة. ويعكس إدراجها جسامة هذه الجرائم ومطالبة شرائح من المجتمع السوري بعقوبات صارمة بعد عقود من الإفلات من العقاب. وقد تجلّت هذه المطالب في أعقاب أحكام الإعدام الصادرة بحق بشار الأسد وعاطف نجيب ومسؤولين سابقين آخرين في آب/أغسطس 2026، التي قوبلت باحتفالات علنية في دمشق ودرعا. فبالنسبة إلى الضحايا والعائلات الذين انتظروا سنوات لرؤية كبار المسؤولين يَمثُلون أمام المحاكم السورية، حملت صرامة هذه الأحكام ثقلاً رمزياً كبيراً.

وينبغي النظر في أهمية هذه الأحكام بالنسبة إلى الضحايا إلى جانب التبعات القانونية لعقوبة الإعدام. فقد أثارت أولى المحاكمات الوطنية لمسؤولين سابقين تساؤلات تتعلق بمعايير الإثبات، والقانون الواجب التطبيق، وحقوق الدفاع، والتعليل القضائي. وتكتسب أوجه القصور هذه وزناً خاصاً في القضايا التي يُحكم فيها بالإعدام، إذ يجعل التنفيذ تدارك أي خطأ قضائي أمراً مستحيلاً. كما لا تزال سوريا في طور بناء الإطار القانوني والضمانات المؤسسية اللازمة لملاحقة الجرائم الدولية الخطيرة. ويثير نص المشروع على عقوبة الإعدام الإلزامية في جريمة الإبادة الجماعية مخاوف إضافية في ضوء الحق في الحياة الذي تكفله المادة 6 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. فوفقاً لتفسير اللجنة المعنية بحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، تتعارض أحكام الإعدام الإلزامية مع هذا الحق حين لا يكون بمقدور المحاكم مراعاة الظروف الفردية للجريمة والمتهم.

وقد تُعقّد عقوبة الإعدام أيضاً قدرة سوريا على تأمين التعاون الدولي. إذ تواجه دول كثيرة قيوداً قانونية أو قيوداً تفرضها سياساتها تحول دون تسليم المشتبه بهم أو تقديم المساعدة حين قد تُفضي الإجراءات إلى الإعدام في غياب ضمانات كافية. ويكتسب ذلك أهمية خاصة في القضايا المتعلقة بمسؤولين سابقين موجودين في الخارج أو بأدلة محفوظة لدى ولايات قضائية أخرى. ومن شأن وقف تنفيذ أحكام الإعدام خلال المرحلة الراهنة من الإصلاح المؤسسي أن يحفظ قدرة المحاكم السورية على الملاحقة وفرض عقوبات سالبة للحرية طويلة الأمد، مع الحدّ من خطر الأخطاء القضائية التي لا يمكن تداركها، وإزالة عقبة أمام التعاون الدولي.

فحص السجلات والمصالحة والقيود على الحقوق

تُرسي المواد من 17 إلى 22 إطار فحص السجلات وإعادة التقييم الوظيفي، الذي تتولى بموجبه لجنة فحص السجلات تقييم شاغلي الوظائف والمناصب العامة، ويجوز لها أن توصي بالإبقاء عليهم في وظائفهم أو نقلهم أو عزلهم أو إحالتهم إلى النيابة. وتحظر الفقرة 4 من المادة 20 الاستناد في هذه العملية إلى الانتماء السياسي أو الطائفي أو القومي أو العرقي أو المناطقي، فيما تنص المادة 21 على "العزل السياسي" لمدة خمس عشرة سنة، الذي يُحظر بموجبه على مسؤولين محددين وعلى المتورطين في جرائم الحكومة السابقة تولّي الوظائف العامة وممارسة النشاط السياسي. ومع أن المراجعة الفردية توفّر ضمانة مهمة ضد الإقصاء الجماعي، تظلّ أسس الفحص فضفاضة. إذ يمدّ البند (أ) من الفقرة 2 من المادة 21 العزل ليشمل من ساهموا بأي شكل إداري أو اقتصادي أو اجتماعي في دعم ارتكاب هذه الجرائم، تاركاً هامشاً واسعاً من التقدير بشأن مستوى التورط المطلوب. كما تترك المادة 21 العلاقة بين فحص السجلات والمساءلة الجزائية دون حسم. فهي تُجيز العزل استناداً إلى نتائج قضائية أو قرارات صادرة عن لجان تقصّي الحقائق، دون تحديد الإجراءات الواجبة التطبيق أو توضيح كيفية سريان مدة العزل بالتوازي مع العقوبة الجزائية. ويكتسب هذا الغموض أهمية خاصة حين يكون الشخص قيد تنفيذ عقوبة سالبة للحرية، إذ يطرح تساؤلات حول موعد بدء سريان العزل والعلاقة بين التدبيرين.

وينطوي هذا الهامش التقديري على مخاطر خاصة في سوريا، حيث كان العلويون ممثَّلين بصورة غير متناسبة في أجزاء من الأجهزة الأمنية والعسكرية السابقة وفي حزب البعث، وحيث جرى التعبير أحياناً عن المظالم المتصلة بهذه المؤسسات بمفردات طائفية. ومن ثمّ، قد يُفضي فحصٌ يستند إلى أشكال فضفاضة من الارتباط إلى نتائج متفاوتة بين مكوّنات المجتمع، حتى حين لا تكون الهوية معياراً صريحاً. وتوضح عملية اجتثاث البعث في العراق هذه المخاطر. فقد أقصى أمر سلطة الائتلاف المؤقتة رقم 1 موظفي القطاع العام بصورة رئيسية على أساس رتبهم الحزبية، رغم أن العضوية في الحزب كانت في الغالب مرتبطة بالترقّي المهني. وقد أضعفت عمليات الفصل قدرات الدولة وارتبطت بإقصاء السنّة، في حين استُخدمت العملية لاحقاً لاستبعاد مئات المرشحين قبيل الانتخابات البرلمانية لعام 2010. وتثير الأحكام السورية مخاوف مماثلة من احتمال تحوّل الإصلاح المؤسسي إلى أداة للإقصاء السياسي أو المجتمعي حين لا ترتبط القرارات بالقدر الكافي بالسلوك الفردي.

يُنشئ الباب السابع لجان مصالحة محلية تعمل بإشراف الهيئة، تتولى تسوية النزاعات المجتمعية الناجمة عن جرائم الحكومة السابقة، وتقديم توصيات بالتسوية أو جبر الضرر، ومعالجة الآثار الناتجة عن حالات التهجير القسري. وتنص المادة 24 على ألا تحلّ هذه اللجان محلّ القضاء، وعلى أن تكون التسويات رضائية. ويمكن لهذه الآليات أن تساعد في حل النزاعات المتعلقة بالعودة والملكية والأراضي، وهي نزاعات لا تستطيع الإجراءات الجزائية وحدها معالجتها. لكن قد يصعب التحقق من الطابع الرضائي حيث لا تزال موازين القوى المحلية غير متكافئة ويتعرض الأفراد لضغوط تدفعهم إلى قبول التسويات. كما ترتبط المصالحة لدى بعض المجتمعات بالخضوع للسلطة السياسية بدلاً من الاتفاق بين أطراف متكافئة. فعلى سبيل المثال، أبرزت الحوارات المجتمعية التي عُقدت منذ عام 2025، بما فيها تلك التي شارك فيها متضررون من أعمال العنف في الساحل والسويداء، أهمية المساءلة والإشراك السياسي الفعلي في تهيئة الظروف للمصالحة. ومن ثمّ، فإن غياب ضمانات أقوى ضد الإكراه قد يقوّض مشروعية التسويات المحلية ويحدّ من قدرة الضحايا على السعي إلى أشكال أخرى من الإنصاف.

وتتضمن المادة 65، تحت عنوان "تدابير احترازية"، أحكاماً تقييدية إضافية، إذ تُجيز فرض قيود على النشاط العام والإقامة والعودة بحق كل من شارك في الجرائم ضمن التشكيلات العسكرية أو الأمنية أو الميليشيات، وذلك في مناطق بعينها، بما فيها أي منطقة يُحتمل أن يشكّل وجوده فيها تهديداً للسلم الأهلي. وتتولى لجان من الوجهاء المحليين تشكّلها الهيئة تنفيذ هذه التدابير، فيما يُعاقَب كل من يُخلّ بقيود الإقامة والعودة بالحبس من شهر إلى سنة. ويمنح المفهوم الفضفاض لتهديد السلم الأهلي هيئاتٍ غير قضائية صلاحيات تقديرية واسعة فيما يخص حرية تنقل الأفراد وقدرتهم على العودة إلى ديارهم. وفي غياب معايير واضحة ورقابة قضائية فعالة، قد تتيح هذه الصلاحيات إقصاءً مطوّلاً من مناطق بعينها، وقد ترقى في بعض الظروف إلى عقاب جماعي أو تُفضي عملياً إلى إدامة التهجير.

ويُجرّم الباب الثاني عشر إنكار جرائم الحكومة السابقة أو التقليل من جسامتها أو نسبتها إلى غير مرتكبيها، إلى جانب تمجيدها أو تمجيد رموزها من أشخاص وشعارات. كما تشمل المواد من 67 إلى 69 التبرير، والإساءة للضحايا، وتجاهل معاناتهم، مع احتمال امتداد المسؤولية إلى المشاركين في إنتاج المواد المعنية أو نشرها. وثمة غاية مشروعة في منع إعادة الاعتبار للانتهاكات الجسيمة والاعتراف بتجارب الضحايا بوصفها جزءاً من السجل التاريخي العام. غير أن هذه الجرائم صيغت بعبارات فضفاضة، لا سيما مفهوم "تجاهل المعاناة" الذي يفتقر إلى أي تعريف. ويولّد ذلك غموضاً حول ما إذا كان النقاش التاريخي المشروع أو العمل الصحفي أو الدفاع القانوني أو التعبير الفني قد يستتبع مسؤولية جزائية. ومع أن الفقرة 5 من المادة 68 تنص على استثناء للأعمال ذات الطابع النقدي أو التوثيقي، تبقى الحماية التي توفرها محدودة بفعل الصياغة الأوسع لهذه الجرائم. وتقدّم تشريعات رواندا المتعلقة بـ"أيديولوجيا الإبادة الجماعية" مثالاً تحذيرياً في هذا الصدد، إذ تعرّضت للانتقاد بسبب تطبيقها على الخطاب السياسي بما يتجاوز التحريض المباشر. وفي سوريا، قد تُقيّد أحكام فضفاضة مماثلة النقاش حول جرائم الحكومة السابقة وحول النظام السياسي الذي نشأ بعد سقوطها، بما يضيّق المجال أمام التدقيق المستقل في مسار العدالة الانتقالية ذاته.

نحو إطار شامل وموثوق للعدالة الانتقالية

يوفّر المشروع أساساً مهماً للعدالة الانتقالية من خلال اعترافه بحقوق الضحايا وأحكامه المتعلقة بالمساءلة. غير أن الثغرات القانونية والمؤسسية المبيّنة أعلاه قد تحدّ من قدرته على معالجة الانتهاكات بصورة متّسقة وكسب ثقة الرأي العام. وسيكون نطاق القانون، واستقلال المؤسسات المسؤولة عن تنفيذه، وحماية الحقوق الفردية، عوامل حاسمة في الطريقة التي سيتلقى بها المجتمع السوري بمختلف مكوّناته هذا المسار.

وتثير الأسباب الموجبة المرفقة بالمشروع أيضاً تساؤلات حول المبادئ التي يقوم عليها هذا الإطار. فهي تؤسّس القانون على الإعلان الدستوري، والتزامات سوريا الدولية في مجال حقوق الإنسان، ومقاصد الشريعة الإسلامية، مع إفراد الحيّز الأوسع للأخيرة. وفي ظل التنوع الديني والاجتماعي الذي يطبع السياق السوري، قد يُنظر إلى بروز مفاهيم الفقه الإسلامي بصورة متباينة لدى المسيحيين والدروز والعلويين والإسماعيليين والأوساط غير المتدينة، لا سيما أن المسائل المتعلقة بموقعهم في النظام السياسي الناشئ لم تُحسم بعد. ومن شأن توضيحٍ أدق لكيفية انسجام هذا الإطار المرجعي مع التزامات القانون بالمساواة والحقوق الفردية أن يساعد على إرساء أساس مشترك للعدالة في المجتمع السوري بأسره.

وتتيح العملية التشريعية بالتالي فرصة لمعالجة أوجه القصور هذه قبل اعتماد الإطار. وسيكون الانخراط الجادّ مع الضحايا والمجتمع المدني السوري أساسياً لضمان أن يعكس القانون النهائي تنوّع التجارب والاحتياجات الناجمة عن عقود من الانتهاكات، وأن يوفّر أساساً موثوقاً لإنصاف المتضررين منها.

يدعو المركز السوري للعدالة والمساءلة السلطات الانتقالية في سوريا إلى ما يلي:

  • اعتماد نطاق أكثر شمولاً: يُستحسن أن يحدّد القانون الاختصاص الجزائي وفقاً لطبيعة الجريمة لا لهوية مرتكبها، مع السماح للمؤسسات بتحديد أولويات التعامل مع الانتهاكات بحسب جسامتها وحجمها وأثرها. ومن شأن ذلك أن يحافظ على مركزية جرائم الحكومة السابقة، مع ضمان بقاء الانتهاكات الجسيمة التي ارتكبتها جهات أخرى ضمن الإطار. وينبغي أن يراعي النطاق الزمني كذلك الانتهاكات المرتكبة بعد 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، إما من خلال الآليات القائمة أو عبر مسار مرتبط بها صراحةً ويخضع لمعايير مماثلة في التحقيق ومشاركة الضحايا والمساءلة.
  • مواءمة تعريفات الجرائم الدولية مع القانون الدولي: ينبغي إعادة صياغة المواد من 41 إلى 43 وفقاً لنظام روما الأساسي، واتفاقيات جنيف، والقانون الدولي الإنساني العرفي، ووثيقة أركان الجرائم الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية. ويقتضي ذلك إلغاء اشتراط ارتكاب جرائم الحرب في إطار خطة أو على نطاق واسع، والتمييز بين النزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية، وتوضيح أركان الجرائم ضد الإنسانية.
  • توضيح القواعد الناظمة للمسؤولية الجنائية: تحتاج المادة 33 إلى ضمانات أوضح تحول دون تطبيق عقوبات أشدّ بأثر رجعي، ومنها تطبيق العقوبات الأخفّ الصادرة لاحقاً، وذلك اتساقاً مع المادة 15 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. ويُستحسن أن تميّز الأحكام المتعلقة بمسؤولية القيادة بين القادة العسكريين والمسؤولين المدنيين، وأن تضع اشتراطات واضحة للسيطرة الفعلية والمساهمة الفردية. وينبغي أن تستند المسؤولية الجنائية إلى سلوك مُثبت لا إلى الانتماء، على أن تُعالَج المسؤولية المدنية والإدارية للأشخاص الاعتبارية بصورة منفصلة.
  • تعزيز الاستقلال المؤسسي والقضائي: يمكن تحقيق قدر أكبر من الشفافية في آلية تعيين أعضاء الهيئة من خلال الترشيح العلني، والمشاركة الرسمية لمجموعات الضحايا والمجتمع المدني، ومرحلة تثبيت مستقلة. ومن شأن النص في القانون ذاته على شروط العضوية ومدتها وأسباب العزل أن يوفّر حماية أقوى من تأثير السلطة التنفيذية. كما تبرز الحاجة إلى ضمانات مماثلة في تعيين القضاة وأعضاء النيابة العامة المتخصصين وعزلهم.
  • تعزيز ضمانات المحاكمة العادلة: يُستحسن أن تعترف المادة 64 صراحةً بالحق في الاستئناف، وأن توضح الحمايات الأساسية الأخرى، لا سيما استبعاد الأدلة المنتزعة تحت التعذيب، وإطلاع الدفاع على أدلة الادعاء، والرقابة القضائية على الاحتجاز السابق للمحاكمة، وفقاً لالتزامات سوريا بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
  • ضمان مشاركة فعلية للضحايا: من شأن وضع إجراءات واضحة لاختيار ممثلي الضحايا وتحديد الأهلية لجبر الضرر أن يساعد على ضمان وصول أكثر إنصافاً إلى سبل الانتصاف. كما أن من شأن الرقابة المالية المستقلة وإتاحة إجراءات مراجعة ميسّرة للطلبات المرفوضة أو المتأخرة أن توفّر ضمانات إضافية. وينبغي أن يضطلع الضحايا أيضاً بدور جوهري في القرارات المتعلقة بجبر الضرر وتخفيف العقوبات.
  • توفير حماية فعالة للضحايا والشهود: تبرز الحاجة إلى إطار شامل يعالج المخاطر التي تهدد الضحايا والشهود طوال الإجراءات وبعد انتهائها، مع إتاحة الدعم النفسي والاجتماعي لجميع الضحايا والشهود، واتخاذ تدابير إضافية تلائم الاحتياجات الفردية. ويجب أن تصون تدابير الحماية التي تنطوي على إخفاء الهوية أو تقييد الإفصاح حقَّ المتهم في الاطلاع على الأدلة والطعن فيها، بما في ذلك من خلال مناقشة الشهود.
  • حماية منظمات التوثيق ومصادرها: يُستحسن أن تستعيض المادة 49 عن التزامات الإفصاح الشاملة بطلبات محددة وضرورية ومتناسبة تخضع للرقابة القضائية. وينبغي أن تحترم هذه الطلبات مبادئ الموافقة والسرية وحماية البيانات وسلامة المصادر، مع إتاحة حجب بعض المعلومات أو تقييد الإفصاح عنها عند الاقتضاء. ولا ينبغي أن تترتب أي مسؤولية جزائية حين يكون نقل المواد محظوراً بموجب القانون أو بموجب التزامات حماية مُلزِمة.
  • ربط التخفيف القضائي بإسهامات مُتحقَّق منها: ينبغي أن يعكس تخفيف العقوبة إفصاحات جرى التحقق منها بصورة مستقلة وتُسهم إسهاماً فعلياً في كشف الحقيقة والمساءلة. وينبغي تبادل المعلومات ذات الصلة مع المؤسسات المعنية بالمفقودين وبالتحقيقات، على أن يُسهم فرض التزامات مناسبة بجبر الضرر وضمان مشاركة جوهرية للضحايا في تعزيز دور الآلية في معالجة الأضرار الناجمة عن الجرائم.
  • ضمان تناسب العقوبات: يوفّر وقف تنفيذ أحكام الإعدام خلال المرحلة الراهنة من الإصلاح المؤسسي ضمانة مهمة ضد الأخطاء القضائية التي لا يمكن تداركها. كما ينبغي النظر في الاستعاضة عن عقوبة الإعدام بعقوبات سالبة للحرية، لا سيما في ضوء انعكاساتها على تسليم المطلوبين والتعاون القانوني الدولي. ويمكن بالمثل الاستعاضة عن الحرمان الدائم من الحقوق المدنية والسياسية بعقوبات فردية ومحددة المدة.
  • منع الإقصاء الجماعي عبر فحص السجلات: من شأن تضييق أسس العزل ووضع معااير إثبات واضحة أن يساعدا على ضمان أن تستند القرارات إلى السلوك الفردي المثبت لا إلى الموقع المؤسسي أو الانتماء المجتمعي. كما يُستحسن تعزيز ضمانات استقلال لجنة فحص السجلات وإتاحة إجراءات فعالة للمراجعة والطعن.
  • صون الطابع الرضائي للمصالحة والحق في العودة: ينبغي أن يحفظ إطار المصالحة حق الضحايا في الانسحاب واللجوء إلى آليات مساءلة أخرى، مع إخضاع التسويات لمراجعة مستقلة عند الضرورة. وينبغي أن تندرج القيود على الإقامة والعودة ضمن اختصاص السلطة القضائية لا لجان الوجهاء، وأن تخضع القرارات لتقييم فردي ولمبادئ التناسب والتقييد الزمني وإمكانية الطعن.

 ________________________________

للمزيد من المعلومات أو لتقديم ردود الأفعال والآراء، يرجى إدراج تعليقك في قسم التعليقات أدناه، أو التواصل مع المركز السوري للعدالة والمساءلة على [email protected]. كما يمكنكم متابعتنا على فايسبوك و تويتر. اشترك في نشرتنا الأسبوعية ليصلك تحديثات عن عمل المركز.