قانون حقوق الطفل الجديد في سوريا لن يوفّر الحماية للأطفال

قانون حقوق الطفل الجديد في سوريا لن يوفّر الحماية للأطفال

عدسة شاب دمشقي

في آب/أغسطس 2021، أصدرت الحكومة السورية رسمياً قانوناً جديداً (رقم 21 لسنة 2021) يوسّع من نطاق الحقوق وإجراءات الحماية الممنوحة للطفل. رغم ذلك، يُظهر الواقع على الأرض أن القانون الجديد يعتبر طموحاً إلى حد كبير ولا تزال هنالك هوّة كبيرة بين الحقوق الممنوحة بموجب القانون السوري وممارسات الحكومة السورية. ويغطي القانون الجديد العديد من الجوانب مثل الحق بالجنسية السورية، والزواج، واستغلال الأطفال، والحماية ضد العنف. وبينما يبدو أن القانون الجديد يُظهر تقدّماً على صعيد حقوق الإنسان، إلا أنه لا يزال هناك قصور في تنفيذ هذا القانون. وقد أظهرت الحكومة السورية تجاهلها للمسائل المتعلقة بحماية الطفل وحقوقه خلال السنوات العشرة الماضية مع ما شهدته من اعتقالات، وتعذيب، وضربات جوية. وينبغي أن يحدث تغيير ملموس في تعامل الحكومة مع الأطفال من أجل ضمان التزاماتها باحترام قانون حقوق الإنسان الدولي وأبسط مبادئ الكرامة الإنسانية.

نبذة تعريفية

عقب مرور 10 سنوات على النزاع، يُطلق في الغالب على أطفال سوريا “الجيل الضائع”، حيث شهدت طفولتهم اضطرابات بسبب النزوح والنزاع واتسمت حياتهم بالإساءات لحقوق الإنسان والمآسي. وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أنه بالمتوسط يتعرّض طفل واحد للقتل كل 8 ساعات منذ بدء النزاع في سوريا. ولا تزال الحكومة السورية من أبرز الجهات التي ترتكب انتهاكات بحق الأطفال.

وبعيداً عن كونهم ضحايا للقصف الحكومي العشوائي على المناطق المدنية، تم استهداف الأطفال على وجه الخصوص من قبل القوات الحكومية لإكراه وإخضاع السكان. وتم استهداف المدارس في كثير من الأحيان من قبل الحكومة، كما حدث مع مدرسة الخنساء الابتدائية في بلدة جرجناز في 2018، حيث قُتل ستة أطفال عندما سقطت قذيفة هاون بجانب مبنى مدرستهم خلال فترة الاستراحة.

كما ألحقت الحكومة الأذى بالأطفال بشكل ملحوظ، خصوصاً من تم اعتقالهم أثناء الاحتجاجات. وهنالك عدد هائل من الأمثلة المسجلة من قبل لجنة التحقيق الدولية التابعة للأمم المتحدة حول احتجاز أطفال بعمر 11 سنة في مباني المخابرات ونقاط التفتيش وإخضاعهم للتعذيب والعنف الجنسي من قبل مسؤولين حكوميين. كما يتم حرمان العديد من الأطفال المحتجزين من الطعام والماء والرعاية الطبية، وهو ما أصبح أكثر أهمية مع تفشي كوفيد-19 في البلد. ويعتبر الأطفال المشتبه بانتمائهم للمعارضة، أو برفقة أفراد العائلة المشتبه بانتمائهم للمعارضة، عرضةً في الغالب للاغتصاب والعنف، الأمر الذي دفع الكثير من العائلات لإرسال أولادهم إلى مناطق بعيدة، الأمر الذي يزيد من عدد ملايين السوريين النازحين بفعل النزاع، والعديد منهم من النساء والأطفال.

وفي ظل هذا الخلفية، قامت الحكومة السورية بإقرار القانون الجديد لحماية الطفل.

الجنسية- المادة 5

يتضمن القانون الجديد العديد من التغييرات على القانون السوري. ففي السابق، لم يكن بإمكان الطفل الحصول على الجنسية إلا عن طريق الأب. وقد أدى ذلك إلى انعدام الجنسية لدى العديد من الأطفال المولودين لأمهات سوريات وآباء غير سوريين. فعلى سبيل المثال، يوجد الآلاف من الأطفال لآباء يحملون جنسيات مختلفة في كافة أنحاء سوريا، كما هو الحال في مخيمي الهول واليرموك، ممن حرموا من المواطنة السورية. تنص المادة 5 من القانون الجديد لكل طفل الحق في أن يكون له جنسية، وفق أحكام القوانين ولم يوضح القانون أو يعدل بشكل صريح حصول إمكانية منح الأم السورية الجنسية لطفلها بشكل مباشر. حيث وجد مستشار الشؤون القانونية وحقوق الإنسان لدى المركز السوري للعدالة والمساءلة أن هذه المادة لم يتم تفعليها بالكامل، ولا يزال أطفال الأمهات السوريات محرومين من المواطنة. ومن أجل تفعيل النص القانوني، ينبغي استحداث آلية جديدة لتقديم الطلبات للحصول على المواطنة. وسيتطلب ذلك تقديم ضمانات بأن الأمهات اللواتي يتقدّمن بطلبات للاعتراف بمواطنة أطفالهن لن يواجهن أية عراقيل أو إجراءات انتقامية.

الإساءة للطفل وسوء معاملته – المواد 12، 31، 51

في السابق، لم تكن هنالك نصوص محددة في القانون السوري لحماية الأطفال من الإساءة. فعلى سبيل المثال، وفي قضية مرفوعة مؤخراً ضد أحد مقاتلي تنظيم داعش العائدين، ألغت المحكمة العليا في كوسوفو قرار الإدانة بالإساءة إلى طفل حيث قام مقاتل بوضع سترة ناسفة على طفله البالغ من العمر 3 سنوات وأعطاه سلاحاً نارياً ليطلق النار، وتم تصوير ذلك في مقطع فيديو. ولم تتمكن المحكمة من تحديد نص صريح يجرّم تقصير العائلة في القانون السوري وقامت بإلغاء قرار الإدانة. وأثناء الحبس الاحتياطي بانتظار قرار المحكمة، وعقب التشاور مع المركز السوري للعدالة والمساءلة والذي تمكن من تحديد بعض النصوص ذات الصلة في القانون السوري، أقرّ مقاتل داعش بذنبه لتخفيف التهمة. بناءً على ذلك، يمكن أن تساعد المادة 12 في سدّ بعض الفجوات القانونية، لكن إنفاذها يبقى أمراً أساسياً.

كما تحظر المادة 31 استخدام الأطفال في الإعلانات أو وسائل الإعلام بطريقة تنتهك خصوصيتهم، بالإضافة إلى حظر إنتاج وتوزيع صور فوتوغرافية أو مواد فيديو قد تؤذي الطفل أو تشجع على سلوك منحرف. رغم ذلك، تبقى هذه المواد غامضةً ولا يعتبر أثرها الكامل معروفاً. فعلى سبيل المثال، توجد مخاوف حول إمكانية استخدام القوانين لمعاقبة الصحفيين وأفراد المجتمع المدني على توثيقهم للانتهاكات ضد الأطفال، مما سيكون له أثر سلبي من حيث تشجيع الإفلات من العقاب لقاء إيذاء للأطفال.

أخيراً، تحظر المادة 51 كافة التدابير التي تتضمن أي شكل من أشكال العنف أو القسوة أو المعاملة المهينة للأطفال. وتنتهك الممارسات الحالية للحكومة السورية مثل احتجاز الأطفال في سجون معروفة بظروفها اللاإنسانية وتعذيبهم على أساس جرائم ملفّقة هذا النص القانوني. وكجزء من الشهادات المقدمة في محاكمة أنور رسلان، وصف أحد الشهود كيف أنه شاهد قوات الأمن السورية تقتل فتىً بعمر 15 سنة، وتمزق أعضاءه، ثم تقوم باعتقال أشقائه الثلاثة الأصغر سناً.

ويوجد عدد هائل من الأمثلة في المحكمة، بما في ذلك أطفال بعمر 7 سنوات يتم احتجازهم ويتوفون؛ وشهادة أحد حفّاري القبور حول رؤية جثة سيدة تحضن طفلها الميت؛ وطفل تم استجوابه وتعذيبه في الفرع 251. ويتعرّض الأطفال بشكل منتظم للاعتقال، والاحتجاز، وسوء المعاملة لمجرّد كتابة عبارات مناهضة للحكومة على الجدران؛ بالرغم من أن المادة 6 من القانون الجديد تضمن حق الطفل في التعبير عن رأيه.

ينبغي إحداث تغيير ملموس في السياسة الحكومية بعيداً عن الجرائم السابقة بما ينسجم مع القانون الجديد.

زواج الأطفال – المادة 19

ينص قانون الأسرة المعدَّل على أن سن الزواج هو 18 عاماً. لكن توجد بعض الاستثناءات التي تسمح للقضاة بالموافقة على الزيجات وتسجيلها اعتباراً من سن 15 عاماً في حال حدث بالفعل معاشرة وحمل أو علاقات جنسية. من الناحية العملية، يتمتع القضاة بالحرية في تطبيق هذه الاستثناءات التي تعتمد في الغالب على تقارير طبية مزيفة. وتعيد المادة 19 من القانون الجديد التأكيد على وجوب بلوغ الفتيان والفتيات سن 18 عاماً عند الزواج. وبالنظر إلى الممارسات السابقة والحرية في استخدام الاستثناءات، فإن من غير الواضح أن ذلك سيمنع زواج القُصّر أو الزواج القسري للفتيات الصغيرات.

تجنيد الأطفال – المادة 46

كما تحظر المادة 46 من القانون الجديد استخدام أو تجنيد الأطفال في الأعمال القتالية. ويوجد لدى عدد هائل من الأطراف في النزاع السوري باع طويل في استخدام الأطفال كجنود في الأعمال القتالية، بما في ذلك الحكومة السورية والمليشيات التابعة لها بالإضافة إلى قوات سوريا الديمقراطية (قسد) وتركيا. ومع استمرار أمد النزاع، اضطرت الحكومة والمعارضة للنظر في تجنيد الأطفال، من الفتيان والفتيات، من أجل تعزيز صفوفهم المستنفذة. ووجد تقرير صادر عن لجنة التحقيق الدولية أن أطفالاً بعمر 15 سنة تم استخدامهم كمقاتلين وحراس في نقاط التفتيش، بينما تم الحديث عن استخدام أطفال بعمر ست سنوات كجواسيس أو حاملي رسائل. ويُحرم الأطفال المجندون قسراً كمقاتلين من التعليم المناسب والذي يعد أساسياً لإعادة تأهيلهم عقب انتهاء النزاع. كما يتعرض الأطفال المستخدمون كمقاتلين إلى حالات شديدة من اضطرابات ما بعد الصدمة ويتأثرون سلباً طوال فترة بلوغهم. ولا يعتبر تجنيد الأطفال، حتى وإن كان طوعياً، غير قانوني بموجب القانون الدولي فحسب، بل محرّما أيضاً بموجب القانون السوري الجديد، لكن من غير الواضح كيف سيعمل القانون الجديد على تغيير الوضع على الأرض أو ما إذا كان سيؤدي إلى إجراءات إلزامية. 

الأطفال ذوو الإعاقة – المادة 45

خلّف القصف والهجمات الحكومية آلاف الأطفال المصابين بتشوهات وإعاقات. وتواصل هذه الهجمات، المدعومة في الغالب من قبل روسيا، حصد أرواح الأطفال أو تعريضهم للإعاقة. وأظهرت تحقيقات سابقة أجراها المركز السوري للعدالة والمساءلة أن الحكومة السورية استخدمت المدارس لأغراض عسكرية، مما يُبرز الدمار واسع الانتشار التي أحدثته، خصوصاً في محافظة إدلب. وتتعارض هذه الإجراءات مع المادة 45 من القانون الجديد، والذي ينص أن على الدولة وقاية الطفل من الإعاقة ومن كل عمل من شأنه أن يضرّ بنموّه، بالإضافة إلى المادة 10 والتي تضمن الحق في التعليم.

التوصيات

  • على الحكومة السورية تبني قوانين حماية الطفل بما ينسجم مع اتفاقية حقوق الطفل (والتي تُعد سوريا إحدى الدول الأطراف فيها).
  • لا ينبغي تفسير القانون الجديد بشكل خاطئ من قبل الحكومات الأوروبية على أن حماية الطفل يتم تنفيذها الآن في سوريا. حيث تواصل الحكومة السورية انتهاك حماية وحقوق الأطفال السوريين، ولا تُعد سوريا آمنةً للعودة إليها.
  • على الحكومات الوطنية أن تضع في أولوياتها وتزيد مواردها لمقاضاة المسؤولين الحكوميين المتورطين في الجرائم ضد الأطفال في سوريا.
  • لا ينبغي للمنظمات المعنية بالتوثيق، مثل لجنة التحقيق الدولية والآلية الدولية المحايدة المستقلة توثيق الجرائم ضد الأطفال لأغراض آليات المساءلة في المستقبل، إلا إذا كان من الممكن توفير الحماية للطفل من إعادة التعرض للصدمة النفسية، وتقديم الدعم النفسي والاجتماعي، والحصول على الموافقة المستنيرة.
  • على المنظمات الإنسانية والحكومات ضمان تقديم الدعم النفسي والاجتماعي للأطفال في مخيمات اللاجئين من ضحايا العنف والإساءة من قبل الحكومة، مع التركيز بشكل خاص على تقديم الدعم للأطفال الذين تعرضوا للعنف الجنسي والعنف القائم على أساس النوع الاجتماعي.
  • على الأمم المتحدة ممارسة المزيد من الضغط على حلفاء سوريا، مثل روسيا، للعب دور أكبر في ضمان الالتزام بالمعايير الوطنية والدولية لحماية الطفل وضمان الالتزام بهذه المعايير في كافة الحملات العسكرية.

______________________________________________

لمزيد من المعلومات أو لتقديم ردود الأفعال والملاحظات، يُرجى التواصل مع المركز السوري للعدالة والمساءلة على [email protected] ومتابعتنا على الفيسبوك وتويتر. ويرجى الاشتراك في النشرة الإخبارية الصادرة عن المركز السوري للحصول على تحديثات حول عملنا.

رد

أضف تعليق

(إلزامي)