اليونان والدنمارك تكلّفان دول ثالثة برعاية حقوق الإنسان: عودة اللاجئين السوريين من الباب الخلفي

اليونان والدنمارك تكلّفان دول ثالثة برعاية حقوق الإنسان: عودة اللاجئين السوريين من الباب الخلفي

مخيم للاجئين في اليونان - Julie Ricard

 

منذ عام 2015، دفعت موجات النزوح حول العالم بآلاف اللاجئين إلى حدود أوروبا، مما أدى إلى إجهاد نظام اللجوء فيها وخلق أزمة إنسانية. ونتيجة لذلك، نظرت عدة دول أوروبية في مقترحات نقل مسؤوليتها إلى دولة ثالثة في إطار حماية اللاجئين بموجب القانون الدولي والأوروبي. وتبحث هذه المقالة في المحاولات الأخيرة التي قامت بها اليونان والدنمارك لتكليف جهة خارجية بالتزامات اللجوء الخاصة بهما من خلال تحويل المسؤولية إلى دول ثالثة. وتشكّل هذه السياسات سابقة خطيرة لتقييد حقوق اللاجئين في إجراءات اللجوء والحماية العادلة، ويجب إبطالها.

اليونان

في الشهر الماضي، أعلن قرار وزاري مشترك صادر عن وزارة الخارجية ووزارة الهجرة واللجوء في اليونان أن تركيا بلد آمن لطالبي اللجوء من خمس دول: سوريا وأفغانستان وباكستان وبنغلاديش والصومال. ويزعم القرار أنه جاء استجابة للتوصيات الأخيرة الصادرة عن مصلحة اللجوء اليونانية (GAS) ومعلومات عن الوضع الحالي في تركيا، بما في ذلك “الظروف المعيشية وحقوق الإنسان لفئات معينة من المتقدمين للحصول على الحماية الدولية”. حيث لا يُعتبر طالبو اللجوء من هذه البلدان في خطر على أساس العرق أو الدين أو الجنسية أو المعتقدات السياسية في حالة إعادتهم إلى تركيا. ووفقاً لذلك، أكّد وزير الهجرة واللجوء، نوتيس ميتاراشي، أن القرار كان “خطوة مهمة في معالجة تدفقات الهجرة غير الشرعية والنشاط الإجرامي لشبكات التهريب” و”يتماشى تماماً مع القانون الدولي ويعزز الترسانة القانونية لليونان ضد طلبات المواطنين من دول مثل سوريا… ليس لديهم أي سبب على الإطلاق لاعتبار تركيا دولة غير آمنة.”

ولكن على عكس القرار وتصريحات الوزير ميتاراشي، فإن تركيا ليست دولة ثالثة آمنة للاجئين السوريين. حيث تواصل تركيا، كما أفاد المركز السوري للعدالة والمساءلة سابقاً، ترحيل اللاجئين إلى سوريا في انتهاك لمبدأ عدم الإعادة القسرية المنصوص عليه في اتفاقية اللاجئين التي تُعتبر تركيا دولة طرفاً فيها والتي تحظر إعادة اللاجئ إلى بلد الاضطهاد. ويحدث هذا على الرغم من الانتهاكات التي لا حصر لها التي يواجهها الناس عند عودتهم إلى سوريا، بما في ذلك الاعتقال والتعذيب وسلب الممتلكات والخدمة العسكرية الإجبارية. لا يعفي الاتفاق المبرم بين الاتحاد الأوروبي وتركيا ولا تحفّظ تركيا على تصديقها على اتفاقية اللاجئين – وهو تحفّظ جغرافي – من التزامها بمبدأ عدم الإعادة القسرية. وبالإضافة إلى ذلك، يتعرّض السوريون لانتهاكات واسعة النطاق وممنهجة لحقوق الإنسان داخل تركيا، من أعمال الشرطة التمييزية مرورا بالقيود المفروضة على الحركة إلى فرص العمل المحدودة. وإن حقيقة أن العديد من السوريين تم احتجازهم تلقائياً لدى وصولهم إلى تركيا يجعلها دولة غير آمنة للمبعَدين القادمين من اليونان.

وفي غضون ذلك، ناقش مجلس الاتحاد الأوروبي مؤخراً إمكانية تقسيم ميثاق الهجرة واللجوء لعام 2020 إلى سلسلة من الاتفاقات الأصغر على أمل الحصول على المزيد من الدعم من دول غرب البحر المتوسط ​​الخمس (قبرص واليونان وإيطاليا ومالطا وإسبانيا). ومن شأن إحدى هذه الاتفاقات أن توسّع دور المكتب الأوروبي لدعم اللجوء (EASO) في إجراءات تسجيل اللجوء. وبوضعه الحالي، يوفّر هذا المكتب دعماً تشغيلياً حاسماً لمصلحة اللجوء اليونانية للتسجيل وإجراءات دبلن وإجراء المقابلات وصياغة الآراء للقرارات الرسمية من قبل مصلحة اللجوء اليونانية. وعلى الرغم من اعتماد مصلحة اللجوء اليونانية على المكتب الأوروبي لدعم اللجوء، فإن القرار الوزاري اليوناني يتجاهل تماماً النتائج التي توصل إليها تقرير بلد الأصل الأخير الصادر عن المكتب بشأن سوريا. وإن هذا التقرير، الذي صدر قبل القرار الوزاري واستشهد في عدة مناسبات بالتوثيق والتحليل الصادرين عن المركز السوري للعدالة والمساءلة، يؤكّد بوضوح أن العائدين إلى سوريا في “وضع لا يمكنهم الخروج منه رابحين”. ولكن وفقاً للمعلومات المحدودة الصادرة عن وزارة الهجرة اليونانية، أصدرت مصلحة اللجوء اليونانية أكثر من 1,200 رفض و3,700 قرار بعدم قبول السوريين في عام 2020. ومن خلال هذه القرارات، تهدّد اليونان حياة اللاجئين السوريين بإرسالهم إلى دولة ثالثة حيث لا يكونون في أمان بسبب خطر الإعادة القسرية إلى سوريا.

الدنمارك

ضاعفت الدنمارك أيضاً من جهودها لنقل مسؤوليتها عن اللاجئين السوريين إلى دولة ثالثة. حيث قامت في أيار/مايو بإقرار تعديل على قانون الأجانب الدنماركي لإنشاء مركز لاستقبال اللاجئين لفحص اللجوء في دولة ثالثة، من المحتمل أن تكون دولة إفريقية مثل مصر أو إثيوبيا أو رواندا. ويأتي ذلك بعد أن قامت الدنمارك بإلغاء تصاريح الإقامة لمئات من السوريين، مدّعية  أن دمشق باتت آمنة للعودة. وقد شجبت منظمات حقوق الإنسان، بما في ذلك المركز السوري للعدالة والمساءلة، هذه الخطوة، وأشارت إلى وجود أدلة تثبت بأن سوريا ليست آمنة.

وإن هذا القانون هو بمثابة محاولة أخرى من قبل الدنمارك للتنصّل من التزاماتها الدولية والأوروبية لتوفير الحماية للاجئين وطالبي اللجوء. وإن القصد من هذه القوانين واضح. حيث أشارت رئيسة الوزراء ميت فريدريكسن إلى أن القوانين تهدف إلى ثني الناس عن تقديم طلبات اللجوء. بل وذهب متحدث باسم البرلمان إلى حد القول إن أي شخص يتقدّم بطلب للحصول على اللجوء في الدنمارك يجب أن يتوقع إعادته إلى بلد خارج أوروبا. ومع ذلك، من المحتمل أن يقوّض التعديل الجديد الحق في اللجوء الذي تضمنه اتفاقيات جنيف والمادة 18 من ميثاق الحقوق الأساسية للاتحاد الأوروبي من خلال نقل المسؤوليات عن الجوانب الحاسمة لإجراءات اللجوء الدنماركية إلى سلطات خارج الدنمارك. ومن خلال تثبيط طلبات اللجوء بالتهديد بالترحيل والإعادة، وكذلك عن طريق نقلهم إلى دول أخرى، تنتهك الدنمارك الحق القانوني لطالبي اللجوء في إجراءات لجوء آمنة وعادلة في الاتحاد الأوروبي.

وإن هذه المقترحات ليست بأي حال من الأحوال أمراً مستجداً في معالجة اللجوء. حيث تم اقتراح فكرة إنشاء مراكز استقبال اللاجئين خارج الاتحاد الأوروبي في بلدان ثالثة عدة مرات من قبل دول أوروبية وفشلت مراراً وتكراراً لأسباب قانونية وقضائية وبالإضافة إلى ذلك، لا تزال هناك العديد من الأسئلة العملية التي يتعين على الحكومة الدنماركية معالجتها، بما في ذلك من سيتولى معالجة طلبات اللجوء، وما هي الدول الثالثة التي سيتم إرسال طالبي اللجوء إليها، ومن يتحمل المسؤولية المالية. والأهم من ذلك، يجب على الدنمارك أن تضمن أن البلد الثالث “آمن” لطالبي اللجوء، كما هو موضح أعلاه.

الخلاصة

يجب على كل من اليونان والدنمارك الوفاء بمسؤوليتهما لضمان سلامة وأمن اللاجئين. وعلاوة على ذلك، بصفتهما بلدَين عضوَين في الاتحاد الأوروبي، ينبغي عليهما الالتزام بتوجيهات الاتحاد الأوروبي التي تنص على أن التزامهما بدعم حقوق اللاجئين لا يتوقف عند حدودهما الجغرافية. ووفقاً للإرشادات والقانون الدولي والأوروبي، يجب على اليونان والدنمارك إعادة تقييم سياساتهما وممارساتهما التي تهدد حياة اللاجئين عن طريق إرسالهم إلى دول ثالثة حيث لا يُعتبر وصولهم إلى إجراءات اللجوء المشروعة كافياً وحيث يمكن أن يواجه الأفراد الذين لديهم طلبات لجوء بحسن نية خطر الإعادة قسراً إلى سوريا. ومن خلال الاستخفاف بالتزاماتهما، يقوّض البلدان بشكل صارخ حياة اللاجئين، فضلاً عن تقويض مشروعية معايير حقوق الإنسان. وعلاوة على ذلك، فإن نقل المسؤولية إلى دول ثالثة يضع عبء الإثبات على عاتق اللاجئين السوريين لإظهار أنه سيتم إعادتهم قسراً إلى سوريا حيث يواجهون خطر التعرّض للاضطهاد. وإن هذه العملية وحدها تخاطر بإعادة التسبب بصدمة نفسية للاجئين الذين فروا إلى أوروبا بحثاً عن الأمان.

______________________________________________

لمزيد من المعلومات أو لتقديم ردود الأفعال والملاحظات، يُرجى التواصل مع المركز السوري للعدالة والمساءلة على [email protected] ومتابعتنا على الفيسبوك وتويتر. ويرجى الاشتراك في النشرة الإخبارية الصادرة عن المركز السوري للحصول على تحديثات حول عملنا.

رد

أضف تعليق

(إلزامي)