المساعدات الخارجية والتغيير الديموغرافي في شمال غرب سوريا

المساعدات الخارجية والتغيير الديموغرافي في شمال غرب سوريا

الشيخ صباح الخالد الصباح ، النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء الكويتي ورئيس الوزراء التركي أحمد داود أوغلو يلقي كلمة في المؤتمر الصحفي لدعم سوريا والمنطقة ، لندن ، فبراير 2016 - حقوق النشر لروب توم و Crown Copyright‎

أثارت تقارير إعلامية أخيرة من شمال غرب سوريا مرة أخرى مخاوف بشأن احتمال حدوث تغيير ديموغرافي قسري في المنطقة ودور المساعدات الخارجية في تيسير هذه العملية. حيث تركّز هذه التقارير بشكل خاص على دور الكويت وحكومات إقليمية أخرى في تمويل جهود إعادة الإعمار التي تقودها تركيا على قطعة أرض في عفرين تعود ملكيتها لسكان أكراد نازحين. كما أنها تسلّط الضوء على قضية أكبر وشائعة في جميع أنحاء سوريا: كيف يؤدي إيصال المساعدات الدولية وأموال إعادة الإعمار في ظل ظروف حكم فاسد وعسكري إلى انتهاك منهجي لحقوق السوريين في السكن والأرض والممتلكات. ويجب على حكومة الكويت، وحكومات أي دول أخرى يتبين فيها أن مانحين يدعمون جهود إعادة الإعمار من هذا النوع، أن تحظر مثل هذا التمويل. ويجب عليها بدلاً من ذلك الالتزام بأشكال إيصال المساعدات التي تحمي حقوق الإنسان بدلاً من انتهاكها.

وأشارت تقارير صادرة عن منظمات حقوقية وإعلامية سورية، الأسبوع الماضي، إلى زيارة قام بها المجلس المحلي في عفرين لبؤرة استيطانية جديدة تحمل اسم “كويت الرحمة” قيد الإنشاء في منطقة شيراوا بريف عفرين. وبالإضافة إلى المرافق الصحية والتعليمية، سيتضمن المجمع الاستيطاني 300 وحدة سكنية مخصصة لإيواء نازحين سوريين. وتقوم ببنائه جمعية شام الخير، وهي منظمة إنسانية تأسست في الغوطة الشرقية عام 2011 وتم تسجيلها في تركيا عام 2014. كما أشارت بعض التقارير الإعلامية إلى أن مشروع كويت الرحمة تلقّى دعماً من مصادر قطرية أيضاً، على الرغم من أن المركز السوري للعدالة والمساءلة لم يعثر على دليل ملموس على ذلك. ويحمل المشروع أوجه شبه كبيرة مع المستوطنات الأخرى التي أقيمت في عفرين ومناطق أخرى استولت عليها تركيا في عملية “غصن الزيتون” في عام 2018. وكان أحد هذه المشاريع، مدينة صباح الأحمد الخيرية، الذي قامت ببنائه جمعية شام الخير بتمويل من الهيئة الخيرية الإسلامية العالمية ومقرها الكويت. وإن هذه الهيئة هي منظمة خيرية غير ربحية، لكنها مرتبطة تاريخياً بدولة الكويت، حيث يعود الفضل في تأسيسها إلى مرسوم ملكي صدر عام 1986 ويرأسها حالياً مستشار للديوان الأميري. وعلى هذا النحو، فمن المحتمل أن هذه الهيئة تعمل بدرجة معينة من الإشراف والموافقة من مسؤولي دولة الكويت. وتمول الهيئة اليوم مشاريع إنسانية في جميع أنحاء العالم العربي وخارجه، بما في ذلك في اليمن حيث دعمت بناء قرية كويت الخير – وهي مستوطنة للنازحين تشبه إلى حد كبير تلك التي يتم بناؤها في شمال غرب سوريا. ولا تعلن الهيئة على موقعها على الإنترنت عن أيٍّ من مشروعَي عفرين (كويت الرحمة ومدينة صباح الأحمد الخيرية)، ولم تجب الهيئة ولا جمعية شام الخير على استفسارات المركز السوري للعدالة والمساءلة حول هذا الموضوع. غير أن جمعية شام الخير تقرّ صراحة ​​أن الهيئة الخيرية الإسلامية العالمية تموّل مشروع مدينة صباح، في حين أن الاسم وأوجه الشبه بين كويت الرحمة ومشاريع الهيئة الأخرى تشير بوضوح إلى مشاركة مانحين كويتيين.

منشور على فيسبوك من المجلس المحلي لمدينة عفرين يروّج لمشروع كويت الرحمة

قامت المنظمات التي تموّل وتشيّد مستوطنات سكنية جديدة في شمال غرب سوريا بالترويج لها كشكل من أشكال الدعم للسوريين النازحين من مختلف أنحاء البلد، بما في ذلك عشرات الآلاف الذين فرّوا من حصار الحكومة السورية على الغوطة الشرقية عام 2018. إلا أن مثل هذه المشاريع تعمل أيضاً على ترسيخ نزوح شرائح أخرى من المجتمع السوري، وهنا نتحدث عن قرابة 137,000 من السكان غالبيتهم من الأكراد الذين فرّوا بشكل رئيسي من هذه المنطقة إلى شمال شرق سوريا وكردستان العراق بسبب العمليات العسكرية التي قادتها تركيا في عام 2018. حيث تُقام مستوطنة كويت الرحمة، على سبيل المثال، في محيط قرية خالتا/الخالدية، التي شهدت قتالاً عنيفاً بين وحدات حماية الشعب ذات الأغلبية الكردية والجيش الوطني السوري المدعوم من تركيا خلال عملية غصن الزيتون. وقامت مؤسسة إحسان للإغاثة والتنمية ومقرّها تركيا ببناء مستوطنة أخرى على أرض أميرية (مملوكة على المشاع) بقرية حاج حسن. وتم الاستيلاء على هذه الأراضي في سياق حملة عسكرية شهدت انتهاكات فظيعة لحقوق الإنسان واستهدف فيها الجيش الوطني السوري الممتلكات والثقافة الكردية على وجه الخصوص. وبالإضافة إلى نهب الممتلكات الخاصة وتدمير التراث الثقافي الكردي في عفرين، أفادت تقارير بأن عناصر ميليشيا الجيش الوطني السوري بدأوا بتأجير منازل النازحين للقادمين من السكان العرب – حتى بعد أن حاول أصحابها الأكراد العودة والمطالبة بممتلكاتهم. وتواصل ميليشيات الجيش الوطني السوري تحقيق أرباح من اقتصادات الحرب في شمال غرب سوريا منذ 2018، لاسيما من خلال سيطرتها على العقارات والصادرات الزراعية.

إن التاريخ الحديث للنزوح السكاني ومصادرة الممتلكات في شمال غرب سوريا له مضامين كبيرة لمشاريع مثل مشروع كويت الرحمة، إذ توجد حاجة ماسة لمشاريع الإسكان هذه الممولة من الخارج لتلبية الاحتياجات الإنسانية للنازحين المقيمين حالياً في المنطقة، ولكن طريقة تنفيذها تعني بأنها تساهم أيضاً في عمليات التغيير الديموغرافي التي اعتبرها كثيرون على أنها النية الصريحة لتركيا ووكلائها. ومن خلال تمويل بناء المستوطنات التي تعيق عودة السكان الأصليين الذين شرّدتهم القوات المدعومة من تركيا، قد يكون المانحون الأجانب متواطئين في النقل القسري للسكان – وهي جريمة ضد الإنسانية بموجب القانون الجنائي الدولي. وعلاوة على ذلك، ليس من الواضح ما إذا كانت ستعود بالنفع على المستفيدين المقصودين، حيث من المرجح أن تستمر ميليشيات الجيش الوطني السوري (بدلاً من السوريين النازحين) في التمتع بامتياز الوصول إلى الممتلكات والمساعدات داخل المستوطنات وحولها.

وإن ديناميكيات العمل في شمال غرب سوريا هي شائعة في أجزاء أخرى من البلد. كما أن ظروف الحكم الفاسدة وذات الطابع العسكري المماثلة، والتي غالباً ما يعمل على استدامتها مصادرة الممتلكات الخاصة، تؤدي أيضاً إلى تشويه توزيع المساعدات الدولية وأموال إعادة الإعمار في المناطق التي تسيطر عليها الحكومة. وبالفعل، فقد سعت الحكومة السورية إلى الاستثمار الأجنبي في مشاريع إعادة الإعمار المبنية على أراضٍ مصادرة (مثل ماروتا سيتي وباسيليا سيتي) جزئياً على وجه التحديد لأنها تتيح الفرصة لتعزيز الأنماط المواتية سياسياً للتغيير الديموغرافي في زمن الحرب. وفي الوقت نفسه، في الشمال الشرقي، اتبعت الإدارة الذاتية في بعض الأحيان سياسات من شأنها أن تؤثر على التغيير الديموغرافي حتى مع استمرارها في العمل كحلقة وصل رئيسية للمساعدات الدولية القادمة إلى سوريا. ولو تم تطبيق القانون رقم 7 لعام 2020، لكان من الممكن مصادرة الأراضي المملوكة لأصحاب الأملاك الغائبين في المنطقة (ومعظمهم من العرب)، مع استثناءات ملحوظة للأقليات المسيحية.

ومن شأن هذه الأنماط أن تذكّر بالحاجة إلى مراقبة دولية لضمان توزيع المساعدات في سوريا بشكل منصف وبما يتماشى مع معايير حقوق الإنسان، وليس تحت رعاية الجماعات الإجرامية المسلحة أو الهيئات الحكومية ذات الدوافع السياسية. وعلى المدى القصير، في شمال غرب سوريا على وجه التحديد، على الكويت أن تحظر دعم مشاريع المساعدات التي ترسّخ النزوح وتزيد من حدة التوتر الاجتماعي في سوريا وتدعم الجهود نحو نظام عادل لردّ الحقوق. وعلى الرغم من أن بعض المانحين الكويتيين قد يؤيدون سراً الرؤية العرقية الخاصة للمجتمع السوري التي تسعى إليها تركيا ووكلائها في الشمال الغربي، فيجب ألا تنتهك مشاريعهم التمويلية القانون الدولي. وإذا كانت منظمات مثل الهيئة الخيرية الإسلامية الدولية غير قادرة أو غير راغبة في الحرص على أن يكون هذا هو الحال، فإنه يقع على عاتق حكومة الكويت تنظيمها بشكل مناسب.

 

لمزيد من المعلومات أو لتقديم ردود الأفعال والملاحظات، يُرجى التواصل مع المركز السوري للعدالة والمساءلة على [email protected] ومتابعتنا على الفيسبوك وتويتر. ويرجى الاشتراك في النشرة الإخبارية الصادرة عن المركز السوري للحصول على تحديثات حول عملنا.

رد

أضف تعليق

(إلزامي)