ما خفي كان أعظم: تقييم أولي لمحاكمة كوبلنتس بشأن التعذيب المرتكب في سوريا

ما خفي كان أعظم: تقييم أولي لمحاكمة كوبلنتس بشأن التعذيب المرتكب في سوريا

شارة الجهاز القضائي على زي ضابط المحكمة، كوبلنتس، أيلول 2020 © Ruptly

*تم نشر هذه المدونة في الأصل في Just Security. *

يصادف يوم 23 نيسان/أبريل مرور عام على بدء محاكمة ضابطين سابقين بالمخابرات السورية في كوبلنتس بألمانيا. حيث رُفِعت القضية من خلال ممارسة “الولاية القضائية العالمية” التي تسمح للدول بالمطالبة بالولاية القضائية لمحاكمة الجرائم الخطيرة التي تنتهك القانون الدولي بغضّ النظر عن مكان ارتكاب الجريمة المزعومة أو جنسية الشخص المتّهم. وتم الاحتفاء بهذه المحاكمة الرائدة لمسؤولين حكوميين سوريين في ألمانيا باعتبارها انتصاراً تاريخياً للعدالة. فقد أدين إياد الغريب، وهو عنصر أمن برتبة متدنية في فرع المخابرات السورية 251، في شباط/فبراير بالمساعدة والمشاركة في التعذيب، فضلاً عن الحرمان الشديد من الحرية، وحُكِم عليه بالسجن لأربع سنوات ونصف. واليوم تتواصل محاكمة أنو رسلان، رئيس قسم التحقيق في الفرع 251، ومن المتوقّع صدور الحكم نهاية العام الجاري.

وبعد أن قام المركز السوري للعدالة والمساءلة بحضور ومراقبة جلسات المحاكمة اليومية في العام الماضي، أصبح بإمكانه تقديم بعض الدروس الأولية للملاحقات القضائية المستقبلية تحت بند “الولاية القضائية العالمية” من أجل تحقيق أقصى أثر ممكن وضمان الشمولية.

خلفية

لا يزال الرئيس السوري بشار الأسد يحكم قبضته على السلطة في سوريا من خلال شبكة متداخلة من وكالات الاستخبارات، مع مجموعة من الصلاحيات الموزعة عادة بين أجهزة الشرطة والجيش والمخابرات. وإن الفرع 251، المعروف أيضاً باسم فرع الخطيب نظراً لموقعه، يشكّل جزءاً من إدارة المخابرات العامة، وكان يُستخدم كمحطة على الطريق حيث يتم اعتقال وتعذيب أعداء الحكومة المشتبه بهم قبل إرسالهم إلى سجون أخرى للحبس لمدة طويلة (والتعذيب) أو قبل أن يتم إطلاق سراحهم. وأدلى العديد من الشهود السوريين (انظر أيضاً هنا وهنا) بشهادتهم بشأن توقيفهم واعتقالهم في زنازين موجودة في أقبية الفرع 251، حيث تم التحقيق معهم وغالباً ما كانوا يتعرضون للتعذيب. وأدلى شاهد مطّلع أن من ماتوا في مراكز الاعتقال المختلفة كانوا يُنقلون إلى المستشفيات حيث يتم تزوير شهادات الوفاة مع الإشارة إلى أن حالات الوفاة حدثت لأسباب طبيعية، وذلك من أجل التعتيم على أنظمة سوء المعاملة الحكومية.

وكان كلا المتهمين في محاكمة كوبلنتس قد فرّا من سوريا في عام 2012 ووصلا في نهاية المطاف إلى ألمانيا حيث طلبا اللجوء. وكان أنور قد لفت انتباه السلطات لأول مرة عندما اشتكى من أنه يخضع للمراقبة من قبل المخابرات السورية في ألمانيا. وأحيلت قضيته إلى الشرطة الجنائية الاتحادية الألمانية (BKA) وبعد تقديم عدة شكاوى جنائية من قبل ضحايا سوريين من خلال منظمات حقوق الإنسان، تم القبض على أنور. وكان للقضية صدى خاص لأن صور بعض الضحايا من الفرع 251 ظهرت في التي تُظهر جثث عدة آلاف من ضحايا التعذيب في صور هرّبها مصور عسكري إلى خارج سوريا. وتم استجواب إياد في البداية من قبل الشرطة الجنائية الاتحادية الألمانية كشاهد في نفس القضية. ولكنهم أدركوا أثناء الاستجواب أنه ضالع أيضاً في سلوك إجرامي. وتم استبعاد بعض إفاداته المبكرة لعدم إخطاره بحقوقه حسب الأصول. وبما أن القانون الألماني لا يسمح بجلسات المحاكمة الغيابية، فإن وجود أنور وإياد في ألمانيا سمح بوصول القضية إلى مرحلة المحاكمة.

وتبيّن أن إياد، الذي يعود الفضل الأكبر في إدانته إلى الأقوال التي أدلى بها للشرطة الألمانية والتي أدان فيها نفسه، عمل في القسم 40، وهو قسم تابع للفرع 251، وكان على علم بالانتهاكات المرتكبة في مركز الاعتقال. ووجدت المحكمة أن إياد شارك في اعتقال المتظاهرين في مظاهرة حدثت في 2011 ونقلهم إلى الفرع 251. ولم تجد أنه قام شخصياً بضرب أي سجين. وتجدر الإشارة كذلك إلى أن أياً من الضحايا الذين انضموا إلى المحاكمة بصفتهم أطراف مدنية (أي “مدّعين”) لم يقدّموا شكاوى ضد إياد شخصياً.

ونظراً لعدم وجود أدلة خاصة بإياد، قامت المحكمة الإقليمية العليا في كوبلنتس بفصل محاكمته عن محاكمة أنور وأصدرت بحقّه حكماً مبكراً. وتستمر المحاكمة ضد أنور رسلان، الذي كان مسؤولاً عن إياد ويُزعم أنه كان رئيس التحقيقات في الفرع 251. وهناك أدلة أكثر أهمية ضده، رغم أنه لا تزال هناك بعض التحديات في إثبات ارتكابه للجرم. على سبيل المثال، كان المعتقلون عادة معصوبي الأعين (انظر أيضاً هنا وهنا) لذلك واجه الشهود صعوبة في التعرّف على أنور في المحكمة. وبالإضافة إلى ذلك، يُزعم أن أنور لم يكن لديه صلاحيات كبيرة داخل الفرع، حيث أنه ليس من الطائفة العلوية المرتبطة بحكم الأسد.

أهمية المحاكمة في ألمانيا

لقد منع استخدام روسيا لحق النقض من محاكمة أي عضو في الحكومة السورية أمام محكمة دولية على الرغم من حقيقة أن الحكومة مسؤولة عن الغالبية العظمى من الفظائع خلال النزاع. ولهذا السبب، لم يتمكن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة من إحالة القضية إلى المحكمة الجنائية الدولية. وتم وضع حل بديل من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة في شكل آلية تحقيق (الآلية الدولية المحايدة والمستقلة “IIIM”) مع تكليفها بجمع الأدلة، ولكن دون وجود مكان محدد للمقاضاة.

وحتى الآن، أثبتت الولاية القضائية العالمية أنها الخيار الأكثر قابلية للتطبيق بالنسبة للسوريين للحصول على قدر من العدالة على المدى القريب، لاسيما في ألمانيا والسويد وهولندا وفرنسا حيث توجد أعداد كبيرة من السوريين ووحدات جرائم الحرب الخاصة المكلّفة بإجراء مثل هذه التحقيقات. وحتى الآن، ركزت معظم المحاكمات على الجهات الفاعلة من غير الدول، لذلك كان تطوراً مرحباً به عندما أعلنت ألمانيا مقاضاة مسؤولي الحكومة السورية بتهمة إساءة استخدام أجهزة الدولة من خلال الاعتقال التعسفي والتعذيب. لذلك تُعتبر المحاكمة في كوبلنتس منعطفاً هاماً في السعي لتحقيق العدالة للسوريين.

كما تم تحقيق إنجاز قانوني هام في نبذ فكرة إمكانية أن يتمتع مسؤولو الدولة من الرتب الدنيا بالحماية من الملاحقة القضائية الجنائية على أساس الحصانة الوظيفية (الحصانة المرتبطة بالموضوع). وإن الحصانات من الملاحقة القضائية التي يمنحها القانون الدولي هي موضوع جدل كبير. وتنطبق حصانة رئيس الدولة (الحصانة المرتبطة بالشخص) على الأقل على رؤساء الدول ورؤساء الحكومات ووزراء الخارجية وربما وزراء الدفاع. في حين أن الحصانة الوظيفية (الحصانة المرتبطة بالموضوع) قد توفّر الحماية لمسؤولين حكوميين آخرين لقيامهم بأفعال رسمية نيابة عن الدولة. ولا يزال هناك جدال دائر حول ما إذا كان ينبغي أن تسود الحصانات في القضايا التي تنطوي على جرائم دولية. وارتأت محكمة العدل الاتحادية الألمانية (BGH) الآن بأن مسؤولي الدولة وعناصر الجيش (على الأقل أولئك من ذوي الرتب الأدنى) لا يتمتعون بحصانة وظيفية بموجب القانون الدولي العرفي في الدعاوى الجزائية الأجنبية المتعلقة بجرائم الحرب. وعلى الرغم من أن الحكم صدر في قضية منفصلة، إلا أن الإجراءات المتّخذة في محاكمة كوبلنتس كانت مؤثرة، خاصة وأن محكمة العدل الاتحادية الألمانية استشهدت بالتقاضي الناشئ عن كوبلنتس كأساس لتأصيل انتفاء الحصانة الوظيفية.

كما نجح المدّعون في كوبلنتس في طلب إضافة تُهم العنف الجنسي كجرائم ضد الإنسانية. وعلى الرغم من أن الوقائع التي تستند إليها التُّهم قد تم إدراجها أصلاً كجرائم محلية – مما يستوفي مخاوف المحاكمة العادلة – إلا أن المحكمة وافقت على طلب المدّعين بإعادة توصيف التُهم على أنها جريمة ضد الإنسانية تتعلق بالعنف الجنسي. ويساعد هذا في التأكيد على أن العنف الجنسي والعنف القائم على النوع الاجتماعي كانا يُستخدمان كأسلحة وكسياسة من قبل الحكومة السورية.

حدود الولاية القضائية العالمية

على الرغم من هذه المنجزات الهامة، واجهت المحاكمة في كوبلنتس عدداً من التحديات المهمة التي قام المركز السوري للعدالة والمساءلة، بالتعاون مع شركائه في المركز الدولي للبحث وتوثيق محاكمات جرائم الحرب (ICWC)، بتسليط الضوء عليها في تقريره عن المحاكمة الذي صدر يوم الخميس. وتخدم محاكمات الولاية القضائية العالمية العدالة من خلال مكافحة الإفلات من العقاب على الجرائم الخطيرة، وحرمان منتهكي حقوق الإنسان من الملاذ الآمن، والرمز إلى قدر أكبر من المساءلة من خلال محاكمة كبار القادة وأولئك الذين يتحملون المسؤولية الأكبر عن الجرائم الفظيعة. ولكن “الأمر لا يقتصر على وجوب تحقيق العدالة، بل يجب أيضاً أن يُنظر إليها وهي تتحقّق”.

لجأ مئات الآلاف من السوريين إلى ألمانيا، لكن القليل منهم حضر الجلسات في كوبلنتس أو حتى يعرف ما يحدث هناك. واختار المدعي العام الاتحادي الألماني إقامة الدعوى في المحكمة الإقليمية على الأرجح لتجنب القضايا المتراكمة في أماكن أخرى مثل برلين، حيث يوجد عدد كبير من السوريين. لكن النتيجة كانت حرمان العديد من السوريين من فرصة رؤية العدالة تأخذ مجراها. وعندما جاؤوا لحضور الجلسات، لم يُسمح لهم بالحصول على ترجمة للغة العربية، التي كانت تتم لصالح المدّعى عليهما والمدّعين. وتم أيضاً الانتقاص من فرصة التعلّم من هذه المحاكمة التاريخية عندما تم رفض مقترح لتسجيل الصوت في الجلسات للاستخدام الأكاديمي في وقت لاحق. وهناك جهود جارية لمراقبة المحاكمة على شكل ملاحظات مفصّلة. ونشر مشاركون آخرون ملخّصات قصيرة لأحداث مهمة ومدوّنات صوتية (بودكاست) مواضيعية. ولكن لا يوجد محضر رسمي للجلسات متاح للجمهور. وإن هذه فرص كبيرة ضائعة.

كما يمكن وصف نهج المحكمة في حماية الشهود بأنه نهج أخرق. ففي عدة مناسبات، تردّد الشهود في الكلام وعبّروا عن مخاوفهم على سلامة أفراد العائلة الذين يعيشون في سوريا وتركيا وحتى في أوروبا. وكان من الواضح أن المحكمة لم تتلقّ إخطاراً مسبقاً بهذه المخاوف وتم التعاطي مع هذه المسائل عند ظهورها في المحكمة. وعلى الرغم من أن القانون الألماني يسمح بمجموعة من تدابير الحماية، إلا أن المحكمة قصرت هذه الإجراءات على السماح للشهود بإخفاء معلومات التعريف الشخصية الخاصة بهم عن الجمهور و/أو ارتداء قناع أثناء الإدلاء بشهادتهم. وتم منح بعض الشهود هذه الحماية داخل المحكمة فقط، وعند الخروج من قاعة المحكمة كانوا يكشفون القناع عن وجوههم ويكشفون أسماء الشهود المحميين الآخرين. وفي ضوء المخاطر الكبيرة التي يواجهها العديد من الشهود وعائلاتهم، ينبغي اتباع نهج أكثر صرامة لحماية الشهود من قبل المحاكم التي تنعقد فيها محاكمات تحت بند الولاية القضائية العالمية. ويعمل في المحاكم الدولية مختصون مسؤولون عن شؤون حماية الشهود ويمكن أن تستفيد وحدات جرائم الحرب الوطنية من هذه الخبرة.

وأصيب الجمهور السوري بالحيرة من قرار اتهام إياد الغريب رغم رتبته المتدنية وحقيقة انشقاقه عن النظام، ناهيك عن تعاونه الواضح مع السلطات في التحقيق مع أنور رسلان. وأدلى شهود آخرون بنفس القدر من المسؤولية أو بمسؤولية أكبر في المحاكمة ولم توجّه إليهم الاتهامات من قبل المدّعي العام. وقد أدّى ذلك إلى حدوث ارتباك فيما يتعلق بسياسة المدعي العام الاتحادي الألماني، مما دفع محامي إياد إلى التساؤل عن المعايير المستخدمة لإقامة دعوى جنائية في ألمانيا. كما ساهم ذلك في إحجام شهود مطّلعين عن التعاون مع المحققين والمدّعين العامين. ومن المحتمل أن يخلق هذا عقبات أمام رفع دعاوى ضد كبار القادة ويطرح السؤال حول مَن يجب أن يُقاضى مِن ملايين السوريين الذين لديهم صلة ما بالحكومة السورية. وسيكون هذا تحدياً كبيراً في الوقت الذي يتعاطى فيه السوريون مع تبعات نزاع دام عشر سنوات ويشقّون طريقاً للمضيّ قُدماً يتضمّن عدالة شاملة وإمكانية التوصّل إلى مصالحة.

الخلاصة

ما زالت محاكمة إياد الغريب وأنور رسلان تُعتبر علامة فارقة في طريق العدالة السورية. وينبغي الاحتفاء بها مع الاعتراف بأن محكمة دولية هي المكان الأكثر ملاءمة لمحاكمة كبار قادة الحكومة السورية. ونظراً لأن المحاكمات التي تجري تحت بند الولاية القضائية العالمية لا تزال في الصدارة، فإن المحاكمة في كوبلنتس تُعلّم دروساً مهمة حول كيفية إجراء مثل هذه الدعاوى، بما في ذلك التوعية الكافية للجمهور، وشمول الضحايا بشكل هادف، وسياسات واضحة بشأن اختيار الشهود مقابل المتهمين. ومع تقدّم المزيد من التحقيقات الهيكلية في دول أوروبية أخرى، مثل السويد وفرنسا، ينبغي لوحدات جرائم الحرب في هذه الدول، أن تستفيد من أكبر قدر ممكن من هذه الدروس من خلال الجهود التي تبذلها في سياق العدالة.

 

لمزيد من المعلومات أو لتقديم ردود الأفعال والملاحظات، يُرجى التواصل مع المركز السوري للعدالة والمساءلة على [email protected] ومتابعتنا على الفيسبوك وتويتر. ويرجى الاشتراك في النشرة الإخبارية الصادرة عن المركز السوري للحصول على تحديثات حول عملنا.

رد

أضف تعليق

(إلزامي)