كيف فشل الفيسبوك في سوريا

كيف فشل الفيسبوك في سوريا

(c) عدسة شاب حمصي

في تشرين الأول/أكتوبر 2020، في أعقاب قطع رأس المدرّس الفرنسي صامويل باتي، توجّه مستخدم سوري إلى فيسبوك للإشادة بجريمة القتل الوحشية. وبعد أن أبلغ موظفو المركز السوري للعدالة والمساءلة عن المنشور، قامت تقنية الفيسبوك بتقييم ما إذا كان “يتعارض مع معايير مجتمعنا” وأبلغتنا أنها لم تفعل ذلك. وإن المنشور، والعنف الذي سعى إلى التحريض عليه، لا يزال منشورا للعيان حتى يومنا هذا. وقبل عام واحد، قرّر الفيسبوك إزالة المنشورات التي تدين قطع رؤوس نشطاء حقوق الإنسان في سوريا من قبل داعش. واعتبر الفيسبوك (أو بالأحرى خوارزمياته) بأن ذلك ينتهك معايير المجتمع على الرغم من أن المنشور كان يهدف بوضوح إلى تسليط الضوء على محنة ضحايا جرائم القتل هذه. وعلى الرغم من النبرة المعقولة والمدروسة التي وجهتها رسائل الفيسبوك الآلية لنا، إلا أن المحاولات اللاحقة لاستئناف هذا القرار المحيّر لدى المشرفين من البشر لم تلق آذاناً صاغية.

وفي الوقت الذي يدرس فيه الكونغرس إصدار قوانين جديدة تنظم شركات وسائل التواصل الاجتماعي. بدأ مجلس الرقابة المكون من 40 شخصاً، في حل النزاعات، وينبغي أن تحتل التجربة السورية مكانة بارزة في النقاش. ويوضّح هذا كيف أن الإشراف على محتوى الفيسبوك – العملية التي يقرر من خلالها الاحتفاظ بالمشاركات أو استبعادها – معيب بشدة. وإن الفيسبوك يمكّن بشكل منهجي خطاب الكراهية والقمع دون إعطاء مصداقية كافية لمتخصصين بشريين موثوق بهم.

وبينما كانت هذه التكنولوجيا تبشر بالخير ذات يوم، أصبح سجل الفيسبوك في سوريا مقلقاً. في بداية النزاع في عام 2011، ساعد الفيسبوك منظمي حركات الاحتجاج المدنية على تنسيق العمل وتوثيق القمع الحكومي. وساعد الفيسبوك أيضاً في تأمين حسابات المتظاهرين السوريين عند إبلاغه باعتقال نشطاء، وذلك لمنع السلطات المحلية من الوصول إلى بياناتهم بالقوة. ومن ناحية أخرى، فقد يسّر حملات تضليل إعلامي واسعة نسقتها الحكومتان السورية والروسية لنزع الشرعية عن المعارضة السياسية. وكانت استجابة الفيسبوك لمثل هذه الانتهاكات لمنصته في سوريا بطيئة ومتعثرة بشكل خطير. ويمكن أن يُعزى هذا إلى التردد العام لشركات الإعلام الأمريكية مثل الفيسبوك في تنظيم المحتوى بذريعة “حرية التعبير”، فضلاً عن الضرورة المالية لتوليد إيرادات الإعلانات من خلال الترويج للمحتوى سريع الانتشار، والذي يكون متطرفاً في كثير من الأحيان، والذي يحافظ على انتباه المستخدم.

وبعد أن أصبح دور الفيسبوك في إشعال فتيل الإبادة الجماعية للروهينجا في ميانمار ونشر معلومات مضللة فيما يتعلق بالانتخابات الرئاسية الأمريكية لعام 2016 مكشوفاً للعلن، أشار الفيسبوك إلى وجود اهتمام أكبر بالتخفيف من الضرر. على سبيل المثال، بدأ في إزالة المحتوى الذي يحرّض على العنف والتمييز بشكل استباقي. ويخصص الفيسبوك الآن موارد كبيرة لتنظيم المحتوى في أماكن مثل ألمانيا، حيث دفع لأكثر من ألف من مشرفي المحتوى. غير أن اهتمام الفيسبوك بالمحتوى من الشرق الأوسط بشكل عام، وسوريا على وجه التحديد، كان محدوداً وغير متسق. وعقد الفيسبوك مائدة مستديرة في بيروت في عام 2019 مع ممثلين عن منظمات المجتمع المدني المحلية، لتنظيم شبكة إقليمية لما يسمى بالشركاء الموثوق بهم. وبموجب برنامج الشركاء الموثوق بهم، يمكن للنشطاء والمنظمات غير الحكومية تجاوز البروتوكولات العادية للإبلاغ عن محتوى خطير وتنبيه مدراء الفيسبوك على الفور. ولسوء الحظ، لم يتحقق سوى القليل من اجتماع 2019 ويفتقر الدعم المالي الدوري من الفيسبوك للشركاء الموثوق بهم الإقليميين إلى خطة متماسكة طويلة الأجل. كما أنه ليس من الواضح أن المحتوى الذي يتم الإبلاغ عنه بواسطة الشركاء الموثوق بهم يتم التعامل معه بشكل منهجي.

في سوريا، كان الإشراف على الفيسبوك ضاراً للغاية، ويعود ذلك إلى حدٍ كبير لأنه يعطي الأولوية للمعادلات الخوارزمية على التفسير البشري الاستباقي. وكما اكتشف موظفو المركز السوري للعدالة والمساءلة بشكل شخصي، فإن خوارزميات فيسبوك المصممة لحجب خطاب الكراهية من الجماعات المتشددة والمتعاطفين قد قامت بإزالة منشورات الشركاء الموثوق بهم السوريين. وغالباً ما تبقى المحاولات اللاحقة لاستئناف هذه القرارات دون إجابة بينما يستمر المحتوى العنيف المعني في الانتشار من خلال المنصة وخارجها. وبدلاً من ذلك، روّجت هذه الخوارزميات نفسها وأنتجت تلقائياً محتوى متطرفا سريع الانتشار داخل سوريا ومتعلقاً بها.

سمح نظام الإبلاغ عن المحتوى منذ فترة طويلة للمستخدمين الموالين للأسد بالضغط بنجاح لإزالة المحتوى المنشور من قبل أعضاء المعارضة السياسية. حيث يبلّغ هؤلاء المستخدمون عن المحتوى باعتباره يتضمن “صوراً ومقاطع فيديو مؤذية أو صادمة” وذلك لمنع توثيق جرائم الحرب التي ارتكبتها الحكومة السورية. وقد أدّى ذلك إلى حظر العديد من حسابات المعارضة فوراً بواسطة الفيسبوك. وفي الآونة الأخيرة، لجأت القوات الموالية للحكومة إلى قانون حقوق النشر كوسيلة لقمع المحتوى المناهض للحكومة. في الصيف الماضي، اضطر الفيسبوك إلى إزالة المنشورات التي تتناول بالتفصيل الاحتجاجات المناهضة للحكومة في السويداء بحجة انتهاكها لحقوق النشر الرقمية لشركة إعلامية موالية للأسد. ومن الصعب تصور كيف سيفيد مجلس الرقابة على فيسبوك، الذي تم تفعيله حديثاً، المتظاهرين في السويداء وأماكن أخرى، وكثير منهم لا يدركون كيف يمكنهم استئناف قرار حذف منشوراتهم. وما سيزيد محنتهم أن الممثلة الوحيدة للشرق الأوسط بين أعضاء المجلس ليست خبيرة في الإشراف على المحتوى ولا في الحقوق الرقمية.

وينبغي أن يعمل قانون حقوق الإنسان والتشاور مع متخصصين في سوريا على ترسيخ استجابة الفيسبوك لهذه المشاكل. ووفقاً لخبراء الأمم المتحدة، فإن حرية التعبير والالتزام بعدم التمييز يعزز كل منهما الآخر ويجب أن تدعمهما الشركات والدول على حد سواء بطريقة متوازنة. وإن هذا هو الحال بشكل خاص عندما يتعلق الأمر بشركة مثل الفيسبوك، والتي باتت تشكل فعلياً المساحة الرئيسية للنقاش العام لأشخاص يعيشون في ظل حكومات معادية لوسائل الإعلام المستقلة، كما هو الحال في سوريا. لذلك، فإن الفيسبوك ملزم بحماية حرية مستخدميه في التعبير، وحريتهم من المعلومات المضللة والعنيفة. وعلى الرغم من أن تركيز مجلس الرقابة على حقوق الإنسان قد نال بعض الثناء من مجموعات الحقوق المدنية، إلا أن النقاد في الأمم المتحدة وأماكن أخرى أشاروا إلى فهم المجلس المحدود لخطاب الكراهية وأشاروا إلى أن المجلس سيراجع فقط القرارات المتعلقة بالمحتوى الذي حذفه الفيسبوك. ولن ينظر المجلس في المحتوى الذي يتم الاحتفاظ به عن طريق الخطأ على الموقع.

لذلك، من الأهمية بمكان أن يُشرك الفيسبوك المنظمات الحقوقية والناشطين الإعلاميين في كل مرحلة من مراحل الإشراف على المحتوى فيما يتعلق بسوريا، حيث أنهم أدرى بتوضيح السياق الاجتماعي للمحتوى الحساس سياسياً، وتحديد السياق الذي تهدد فيه أفعال تعبير معينة مجتمعات معينة، وتسليط الضوء على المحتوى ذي الصلة بعمليات العدالة في سوريا والذي ينبغي الحفاظ عليه. ولا تُعدّ خوارزميات الفيسبوك بديلاً عن هذا المزيج من الخبرات والاهتمام بالفئات الأكثر ضعفاً. وسيتطلب اعتماد نهج شامل للإشراف على المحتوى جهوداً مؤسسية متضافرة والتزامات مالية إضافية. ولكن لا يمكن للفيسبوك أن يتجنب مسؤوليته في تنفيذ نظام إشراف يحترم حقوق الإنسان احتراماً كاملاً من خلال تفويض المسؤولية إلى مجلس رقابة ذي صلاحيات محدودة.

وإذا لم يلتزم الفيسبوك بإجراء إصلاحات، فستصبح الدعوات إلى التنظيم الحكومي أو العقوبات المالية أو الدعاوى القضائية المدنية والجنائية أكثر جاذبية.

للمزيد من المعلومات أو لتقديم ردود الأفعال والآراء، يرجى إدراج تعليقك في قسم التعليقات أدناه، أو التواصل مع المركز السوري للعدالة والمساءلة على [email protected]. كما يمكنكم متابعتنا على فايسبوك و تويتر. اشترك في نشرتنا الأسبوعية ليصلك تحديثات عن عمل المركز.

رد

أضف تعليق

(إلزامي)