“أجبروني على فعل هذا” – الدفع بالإكراه والضرورة

“أجبروني على فعل هذا” – الدفع بالإكراه والضرورة

رسم: Rachel Ma

 

كانت لحظة مهمة في  محاكمة أنور رسلان وإياد الغريب في 18 أيار/مايو عندما تلا محامي الدفاع (محامي رسلان) إفادة أنور أمام المحكمة. حيث كان لدى الضحايا السوريين في المحكمة فضول لفهم كيفية رد أنور رسلان و إياد الغريب المتهمان بارتكاب مثل هذه الجرائم الخطيرة على التهم الموجهة إليهم. وقال أحدهم، “اعتقدت بأنني سأواجه صعوبة في سماع وجهة نظرهما؛ لا استطيع تخيل ما سيقولاه” (@ 12:30). وقد أنكر أنور جميع التهم الموجهة اليه، وذكر أنه لم يضرب أو يعذب أي شخص، كما انه لم يأمر بتعذيب أي شخص. بينما التزم إياد الصمت.

وبعد ذلك، أدلى مسؤولون في الحكومة والشرطة الألمانية بشهادتهم حول الإفادات والأقوال التي تم الإدلاء بها أثناء استجوابهم لإياد. ووفقاً لأحد مفتشي الشرطة، فقد اعترف المتهم إياد بأن أجهزة المخابرات السورية قد ارتكبت بشكل دائم جرائم ضد الإنسانية وذكر أنه إذا اشتُبه بعدم ولاء شخص في الفرع 251، فيتم نقله إلى الفرع 295، “حيث كان من الأسهل التخلص منه أو قتله”.  وبعبارة أخرى، لم يكن لديه خيار سوى اتباع هذه الأوامر.

يُدعى هذا النوع من الدفوع بالدفع بالإكراه أو بالضرورة، ويعتمد الأمر على القانون الألماني فيما إذا كان هذا الدفع سيؤدي إلى البراءة أم لا، على الرغم من أن الأفعال المزعومة وقعت في سوريا.

الدفوع في القانون الألماني

تنقسم الدفوع في القانون الألماني إلى فئتين: التبرير والعذر. حيث أن الدفع بالتبرير يعفي الجاني (مرتكب الفعل) من تحمل المسؤولية الجنائية على الرغم من أنه ارتكب الفعل الإجرامي. ويُعتبر الفعل مشروعاً إذا تصرّف المتهم على أساس معايير تُجيز ذلك أو تكون مقبولة اجتماعياً. على سبيل المثال، يمكن اعتبار قتل شخص آخر لإنقاذ حياتك “مبرراً” حسب الظروف.

ومن ناحية أخرى، فإن الأعذار لا تجعل الفعل مشروعاً، وإنما تجعل الجاني غير مذنب. فلا يُلام الفاعل لارتكابه خطأ إجرامي عندما لا يدرك عدم مشروعية سلوكه. على سبيل المثال، لن يُعتبر قيام شخص مجنون بقتل شخص آخر “مبرراً”، ولكن يمكن اعتباره “معذوراً” لأنه لم يتمكن من إدراك عدم مشروعية ما فعله بسبب حالته العقلية/النفسية.

الدفع بالضرورة

الضرورة هي دفع تقليدي يستند على فكرة مفادها أنه يمكن لأي شخص أن يتحمل تعدٍ ما على حقوقه من قبل الآخرين إذا كان ذلك ضرورياً لتفادي ضرر أكبر قد يلحق بهم. وبالتالي، تعتبر الضرورة بمثابة تبرير، الأمر الذي ينفي وجود فعل غير مشروع.

إذ تنص المادة 34 من القانون الجنائي الألماني (StGb) بهذا الدفع:

إذا ارتكب شخص فعلا، وهو يواجه خطراً وشيكاً على حياته أو على عضو من أعضاء جسمه أو على حريته أو شرفه أو ممتلكاته أو مصلحة قانونية أخرى ولا يمكن تفاديه أو درء الخطر بطريقة أخرى، عن نفسه أو عن (شخص) آخر، فلا يعتبر تصرفه غير قانوني، إذا كانت المصلحة التي يحميها تفوق بشكل كبير المصلحة القانونية المتأثرة عند مقارنة المصالح المتضاربة، ولاسيما المصالح القانونية المتأثرة ودرجة الخطر التي يواجها، وإن المصلحة المحمية تفوق بشكل جوهري المصلحة التي تدخل فيها. ولا يسري ذلك إلا إذا كان الفعل قد ارتكب بوسائل كافية لدرء الخطر.

وفيما يلي العناصر الرئيسية لإثبات هذا الدفع: (1) حالة الضرورة، حيث يوجد خطر وشيك على مصلحة قانونية ما (يمكن أن يكون الخطر من صنع الإنسان أو كارثة طبيعية)؛ (2) إجراء دفاعي ضروري حيث يجب على مرتكب الفعل استخدام الوسيلة الأقل شدة (فعالة) لدرء الخطر؛ (3) اختبار التناسب حيث لا يوجد ما يبرر الفعل إلا إذا كانت المصلحة المحمية تفوق بشكل كبير تلك التي تدخل فيها.

وبموجب النظام القانوني الألماني، فإن جميع الأرواح متساوية في القيمة، ولا تتفضل حياة على أخرى. لذلك، لا يمكن تحقيق موازنة حياة إزاء حياة اخرى – سواء كان ذلك كمّاً (حياة واحدة إزاء المئات) أو نوعاً (حياة رجل عجوز ضعيف ضد حياة طفل حديث الولادة). وبالتالي، لا يمكن أبداً تبرير قتل الأبرياء بالدفع بالضرورة.

الدفع بالإكراه

بالمقارنة مع الدفع بالضرورة، فإن الدفع بالإكراه له نطاق محدود للغاية. وفي حين أن الضرورة تحمي مجموعة أوسع من المصالح المحمية، فإن الإكراه لا يحمي سوى الحياة وأعضاء الجسم والحرية.

تنص المادة 35(1) من القانون الجنائي لألماني (StGb) لتبرير الإكراه على ما يلي:

إذا ارتكب شخص فعلاً غير قانوني لدرء الخطر عن نفسه، أو عن قريبه أو عن شخص مقرّب منه وهو يواجه خطراً وشيكاً على حياته أو على عضو من أعضاء جسمه أو على حريته وحيث أنه لم يتمكن من تفاديه بطريقة أخرى، فإنه يعتبر غير مذنب.

ليكون المرء مؤهلاً لهذا الدفع، يجب أن يواجه المتهم (1) خطراً وشيكاً على حياته أو على أعضاء جسمه أو على حريته لا يمكن تفاديه بشكل أخر (2) يجب أن يستهدف هذا الخطر مرتكب الفعل أو شخصاً مقرّباً منه، لأنه حينها فقط يصبح ارتكاب خطأ قانوني مبرراً ومقبولاً اجتماعياً (الخطر الذي يهدّد الملكية لا يعتبر خطر وشيك). وإذا استوفيت هذه الشروط، فإن القسم 35(1) من القانون الجنائي الألماني يعفي مرتكب الفعل من المسؤولية الجنائية، شريطة أن يكون السلوك الذي قام به ضرورياً لدرء الخطر.

وعلى عكس الضرورة، فإن الدفع بالإكراه يجعل مرتكب الفعل غير ملوم أو مذنب فقط، ولكن لا ينفي عدم مشروعية الفعل، وبالتالي، لا يتطلب الموازنة بين المصالح المتأثرة – أي، مصالح مرتكب الفعل مقارنة بالفعل غير المشروع (الجريمة) التي ارتكبها. وبالتالي، بموجب الإكراه، يمكن لشخص أن يقتل العديد من الأبرياء لإنقاذ حياته.

الدفوع في القانون السوري

إذا افترضنا أن المتهمين أنور وإياد يواجهان محاكمة بموجب القانون السوري، فسيكون لديهما دفوع الإكراه والضرورة على نحو مماثل، وفقاً للمادتين 226 و228 من قانون العقوبات السوري. حيث ينطوي الإكراه بموجب قانون العقوبات السوري على قوة مادية أو معنوية تجعل الشخص يلجأ إلى قول شيء أو فعله دون قصد. وتُعتبر النية الإجرامية للمتهم العامل الأكثر أهمية في تقييم الإكراه. ومع ذلك، بموجب المادة 227 (1)، إذا كان المتهمان رسلان والغريب قد تورطوا في عمليات التعذيب على أساس الخوف الذاتي. بدون تهديد أو إكراه حقيقي، فلن يستفيدوا من هذا الدفاع”.

هل سيدّعي أنور أو إياد بأنهما تعرضا لإكراه؟

لقد أثير الدفع بالإكراه في محاكمات أخرى لجرائم الحرب، لاسيما في الحالات التي يتبع المتهم فيها إدارياً لقادة أعلى منه رتبة في التسلسل الهرمي. على سبيل المثال، قَتل درازين إرديموفيتش، وهو جندي عادي، العديد من الضحايا في مذبحة سربرنيتسا في يوغوسلافيا السابقة لكنه ادّعى أنه فعل ذلك فقط لأن حياته وحياة عائلته كانت مهددة من قبل رؤسائه، وبالتالي تم التذرّع بالدفع بالإكراه. وعلى الرغم من أنه أدين بارتكاب الجرائم، فقد حُكِم عليه بالسجن لفترة مخفضة.

ومن بين الاثنين المتهمين في هذه المحاكمة، من المرجح أن يتذرّع إياد بأنه تعرض للإكراه. وسيكون السؤال حينها ما إذا كان هناك “خطر وشيك على حياته أو على أعضاء جسمه أو على حريته” وما إذا كان من الضروري بالنسبة له أن يقوم بالتعذيب والقتل في الفرع 251 من أجل درء الخطر عن نفسه. وإذا كان بإمكان المتّهم أن يتخذ خياراً آخر حينها، فمن غير المرجح أن ينفي الإكراه سلوكه الإجرامي ومن غير المرجّح أن يؤدي إلى تبرئته.

اعتُقِل طبيب سوري في ألمانيا مؤخراً بعد اتهامه بتعذيب عدد من المعتقلين أثناء عمله سابقا في أحد المشافي العسكرية في حمص. ومن شأن الكيفية التي سيتم بها تطبيق موضوع الدفع بالإكراه في محاكمة أنور وإياد بمثابة إشارة إلى الطريقة التي سيتم بها التعامل مع مثل هذه الدفوع في محاكمات مستقبلية.

لمعرفة وقراءة المزيد حول المحاكمة الجارية، راجع تحديثات مراقبة المحاكمة للمركز السوري للعدالة والمساءلة.

لمزيد من المعلومات والقراءة حول القانون الألماني بشأن الدفاعات، يرجى الدخول هنا

للمزيد من المعلومات أو لتقديم ردود الأفعال والآراء، يرجى إدراج تعليقك في قسم التعليقات أدناه، أو التواصل مع المركز السوري للعدالة والمساءلة على [email protected]. كما يمكنكم متابعتنا على فايسبوك و تويتر. اشترك في نشرتنا الأسبوعية ليصلك تحديثات عن عمل المركز.

رد

أضف تعليق

(إلزامي)