ميانمار في محكمة العدل الدولية – هل ستكون سوريا التالية؟

ميانمار في محكمة العدل الدولية – هل ستكون سوريا التالية؟

(c) United Nations

تعرّض المجتمع الدولي لانتقادات شديدة لفشله في الاستجابة بشكل مناسب لمحنة الروهينجا، المسلمين الذين تعرضوا لحملة سوء المعاملة في ميانمار. ولكن، في الشهر الماضي، حدث تطوران مهمان. أولاً، رفعت غامبيا دعوى قضائية ضد ميانمار لدى محكمة العدل الدولية، وقد حضرت أونغ سان سو تشي مستشارة ميانمار (يعادل رئيس الوزراء)  جلسات الاستماع في لاهاي هذا الأسبوع. ثانياً، في 14 تشرين الثاني/نوفمبر، أذنت المحكمة الجنائية الدولية بإجراء تحقيق في الجرائم المزعومة ضد الإنسانية التي ارتكبتها حكومة ميانمار، ولاسيما ترحيل ما بين 600,000 ومليون من الروهينجا إلى بنغلاديش المجاورة منذ عام 2016. ورغم أن ميانمار ليست دولة طرفاً، أكدت المحكمة الجنائية الدولية ولايتها على أساس جديد مفاده بأن الروهينجا فروا إلى بنغلاديش وهي دولة طرف.

وتطرح كل من التطورات القانونية في محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية فيما يتعلق بميانمار إمكانيات مهمة بشأن بالسعي لتحقيق العدالة والمساءلة في سوريا.

غامبيا ضد ميانمار في محكمة العدل الدولية

في 11 تشرين الثاني/نوفمبر، تقدّمت غامبيا، بدعم من منظمة التعاون الإسلامي، بدعوى ضد ميانمار إلى محكمة العدل الدولية، وهي محكمة دولية تأسست بعد الحرب العالمية الثانية للفصل في النزاعات بين الدول. وعلى الرغم من أنها لم تتأثر بشكل مباشر بسياسات ميانمار فيما يتعلق بالروهينجا، إلا أنه بإمكان غامبيا أن ترفع هذه القضية لأنها – كما هو حال ميانمار – دولة طرف في اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية التي تنص على أنه يجوز لأي دولة طرف أن تعرض نزاعاً على محكمة العدل الدولية نتيجة لأي انتهاكات لهذه الاتفاقية.

وطلبت غامبيا من محكمة العدل الدولية أن تجد بأن ميانمار قد انتهكت التزاماتها بموجب الاتفاقية وأن تأمر ميانمار بضمان معاقبة الأشخاص المسؤولين عن ارتكاب الإبادة الجماعية من قبل محكمة مختصة. كما طلبت من المحكمة مطالبة ميانمار بالسماح بالعودة الآمنة والكريمة للروهينجا النازحين قسراً، واحترام المواطنة الكاملة وحقوق الإنسان لشعب الروهينجا، وحماية أفراد المجموعة من التمييز والاضطهاد وغير ذلك من الأفعال ذات الصلة.

في 10 كانون الأول/ديسمبر، عُقدت جلسة استماع حول الإجراءات المؤقتة على مدار ثلاثة أيام في قصر السلام في لاهاي. وتعتبر الإجراءات المؤقتة التي أمرت بها محكمة العدل الدولية ملزمة قانوناً لأطراف القرار بموجب ميثاق الأمم المتحدة. ولكن بالنظر إلى أن ميانمار لم تُفلح في تغيير سياستها فيما يتعلق بالروهينجا في مواجهة انتقادات واسعة النطاق من جانب منظمات حقوق الإنسان والدعوات لفرض عقوبات اقتصادية، فمن غير المرجح أن تمتثل ميانمار للتدابير المؤقتة التي أمرت بها محكمة العدل الدولية. وفي حال حدوث ذلك، سيُحال الأمر إلى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة للتنفيذ. ونتذكّر بأن مجلس الأمن الدولي فشل في اتخاذ إجراءات بشأن ميانمار، حيث استخدمت الصين وروسيا حق النقض مراراً وتكراراً ضد الإحالة من مجلس الأمن إلى المحكمة الجنائية الدولية وحجبتا تصريحات تعرب عن القلق. وإذا لم تُفلح ميانمار في الامتثال للتدابير المؤقتة، فمن غير المرجح أن يتخذ مجلس الأمن الخطوات السياسية اللازمة لضمان الامتثال. ومع ذلك، إذا فرضت محكمة العدل الدولية تدابير مؤقتة، فسيكون ذلك تدبيراً رمزياً مهماً ويمكن أن يبني زخماً في تحقيق المحكمة الجنائية الدولية بشأن وضع ميانمار.

سيحرص مراقبو الوضع في سوريا على عقد مقارنات بين ميانمار وسوريا. وبما أن سوريا قد صادقت على اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية في حزيران/يونيو 1955، قد تكون دول أطراف أخرى (مثل هولندا أو ألمانيا أو حتى الولايات المتحدة) على استعداد لرفع دعوى لدى محكمة العدل الدولية (مما يدعم بشكل فعال الضحايا السوريين). على سبيل المثال، كُرّس اهتمام دولي كبير للعنف الذي استهدف اليزيديين، وهم أقلية عرقية دينية، الأمر الذي يحتمل أن يرقى إلى جريمة إبادة جماعية.

ينبغي الاعتراف بأن أي محاولة لإحالة سوريا إلى محكمة العدل الدولية ستواجه على الأرجح عقبات كبيرة في تأمين الامتثال للتدابير المؤقتة لأن روسيا تعارض أي تحرك ضد الحكومة السورية ويمكن أن تعيق اتخاذ أي إجراء من قبل مجلس الأمن الدولي. وبالإضافة إلى ذلك، من غير المؤكد ما إذا كانت محكمة العدل الدولية ستنظر في الجرائم التي ارتكبها تنظيم داعش ضمن ولايتها القضائية (وفقاً لطلب حل النزاعات بين الدول) بالنظر إلى أن تنظيم داعش ليس دولة. ومن ناحية أخرى، فإن الحكومة السورية نفسها ملزمة بموجب اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها، وقد يكون فشل التزامها بذلك أساساً لولاية محكمة العدل الدولية. وبالإضافة إلى ذلك، يمكن أن تقدّم دولة طرف أخرى دعوى إلى محكمة العدل الدولية لاتخاذ تدابير مؤقتة ضد الحكومة السورية بالإشارة إلى اتفاقية مناهضة التعذيب، التي صادقت عليها سوريا في عام 2004. وبموجب المادة 30 من اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب، يمكن لدولة طرف أن تزعم انتهاك الاتفاقية من قبل الحكومة السورية والسعي للحصول على قرار من محكمة العدل الدولية. ومن خلال الاحتجاج بكل من اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية واتفاقية مناهضة التعذيب، قد يتم تقديم مجموعة أوسع من الأعمال الإجرامية في سوريا أمام محكمة العدل الدولية، مما يوفّر أحد تدابير العدالة لمجموعة تمثيلية من الضحايا.

تحقيق المحكمة الجنائية الدولية في بنغلاديش/ميانمار

إن قرار المحكمة الجنائية الدولية الأخير المتعلق بميانمار له صلة أيضاً بالوضع في سوريا ويضع عدداً من الاحتمالات. وفقاً لقرار الغرفة التمهيدية في حالة ميانمار، تتمتّع المحكمة بولاية قضائية “حيث تم ارتكاب عنصر قانوني واحد على الأقل من عناصر الجريمة ضمن ولاية المحكمة أو جزء من هذه الجريمة إرتكب في إقليم دولة طرف”. لذلك، على الرغم من أن ميانمار ليست دولة طرفاً في النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، فإن للمحكمة الجنائية الدولية ولاية قضائية على جريمة الترحيل إلى بنغلاديش لأن الأخيرة هي دولة طرف تم فيها اكمال الجريمة. ورأت الغرفة التمهيدية أنه يمكن تطبيق نفس الأساس المنطقي على الجرائم الأخرى التي يكون فيها ركن واحد على الأقل من أركان الجريمة ضمن ولاية المحكمة. وقد يشمل ذلك جرائم الاضطهاد أو الإبادة الجماعية.

بدأ محامون دوليون في مجال حقوق الإنسان بالفعل اختبار ما إذا كان يمكن استخدام هذا القرار كسابقة لسوريا نظراً لأن الأردن المجاور صادق على نظام روما الأساسي في عام 2002. وفي آذار/مارس 2019، قدّم مكتب المحاماة الدولي (غيرنيكا 37) بلاغاً لدى المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية يحاجج فيه بأنه ينبغي للمحكمة الجنائية الدولية أن تفتح تحقيقاً في ترحيل مدنيين من سوريا إلى الأردن. كما قدّم المكتب معلومات نيابة عن 28 لاجئاً سورياً نزحوا قسراً عبر الحدود دولية من سوريا إلى الأردن.

هناك عدد من العقبات التي تحول دون فتح تحقيق في المحكمة الجنائية الدولية بشأن النزاع السوري وملاحقته بنجاح. وكما ذكر في موضع آخر، لإدانة أحد أعضاء الحكومة السورية بجريمة الترحيل، يتعين على الادعاء العام إثبات أنه إما (1) قَصَد تهجير المدنيين قسراً إلى الأردن، أو (2) أنه كان على علم بأن التهجير القسري سيُفضي بشكل طبيعي إلى قيام المدنيين بعبور حدود دولية ويجب أن يكون على يقين بذلك. وفي حال لم يتمكن الادعاء من إثبات قصد الحكومة السورية في تهجير المدنيين قسراً عبر حدود دولية، فستكون الجريمة هي النقل القسري للمدنيين (داخل سوريا) بدلاً من ترحيلهم (إلى الأردن)، وبالتالي لن يندرج ذلك ضمن الولاية القضائية للمحكمة الجنائية الدولية نظراً لعدم وقوع أي ركن من أركان الجريمة في الأردن. وحتى لو أذِن بإجراء تحقيق على هذا الأساس، فسوف يقتصر على الجرائم ذات الصلة بالأردن وبالتالي لا يمكن أن يشمل التعذيب والقتل وغيره من الانتهاكات التي تحدث داخل سوريا حصراً.

وهناك مسألة أخرى تتعلق باستعداد الأردن للتعاون مع تحقيق قد تجريه المحكمة الجنائية الدولية. فقد يُحجم الأردن عن إجراء تدقيق قانوني في عمليات الترحيل من سوريا إلى الأردن، إذ أن ذلك سوف يسلّط الضوء على معاملة الأخير للاجئين السوريين. بحسب توثيقات منظمات حقوق الإنسان، يُعيد الأردن مئات السوريين إلى سوريا دون سابق إنذار في انتهاك لمبدأ عدم الإعادة القسرية. ويشير البعض كذلك إلى أن السلطات الأردنية ترتكب جريمة الاضطهاد، لاسيما عندما تكون هناك ادعاءات باستهداف جماعات إثنية معينة بالترحيل، مثل الفلسطينيين. لذلك، قد يقاوم الأردن التحقيق رغم التزامه بالتعاون كدولة طرف في نظام روما الأساسي. وهذا من شأنه أن يخلق عقبات كبيرة أمام إجراء تحقيق أو محاكمة ذات مغزى.

وفي الختام، يشير المساران المتوازيان لميانمار وسوريا في المحافل القانونية الدولية إلى فرص محتملة لتحقيق عدالة رمزية، وكذلك عدالة ملموسة، في كلتا الحالتين. وفي حين توجد حدود لمحكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية، يجب على الضحايا السوريين وممثليهم استكشاف كل خيار ممكن في السعي لتحقيق العدالة. وفي حال نجحت جهود المساءلة عن الجرائم ضد الروهينجا في محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية، فقد يكون ذلك بمثابة فسحة أمل للضحايا السوريين أيضاً.

للمزيد من المعلومات أو لتقديم ردود الأفعال والآراء، يرجى إدراج تعليقك في قسم التعليقات أدناه، أو التواصل مع المركز السوري للعدالة والمساءلة على [email protected]. كما يمكنكم متابعتنا على فايسبوك و تويتر.

رد

أضف تعليق

(إلزامي)