دروس لسوريا من هيئة الحقيقة والكرامة في تونس

دروس لسوريا من هيئة الحقيقة والكرامة في تونس

سهام بن سدرين في تونس, 2012

 

منذ الإطاحة بحكومة زين العابدين بن علي في عام 2011، شرعت تونس في عملية طويلة للمصالحة والعدالة الانتقالية. وفي الأسبوع الماضي، بعد مرور 8 سنوات على اندلاع الاحتجاجات في شوارع تونس، احتفل التونسيون بأحد المنجزات البارزة في هذا الجهد بإصدار التقرير الختامي الشامل لهيئة الحقيقة والكرامة. ويوثّق هذا التقرير، الذي وُصف بأنه “أرشيف مكون من ألفي صفحة من التعذيب وانتهاكات حقوق الإنسان”، الجرائم المرتكبة في إطار حكومتي بن علي وبورقيبة ويقدّم توصيات لضمان عدم تكرارها في المستقبل.

ويوضّح عمل هيئة الحقيقة والكرامة، الذي يُعتبر جهداً ضخماً في إطار الحقيقة والذاكرة، كيف يمكن الكشف عن جرائم الأنظمة الاستبدادية علناً حتى بعد عقود من وقوعها. ولا يمثّل صدور التقرير الختامي خطوة مهمة نحو تحقيق العدالة لتونس فحسب، بل يقدّم دروساً مهمة لسوريا أيضاً. حيث استخلص المركز السوري للعدالة والمساءلة أربعة دروس أساسية من السنوات الست الماضية لهيئة الحقيقة والكرامة التونسية، والتي قد تكون مفيدة في توجيه عملية مماثلة في سوريا في المستقبل.

  1. من أجل النجاح، يجب أن تشارك هيئة الحقيقة عن كثب مع مجموعات المجتمع المدني. طوال فترة وجودها، تعرّضت هيئة الحقيقة والكرامة لهجوم مستمر من قبل سياسيين وبعض وسائل الإعلام، مما أعاق عملها بشكل كبير. واعتمدت الهيئة غالباً على دعم تحالف من منظمات المجتمع المدني عندما كانت تتعرض لهجوم أو تواجه صعوبات. وعندما بدأت المؤسسات الإخبارية التونسية في مقاطعة العديد من المحاكمات التي رفعتها الهيئة، على سبيل المثال، كان نشطاء حقوق الإنسان هم الذين تولوا دور حضور المحاكمات ونشرها. وعلاوة على ذلك، لعبت منظمات المجتمع المدني دوراً حاسماً في ربط الضحايا بهيئة الحقيقة ومساعدة الهيئة في دعم الضحايا. وسيظل دعم منظمات المجتمع المدني ضرورياً الآن بعد انتهاء ولاية هيئة الحقيقة والكرامة، حيث إنها ستتحمل عبء استمرار العملية. إذا وعندما تبدأ سوريا محاولتها الخاصة للحقيقة والعدالة، فيجب دمج المجتمع المدني في العملية من البداية.

 

  1. يمكن أن يكون اختيار الرئيس عاملاً رئيسياً لنجاح الهيئة. حيث أن نطاق وشدّة الهجمات السياسية ليس ضد هيئة الحقيقة والكرامة فحسب ولكن ضد رئيستها، سهام بن سدرين، يؤكد على أهمية أن يقود أي هيئة من هذا القبيل رئيس يتمتع بسمعة لا تشوبها شائبة. وعلى غرار ديزموند توتو ولجنة الحقيقة والمصالحة بجنوب إفريقيا، كان السبب الرئيسي وراء قدرة هيئة الحقيقة والكرامة على دفع الكثير من الانتقادات التي واجهتها هو قيادة بن سدرين. حيث تتمتع بن سدرين بتاريخ طويل كصحفية وناشطة في مجال حقوق الإنسان — وحتى سجينة سياسية خلال نظام بن علي — مما يمنحها هالة من الشرعية. ولولا وجودها في هذا الدور، لكان من المشكوك فيه ما إذا كانت الهيئة ستستمر لفترة كافية لإصدار تقرير ختامي. وبالتالي، يجب على الدول الأخرى التي تسعى إلى تكرار نجاح هيئة الحقيقة والكرامة أن تضمن اختيار شخص يتمتع بنفس القدر العالي من التقدير والشخصية الأخلاقية لحماية هذه الهيئة من الجهود المبذولة لعرقلة عملها.

 

  1. تُعتبر مشاركة الضحايا أمراً أساسياً، لكنهم يحتاجون إلى دعم مناسب. لقد كانت شهادات عشرات الآلاف من التونسيين هي التي مكّنت الهيئة من أداء عملها، وكانت هذه المشاركة قادرة على إتاحة فرصة شافية للضحايا ليتم سماع قصصهم وأصواتهم. غير أن هيئة الحقيقة والكرامة لم تفعل ما فيه الكفاية لدعم الضحايا المشاركين. حيث أعرب العديد من الضحايا الذين تمت مقابلتهم، على سبيل المثال، عن حسرتهم لقلة خدمات الدعم — مثل الرعاية النفسية — المقدمة خلال العملية. مع وضع ذلك في الاعتبار، من الضروري إذن أن تستمع أي عملية مماثلة يتم إعادة إنشائها في سوريا، ليس فقط إلى ما عاناه الضحايا في الماضي، بل إلى ما يحتاجون إليه في المستقبل.

 

  1. يجب أن تعمل هيئات الحقيقة على النهوض بأشكال مختلفة ومتكاملة للعدالة – بما في ذلك المصالحة. وكما أشارت علا بن نجمة، رئيسة قسم الأبحاث والتحقيق في هيئة الحقيقة والكرامة، فإن الفكرة وراء التقرير هي “البدء فعلياً في عملية المصالحة”. وفي السعي لتحقيق هذه المصالحة، لم تحدّد الهيئة نفسها بالتوصيات المتعلقة بالدعاوى الجنائية. على سبيل المثال، تدفع الهيئة تعويضات لعائلات الضحايا. وعلى الرغم من أن التقرير يشير إلى أنه تم صرف ما يقرب من 1.1 مليون دولار فقط حتى الآن، إلا أن الهيئة جمعت 250 مليون دولار من الأموال، التي من المتوقع أن تُدفع لعائلات الضحايا. وبالإضافة إلى ذلك، أصرّ التقرير النهائي على اعتذار علني للضحايا من الرئيس السبسي — الذي يشير التقرير إلى ضلوعه في ارتكاب التعذيب وغيره من الجرائم ضد الإنسانية. وكما قال رشاد جعيدان، وهو سجين سياسي سابق وأحد الناجين من التعذيب، “لكن بالنسبة لي، الأهم هو الحصول على اعتذار علني من الرئيس بصفته رأس الدولة. أحتاج إلى ذلك أكثر من تعويض مادي، أريده أن يعترف باسم الحكومة بما حدث لنا خلال تلك السنوات”. ومن مزايا هيئة الحقيقة مرونتها في التوصية بمجموعة واسعة من عمليات العدالة، بما في ذلك الاعتذارات. وينبغي لأي هيئة حقيقة سورية مستقبلية أن تبقى منفتحة بشأن أنواع العدالة التي قد تكون أكثر أهمية للضحايا السوريين.

وبعد ست سنوات، تمثل نهاية عمل هيئة الحقيقة والكرامة خطوة مهمة إلى الأمام بالنسبة لتونس. غير أن هذا لا يمثل بأي حال نهاية لعملية العدالة الانتقالية في البلد. فقد أحالت الهيئة عشرات الحالات إلى الدوائر الجنائية المتخصصة، ولا تزال عملية تحديد مخصصات جبر الضرر جارية، ولا يزال يتوجب إبلاغ نتائج التقرير النهائي بفعالية إلى عامة الشعب. وعلى الرغم من أن تونس لا يزال أمامها الكثير لتفعله، إلا أننا نستطيع أن نبدأ في النظر إلى نجاحات وإخفاقات هيئة الحقيقة والكرامة. وعند القيام بذلك، يمكن الاستفادة من دروس ماضي تونس لتوجيه عمليات العدالة الانتقالية في مستقبل سوريا.

 

 

 

رد

أضف تعليق

(إلزامي)