يخشى اللاجئون السوريون العودة إلى سوريا: روسيا تحاول إجبارهم على العودة على أي حال

مخيم كوركوسك في أربيل. الصورة من iHH

بدأت سوريا والدول الداعمة لها في الأشهر الأخيرة بتغيير سياستها وخطابها، والاستعداد لإنهاء النزاع، أو على الأقل إظهار الوضع كذلك. حيث بدأت الحكومة بنشر أسماء المعتقلين الذين قضوا في السجون الحكومية، وأقرّت تشريعات استعداداً لإعادة الإعمار، ودعت الحكومة مؤخراً إلى عودة اللاجئين. من شأن هذه العودة أن تعطي العالم انطباعا بأن سوريا تنعم بالأمان والاستقرار، وإذا ما تم تخليص أوروبا والدول المجاورة من اللاجئين السوريين، فإن ذلك يمكن أن يقلّل من الاهتمام الدولي بالنزاع، مما يسمح للحكومة بالعمل تحت قدر قليل من الضغوط. ولكن النقاشات حول عودة اللاجئين سابقة لأوانها؛ إذ لا يزال اللاجئون السوريون يواجهون مخاوف مشروعة على حياتهم في العودة إلى سوريا. وعلاوة على ذلك، فإن الحكومة السورية تمنح حق العودة، الذي يجب أن يتمتع به الجميع، بشكل انتقائي، وهناك مخاوف من أن بعض حالات العودة قد لا تكون طوعية. ويجب على الدول المضيفة ألا تُيسّر العودة إلّا بعد أن يكون قد تم التوصّل إلى اتفاق سلام وتكون الحكومة السورية قد اتّخذت الخطوات اللازمة لضمان أن يكون خيار العودة متاحاً للجميع، طوعياً وآمناً.

وفي حين أن الحكومة دعت اللاجئين في بادئ الأمر للعودة إلى الوطن في مطلع شهر تموز/يوليو، إلّا أن الضغوط قد تصاعدت في الأسابيع الأخيرة. وفي منتصف تموز/يوليو، أعلنت روسيا أنها قامت، بالتعاون مع الحكومة السورية، بإنشاء مركز استقبال وتوزيع وإيواء اللاجئين، والذي سيراقب وييسّر عمليات العودة. كما أشارت إلى أن اللجان المحلية في جميع أنحاء البلاد تستعد لعمليات العودة وأن حافلات قد خُصصت لهذه المهمة. وفي الآونة الأخيرة، اقترحت روسيا خططاً للتعاون مع الولايات المتحدة والأردن ولبنان وتركيا في مجال عودة اللاجئين. ورفضت بعض الدول هذا الالتماس. على سبيل المثال، أصرّت الولايات المتحدة على أن أموال إعادة الإعمار ودعم إعادة التوطين لن يتم تقديمها بدون اتفاق سلام يشمل إجراء انتخابات برعاية الأمم المتحدة. غير أن الرئيس اللبناني ميشال عون صرّح بأن لبنان مستعد “لتقديم المساعدة اللازمة لتنفيذ المقترحات الروسية”، وبدأ لبنان بالفعل في تيسير عودة اللاجئين. تثير هذه التطورات قلقاً عميقاً، لأن سوريا ليست مستعدة في الوقت الحالي لعودة اللاجئين بشكل آمن وعادل.

ولم تحقق سوريا حتى أبسط المعايير الأساسية للسلامة والأمان اللازمة لعودة اللاجئين. حيث لا تزال مناطق البلاد في حالة نزاع، وتتزايد المخاوف من قيام الحكومة باجتياح إدلب. وحتى في المناطق التي تنعم بالهدوء إلى حدٍ كبير، لا تزال هناك تهديدات تواجه العائدين. حيث يقوم فريق توثيق المركز السوري للعدالة والمساءلة حالياً برصد حملة اعتقالات في منطقة درعا التي استعادت الحكومة السيطرة عليها مؤخراً، حيث يعيش العديدون، بما في ذلك صحفيون ونشطاء سياسيون، في خوفٍ من الانتقام. وإذا وضعنا المخاوف الأمنية جانباً، فقد عانت سوريا دماراً مادياً جرّاء سبع سنوات من المعارك، لذا، فمن غير الواضح إلى أين سيذهب اللاجئون العائدون إذا كانت مناطق عديدة من البلاد تفتقر إلى السكن الملائم والخدمات الأساسية مثل التزويد الكهرباء والماء. وقبل أن تكون عودة اللاجئين ممكنة، ستحتاج البلاد إلى معالجة هذه المخاوف بشكل شامل من خلال استرداد الممتلكات وإعادة الإعمار بإنصاف.

بالإضافة إلى ذلك، تقوم الحكومة السورية في الوقت الحالي بانتقاء واختيار اللاجئين الذين ستقبل عودتهم، وفرز جميع المرشحين للعودة ورفض العديد من الأسماء، لاسيما الشباب الذكور، لأسباب أمنية. ويسمح هذا الأسلوب للحكومة باستخدام عودة اللاجئين كأداة أخرى للتغيير الديموغرافي، واختيارها بعناية من ترغب في قبوله في المجتمع السوري في مرحلة ما بعد النزاع. وينبغي على الدول المضيفة ألا تدعم عودة اللاجئين على نطاق واسع إلا إذا كانت تلك العودة متاحة لجميع السوريين.

وأخيراً، يمكن للجهود السورية والروسية لتعزيز عودة اللاجئين أن تشجّع البلدان المضيفة، التي يواجه العديد منها ضغوطاً اقتصادية وسياسية شديدة، على إكراه اللاجئين على العودة إلى سوريا. ومن الجدير بالذكر بأن مبدأ عدم الإعادة القسرية يحظر الإعادة القسرية للاجئين، وهو مبدأ يحمي حق اللاجئين في عدم العودة إلى بلد يعتقدون أنهم سيكونون فيه في خطر، وهو مكرّس في القانون الدولي العرفي. وحتى في الحالات التي تكون فيها عودة اللاجئين طوعية من الناحية التقنية، فإن العديد من اللاجئين يواجهون مستويات معيشة منخفضة في البلدان المضيفة لهم، بحيث تكون العودة قسرية في واقع الأمر، ويمكن تطبيق سياسات تخلق مثل هذه الظروف المعيشية الصعبة من أجل تحفيز عودة اللاجئين. ولهذه الأسباب، يجب على المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، التي لا تشارك حالياً في عودة اللاجئين من لبنان، أن تلعب دوراً قيادياً في تسهيل أي عمليات عودة من أجل ضمان طبيعتها الطوعية.

لقد هيمنت حكومات سوريا وروسيا والبلدان المضيفة على النقاش الدائر حول عودة اللاجئين، مما أغفل أهمّ صوت، ألا وهو اللاجئين أنفسهم. فقد أظهرت استطلاعات حديثة أنه بينما يأمل معظم السوريين في العودة إلى ديارهم يوماً ما، إلا أنهم لا يشعرون بالأمان في القيام بذلك في الوقت الحالي. حيث أن السوريين الذين اختاروا مغادرة بلدهم فعلوا ذلك بسبب خوف حقيقي على حياتهم. ولم تتخذ الحكومة السورية بعد خطوات لمعالجة هذا الخوف. إذ يستمر النزاع، وتحتجز الحكومة عشرات الآلاف من المدنيين في مراكز الاعتقال إلى أجل غير مسمى، وقد ترك الدمار المادي أجزاء واسعة من البلاد بدون سكن وخدمات أساسية. في الماضي، اتّخذت الدول المضيفة قرارات سياسية غير إنسانية وخطيرة في محاولة للسيطرة على تدفّق اللاجئين السوريين. واليوم، يجب على تلك الدول أن تقاوم الضغط المحلّي والسياسي لإرسال اللاجئين إلى ديارهم قبل الأوان. وبدلاً من التركيز على العودة الفورية، يجب على الدول المضيفة أن تُدرك أن العودة ستكون عملية معقدة وطويلة الأجل، وأن أفضل طريقة لتشجيعها هي من خلال تعزيز خلق دولة سورية تنعم بالسلام والعدل، دولة سيختار اللاجئون العودة إليها.

لمزيد من المعلومات أو لتقديم ردود الأفعال والآراء، يرجى إدراج تعليقك في قسم التعليقات أدناه، أو التواصل مع المركز السوري للعدالة والمساءلة على info@syriaaccountability.org. كما يمكنكم متابعتنا على فايسبوك و تويتر.

تعليقات