العدالة لجريمة نهب الممتلكات في مخيم اليرموك

جنود في مخيم اليرموك يحمّلون الممتلكات المنهوبة إل الشاحنات المنتظرة. الصورة لـ صوت العاصمة

في 21 أيار/مايو، بعد شهر من القتال بين القوات الحكومية والدولة الإسلامية (داعش)، دخلت القوات السورية إلى مخيم اليرموك مرة أخرى، وهو أحد آخر المناطق في جنوب دمشق التي كانت خارج سيطرة الحكومة. وكانت عودة القوات السورية مصحوبة بتقارير واسعة النطاق عن حالات “التعفيش”. حيث نشرت مواقع إخبارية محلية ومستخدمو وسائل التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو وصور لجنود الحكومة السورية وهم يسرقون الأجهزة الثمينة، بما في ذلك الثلاجات والغسالات، من منازل خاصة، تم إجلاء العديد منها خلال القتال. وكان التعفيش واسع الانتشار لدرجة أن القوات الروسية ألقت القبض على العديد من جنود الحكومة المتهمين بالسرقة (على الرغم من أن الحكومة السورية نفت أن المعتقلين كانوا تابعين للجيش). وقد ترافقت مثل هذه التقارير عن حالات النهب والسرقة مع حالات انتقال السلطة خلال النزاع السوري، ولعل أسوأ مثال على ذلك هو التعفيش الذي تعرّضت له مدينة عفرين من قبل مقاتلي المعارضة السورية المدعومين من تركيا. وفي حين أن النقاش حول سرقة الممتلكات في سوريا غالباً ما يركز على الممتلكات غير المنقولة (العقارات)، أي الأرض والمنازل والشركات، إلا أن تعفيش المنازل والمرافق التجارية الخاصة يمكن أن يكون له أيضاً عواقب اقتصادية مدمرة. تعد السرقة التي ترتكبها جماعات مسلحة، والمعروفة بمصطلح “النهب” بموجب القانون الدولي، غير قانونية بموجب القانون الدولي العرفي، ويمكن لهذه الممارسة أن تثير الفزع بين السكان المدنيين الذين تعرّضوا للترهيب مسبقاً. غير أن تتبّع حقوق الملكية للممتلكات الخاصة المسروقة أثناء النزاع أمر بالغ التعقيد، مما يجعل من هذه الجريمة أمراً يصعب معالجته من خلال آليات العدالة الانتقالية.

وبموجب القانون الدولي، يشار إلى “التعفيش” بمصطلح “النهب” ويُعرّف بأنه سرقة ممتلكات من قبل جيش غازي. وفي حين يمكن لجماعة مسلحة أن تستولي بشكل قانوني على الإمدادات العسكرية لجيش منسحب، مثل الذخيرة، التي غالباً ما يشار إليها بالعامية بأنها “غنائم حرب”، فإن القواعد الخاصة بالممتلكات الحكومية غير العسكرية أكثر تعقيداً، ولا يمكن تحت أي ظرف أن تقوم مجموعة مسلحة بالسرقة من مواطنين عاديين. ويُحظر النهب بموجب القانون الدولي العرفي ويُحظر على نحو منتظم بموجب المعاهدات الدولية ومدونات قواعد السلوك العسكري، بما في ذلك اتفاقية جنيف والبروتوكول الثاني الإضافي والنظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.

وفي حين أن الوضع القانوني للنهب هو واضح المعالم، قد يكون من الصعب السعي للمساءلة عن الجريمة. حيث كانت هناك بعض الحالات التي أدين فيها جناة بالنهب كجريمة حرب بموجب القانون الدولي. على سبيل المثال، في آذار/مارس 2016، أدانت المحكمة الجنائية الدولية نائب الرئيس السابق لجمهورية الكونغو الديمقراطية، جان بيير بيمبا، بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية بسبب جرائم القتل والاغتصاب والنهب التي نُفذت تحت قيادته. وخلصت المحكمة إلى أن هذه الجرائم كانت جزءاً من الإجراءات العملياتية المعتادة للميليشيا بإمرة بيمبا، وأنه كان على علم بجرائم أفراد تلك الميليشيا قبل وأثناء الارتكاب، ولم يحاول منعهم. ويمكن أن تكون مثل هذه الملاحقات القضائية ممكنة في يوم من الأيام في سوريا إذا ما تم الكشف بأن الجماعات المسلحة التي شاركت في التعفيش كانت تعمل بعلم قادتها ودعمهم. ولكن بالنظر إلى اتساع وشدة الجرائم المرتكبة أثناء النزاع في سوريا، فإن مقاضاة جنود فرديين من ذوي الرتب الدّنيا لقاء أعمال النهب لن يكون على الأرجح أولوية في أي عمليات قضائية مقبلة. وأشار تقرير حديث صادر عن مركز كارنيغي، تضمّن نقاشات مستفيضة مع لاجئين سوريين حول منظورهم للعدالة، إلى أن اللاجئين شعروا بأن العفو سيكون أمراً مقبولاً بالنسبة للجرائم الأقل خطورة، بما في ذلك السرقة.

وفي حين أن محاسبة الأفراد على التعفيش قد لا تكون أولوية بالنسبة للسوريين، إلا أن التعويض المالي لفقدان الممتلكات هو مصدر قلق أكبر. فقد يكون للتعفيش نتائج مدمّرة. حيث يُعرف عن المعفّشين في سوريا سرقة الأسلاك الكهربائية النحاسية من الجدران، وسلب المعامل بالكامل من الآلات والمعدات باهظة الثمن، مما يقضي على لقمة عيش أصحابها. وبينما حظيت مسألة استرداد ملكية الأراضي في الآونة الأخيرة باهتمام واسع النطاق، وقامت العديد من المنظمات بإصدار تقارير عن الآثار المترتبة على القانون رقم 10 الصادر حديثاً، فإن من الصعب أكثر معالجة فقدان الممتلكات المنقولة. حيث تتطلب إعادة الممتلكات إلى المالك الشرعي تعقب البضائع المسروقة، وهي مهمة معقدة للغاية. إذ يمكن إزالة الممتلكات المسروقة من أحد الأحياء وبيعها بسرعة، وربما تتغيّر ملكيتها عدة مرات خلال بضعة أيام من السرقة. وفي حين كانت هناك حالات من إعادة الممتلكات، فإن هذه مهمة يسهل القيام بها بعد حدوث السرقة مباشرة، وليس كجزء من عملية تحقيق العدالة بعد أشهر أو سنوات من حدوثها. كما سيكون من الصعب تقديم جبر ضرر مالي على أساس فقدان ممتلكات محددة، حيث أن العديد من المالكين لن يكون لديهم أي وثائق تثبت ملكيتهم للممتلكات المنقولة، أو دليل على أن قطعة معينة من الممتلكات لم تعد في حوزتهم. وحتى لو تم وضع مخططات لمحاولة الاسترداد أو جبر الضرر من هذا النوع، فسيكون من الضروري توفير كمية هائلة من الموارد من أجل تعقب البضائع المسروقة والتحقّق من الدّعاوى الفردية.

وقد تكون الطريقة الأكثر فعالية لمعالجة الخسارة الاقتصادية المترتبة على التعفيش من خلال برامج أوسع لجبر الضرر، والتي يمكن أن تغطي الأحياء التي تعرضت للتعفيش وكذلك تلك التي عانت دماراً كنتيجة مباشرة للقتال. وحتى قبل عمليات التعفيش الأخيرة، فإن أجزاء عديدة من مخيم اليرموك كانت قد سُوّيت بالارض، وسيحتاج العديد من مُلّاك العقارات إلى موارد طائلة لإعادة البناء، سواء تم استهدافهم من قبل المعفشين أم لا. وعند تصميم برامج جبر الضرر ودعم إعادة الإعمار لهذه الأحياء في المستقبل، ينبغي النظر في مجموعة واسعة من الخسائر المالية المتكبدة نتيجة للنزاع، بما في ذلك التعفيش على سبيل المثال لا الحصر.

لمزيد من المعلومات أو لتقديم ردود الأفعال والآراء، يرجى إدراج تعليقك في قسم التعليقات أدناه، أو التواصل مع المركز السوري للعدالة والمساءلة على info@syriaaccountability.org.

رد

أضف تعليق

(إلزامي)