مبدأ عدم الإعادة القسرية يتعرض للتهديد في لبنان

 

عائلة سورية تسجل مع مفوضية اللاجئين في طرابلس، لبنان. توقفت المفوضية عن تسجيل الوافدين الجدد في عام 2015 بناء على طلب من الحكومة اللبنانية. المصدر: البنك الدولي

في 6 أيار/مايو، خرج اللبنانيون إلى صناديق الاقتراع في أول انتخابات برلمانية في البلاد منذ عام 2009. في بلد منقسم إلى حد كبير، تم التشارك في موقف انتخابي واحد إلى حدٍ كبير عبر الطيف السياسي ألا وهو معارضة استمرار وجود اللاجئين السوريين على الأراضي اللبنانية. ومع وجود حوالي 1.5 مليون لاجئ سوري، فإن لبنان يستضيف عدداً أكبر من اللاجئين للفرد الواحد مقارنة بأي دولة أخرى في العالم، ويرى العديد من المواطنين أن الشعب السوري يشكّل تهديداً للتوازن الطائفي الهش للبلاد، ناهيك عن المنافسة غير العادلة في سوق العمل الضعيف أصلاً. وخلال هذه الحملة، تُرجمت هذه المشاعر إلى خطاب تحريضي مقلق. حيث كُتب على إحدى اللوحات الإعلانية: “سيأتي يوم نقول فيه للسوري، اجمع أغراضك وكل ما سرقته وارحل”. وإن هذا الاقتباس، الذي نُسب إلى القيادي في فترة الحرب الأهلية بشير الجميّل، الذي يعود إلى تاريخ الوجود العسكري السوري في لبنان، هو محاولة لإحياء التوترات التاريخية. وقد ترافق هذا الخطاب مع سياسات حكومية تهدف إلى تشجيع، أو ربما فرض، عودة اللاجئين إلى سوريا، تحت ذريعة أن بعض المناطق في سوريا آمنة لعودة اللاجئين إليها. وإن التأكيد على العودة “الآمنة” يسيء تفسير التزامات لبنان بموجب القانون الدولي ويعكس سوء فهم عميق لما تعتبره مجتمعات اللاجئين آمناً. وإذا رغبت دول مضيفة مثل لبنان في رؤية اللاجئين يعودون إلى ديارهم، فعليها أن تستمع إلى أصوات اللاجئين وأن تعطي الأولوية لشروط عودتهم، بما في ذلك المطالبة بالعدالة، في عمليات السلام الجارية. وفي الوقت نفسه، يجب ألا يسمح المجتمع الدولي بالعودة القسرية، مع إيلاء اهتمام وثيق للخطاب والسياسة الأخيرين في لبنان واللذين يهددان حقوق اللاجئين.

ووفقاً للاجئين السوريين في لبنان، لم يتم تلبية شروط العودة الطوعية إلى سوريا. إذ أن معظم أنحاء البلد غير آمنة، وهو واقع يفهمه اللاجئون أنفسهم جيداً. وقد وجد استطلاع أجري في لبنان مؤخراً أنه في حين يأمل اللاجئون في العودة، فإن لديهم رؤية محددة حول الشروط المسبقة التي يجب أن تتحقق. وتضمّن ذلك شيوع الأمن على نطاق واسع، والقدرة على العودة إلى مناطقهم الأصلية، و”إنشاء آليات قضائية لمحاسبة مرتكبي جرائم الحرب على جرائمهم”. وأوضح أحد المشاركين أنه إذا سُمح للذين قَتلوا بالبقاء أحراراً، فإن البلاد سوف تقع في دائرة من العنف بدافع الانتقام، مما يمنع عودة اللاجئين. وتتجاوز الرغبة في تحقيق العدالة نطاق المساءلة الجنائية، حيث أشار المشاركون إلى أنهم يريدون العودة إلى سوريا تحترم سيادة القانون وحيث تم نزع سلاح الجماعات المسلحة وتم إطلاق سراح المعتقلين. كما أعرب العديد من المشاركين عن قلقهم بشأن استرداد الممتلكات. حيث قال نصفهم إنهم لا يملكون وثائق مادية تثبت ملكيّة عقاراتهم ويشعرون بالقلق من أنهم لن يكونوا قادرين على المطالبة باستردادها عند عودتهم. وذكر ثلثاهم أن منازلهم قد دُمّرت، وأشار كثيرون إلى أنهم سيحتاجون إلى دعم مالي في إعادة البناء. وتشير هذه الردود إلى فهم دقيق لعمليات العدالة الانتقالية المعقدة التي يجب أن تتم من أجل خلق سلام دائم في سوريا.

وقبل أن تتحقّق هذه الشروط، يجب على لبنان، وجميع الدول المضيفة للاجئين، التقيّد بالالتزامات القانونية المتعلقة بعودة اللاجئين. وبما أن لبنان ليس من الدول الموقّعة على اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1951 الخاصة بوضع اللاجئين، فهو غير ملزم بكل التزامات الاتفاقية فيما يتعلق باستقبال اللاجئين وإدارتهم. غير أن أحد الالتزامات المُلزمة للبنان بغضّ النظر عن وضع المعاهدة هو مبدأ القانون الدولي العرفي المتمثل في عدم الإعادة القسرية، بمعنى أنه لا يمكن إعادة اللاجئين إلى بلدانهم الأصلية رغماً عن إرادتهم. وفي الأشهر الأخيرة، عَمَد قادة لبنان إلى التراجع أكثر فأكثر عن هذا المبدأ الأساسي، مجادلين بأن عدم الإعادة القسرية يقتضي فقط أن تضمن الحكومة أن عودة اللاجئين آمنة، وليست طوعية. وفيما يتخطّى الخطاب السياسي، قد تكون الحكومة قد بدأت بالفعل بالحثّ على عودة اللاجئين. ففي الشهر الماضي، عاد المئات من اللاجئين من جنوب لبنان إلى سوريا، وهي خطوة دعمها الرئيس عون بحماس. وفي حين ادّعت الحكومة أن هذه العودة كانت طوعية، أعربت مفوضية شؤون اللاجئين (UNHCR) عن قلقها، مؤكدة على أن هذه العودة يجب أن تتم بدون “ضغوط لا مبرر لها”. وبعد إصدار هذا البيان، استدعى مدير الشؤون السياسية والقنصلية في لبنان ممثل المفوضية إلى اجتماع، وذكر علناً بأن المفوضية تقوم بزرع الخوف والتردد. وبعد ذلك، أعلن الرئيس عون قبل أيام من الانتخابات أنه طلب من مصر والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية المساعدة في ضمان عودة اللاجئين، قائلاً إن لبنان سيعمل على هذه القضية خارج إطار الأمم المتحدة.

وتقع على عاتق المجتمع الدولي، وبالتحديد الأمم المتحدة والبلدان التي تقدّم المساعدات إلى لبنان، مراقبة الخطاب السياسي بشأن مجتمعات اللاجئين والعمل على ضمان حماية الحقوق الأساسية للاجئين السوريين، ولاسيما حقّهم في عدم العودة إلى ديارهم حتى يشعروا بالأمان عند القيام بذلك، بغضّ النظر عن البلد الذي يعيشون فيه. وعلى وجه التحديد، يجب على المانحين أن يوضحوا أن دعمهم المتواصل للبنان مرتبط بتعاون الحكومة مع مفوضية شؤون اللاجئين، وقدرة المفوضية على العمل بحرية، بما في ذلك التحقيق في عمليات العودة الجماعية من أجل ضمان أن اللاجئين يغادرون طواعية. وإذا لم يتم الوفاء بهذه الشروط، ينبغي خفض كل من المساعدات الإنسانية والمساعدات الإنمائية الأخرى، كتلك التي يتم تقديمها في إطار مؤتمر “سيدر” الأخير “المؤتمر الاقتصادي للتنمية من خلال الإصلاحات ومع الشركات”. وفي هذه الأثناء، إذا أراد لبنان أن يضمن عودة اللاجئين إلى ديارهم، يجب أن يركّز هو وحلفاؤه على إحياء عملية السلام وإعطاء الأولوية ليس لإنهاء النزاع فحسب، بل ولإنشاء آليات عدالة انتقالية تتماشى مع أولويات السوريين داخل البلد وخارجه.

لمزيد من المعلومات أو لتقديم ردود الأفعال والآراء، يرجى إدراج تعليقك في قسم التعليقات أدناه، أو التواصل مع المركز السوري للعدالة والمساءلة على info@syriaaccountability.org.

 

رد

أضف تعليق

(إلزامي)