ثلاثة دروس لمجلس الأمن الدولي حول وقف إطلاق النار في الغوطة

جلسة لمجلس الأمن الدولي. الصورة من ويكيبديا

بعد أن فشل وقف إطلاق النار الذي أقرّه مجلس الأمن الدولي في 24 شباط/فبراير في وضع حد للقتال في سوريا أو معالجة الكارثة الإنسانية التي تتكشف خباياها في الغوطة الشرقية. حيث قُتل ما يُقدّر بنحو 77 شخصاً يوم الإثنين 5 شباط/فبراير فقط، وعندما دخلت قافلة مساعدات إلى الغوطة الشرقية، تم نهبها أولاً من قبل قوات الأمن الحكومية، التي سلبت 70 بالمائة من المساعدات الطبية الضرورية. إن واقع الموقف العسكري للحكومة السورية يجعل أي وقف لإطلاق النار أمراً صعباً، ولكن حتى في الظروف المثالية، فإن الثغرات في القرار 2401 ستجعل من الصعب تنفيذه. حيث يفتقر النص إلى التفاصيل الأساسية ولم يفلح في وضع نفسه في السياق الأوسع لحل سياسي، ويأتي كردة فعل في محاولة لإحتواء الضرر بدلاً من محاولة مدروسة للحل.

وتقدّم الدروس التالية من اتفاقات وقف إطلاق النار في نزاعات سابقة مقارنات مفيدة:

  1. يجب أن تكون الشروط محددة بوضوح.

إن أهم جانب في وقف إطلاق النار هو أن يكون محدداً بوضوح، وهو معيار لا يفي به القرار 2410. أولاً، يجب أن يكون لوقف إطلاق النار تاريخ بداية واضح، سواء كان ذلك وقتاً محدداً أو حدثاً يشرع بدء العمل به. وكان يُقصد من اتفاق وقف إطلاق النار الحالي أن يدخل حيّز التنفيذ “دون تأخير”، مما تسبب في ارتباك فوري بشأن متى سيدخل الاتفاق حيّز التنفيذ، أو إذا كان قد دخل حيّز التنفيذ بالفعل.

ثانياً، يجب تحديد الأطراف بوضوح. يَذكر القرار 2401 منظمات إرهابية محددة لا ينطبق عليها الاتفاق، ولكنه يضيف أيضاً “جميع الأفراد والجماعات والمنشآت والكيانات الأخرى المرتبطة بـ “القاعدة” أو “تنظيم داعش” وغيرها من الجماعات الإرهابية، كما حدّدها مجلس الأمن”. ومن خلال شمول تلك الكيانات “المرتبطة بـ” الجماعات الإرهابية، فقد أنشأ مجلس الأمن الدولي عن قصد ثغرة تمنح الدول سلطة تقديرية واسعة، مما يسمح لها باستهداف المناطق المدنية تحت غطاء مكافحة الإرهاب، ومنح غطاء ليس فقط للهجمات السورية والروسية على الغوطة الشرقية، ولكن أيضاً سمح بهجوم تركيا على عفرين وسمح بالعمليات الأمريكية في شرق سوريا. ومن الناحية المثالية، ينبغي ألا يقتصر وقف إطلاق النار على تسمية الجماعات المستبعدة فحسب، بل ينبغي أن يشير إلى عمليات ومناطق جغرافية محددة يسمح فيها باستمرار الأعمال العدائية، بغية إزالة أي غموض.

وأخيراً، يجب أن ينص الاتفاق بوضوح على معايير انتهاك وقف إطلاق النار. هل يسمح للأطراف المتحاربة باستخدام وقف إطلاق النار لإعادة التجمّع والتسلّح؟ وهل سيكون هناك وقف لاعتقال المدنيين؟ فمن خلال سماحه بتفسيرات مطاطة لشروط عديدة لوقف إطلاق النار، يكون قرار الأمم المتحدة عرضة للاختلافات وزيادة عدم الثقة.

 

  1. يجب أن يكون هناك نظام رصد مفصّل

لكي يكون وقف إطلاق النار فعالاً، يتعيّن على كل طرف أن يثق بأن الأطراف الأخرى ستحترمه أيضاً. ومن خلال آلية رصد مفصّلة، يمكن للاتفاق أن ينص على تدابير بناء الثقة حيثما لا توجد ثقة بين الأطراف. ويمكن أن يتخذ الرصد أشكالاً عديدة، ولكن يجب أن يحدّد الاتفاق من هم المخولين بالرصد، ومسؤولياتهم الدقيقة، وعلاقتهم ببعضهم، وإمكانية وصولهم إلى المواقع ذات الصلة، والتزام المقاتلين بمساعدتهم في مهامهم. ويمكن أن تعتمد آلية الرصد على الإبلاغ من الأطراف المتحاربة نفسها، والمنظمات الدولية، والمجتمع المدني. وقد كتب المركز السوري للعدالة والمساءلة سابقاً حول أهمية مشاركة المجتمع المدني في رصد وقف إطلاق النار.

وإن الإشارة الوحيدة للرصد في قرار الأمم المتحدة هي أن الرصد، الذي تقوم به الدول الموقّعة، يجب أن “يستند إلى الترتيبات القائمة”. ونظراً لأحكام الرصد الضعيفة في الاتفاقات السابقة، فقد أهدر الضامنون الدوليون فرصة أخرى لبناء الأساس لنظام رصد فعلي، مع قبول محلي، يمكن تكييفه في نهاية المطاف من أجل سلام دائم.

 

  1. وقف إطلاق النار المؤقت يجب أن يبني نحو أهداف طويلة المدى

يمكن أن يكون لوقف إطلاق النار مجموعة متنوعة من الأهداف المختلفة، بدءاً من التوقف الوجيز في القتال، إلى نهاية دائمة للنزاع. وفي حالة القرار 2401، من الواضح أن الهدف هو توقف إنساني لمدة ثلاثين يوماً. وفي هذه المرحلة من النزاع، تكون الوقفة قصيرة الأجل معقولة وضرورية بالتأكيد.

وحتى الاتفاقات قصيرة الأجل يجب أن يُنظر إليها على أنها فرصة لبناء الثقة بين الأطراف وتهيئة الأرضية لمفاوضات مستقبلية. ومع مرور الوقت، يتيح العمل المشترك لصياغة اتفاقات وقف إطلاق النار، حتى في حال فشلها في نهاية المطاف، للأطراف فهم أهداف بعضها البعض والخطوط الحمراء لكل منها، وتغيير حساباتها حول الاستخدام الاستراتيجي للعنف. ولقد أظهرت الأبحاث أن عدد اتفاقات وقف إطلاق النار السابقة هي أحد أفضل العوامل التي تنبئ بإنهاء النزاع بنجاح.

ولكن بسبب إخفاقه في العمل مباشرة مع المبعوث الخاص للمفاوضات والجهات الفاعلة المحلية والمجتمع المدني لصياغة اتفاق لوقف إطلاق النار يكمّل إطار المفاوضات السياسية، فإن مجلس الأمن الدولي لا يستغل هذه الفرصة لبناء العلاقات بين الأطراف، الأمر الذي سيكون في نهاية المطاف مفتاحاً لتسوية تفاوضية. وبدلاً من ذلك، فقد قوّض مجلس الأمن الدولي سلطته في نظر السوريين وأضعف أي اعتقاد بإمكانية عقد سلام تفاوضي. وكما قال غانم طيارة، رئيس اتحاد منظمات الإغاثة والرعاية الطبية “إنني أشعر بالإحراج من مجلس الأمن الدولي، إذ أن أقوى الدول على هذا الكوكب لا تستطيع تطبيق المعايير الأساسية لحقوق الإنسان وللكرامة”.

إن الحاجة إلى وقف فوري لإطلاق النار في سوريا واضحة، وإن شعور مجلس الأمن بأن هناك حاجة ملحة هو أمر مناسب. ولكن إذا ما أرادت النجاح في تغيير الوضع على الأرض مؤقتاً، ناهيك عن ضمان سلام طويل الأجل، يتعيّن على الأمم المتحدة أن تكون أكثر مراعاة وتفهماً عند صياغة هذه الاتفاقات. ففي كل مرة يقرّ فيها مجلس الأمن الدولي قراراً آخر عديم الفعالية، فإنه يزيد من تقويض الأمل في التوصل إلى حل تفاوضي، فضلاً عن تقويض سلطته كوسيط محتمل.

لمزيد من المعلومات وردود الأفعال، يرجى المشاركة بتعليق أدناه أو الاتصال بالمركز السوري للعدالة والمساءلة على info@syriaaccountability.org.

 

رد

أضف تعليق

(إلزامي)