السباق إلى صناديق الاقتراع: على الأمم المتحدة التعلم من أخطاء الماضي وتحاشي إجراء انتخابات قبل أوانها في سوريا

السوريون يدلون بأصواتهم في انتخابات رئاسية مثيرة للجدل في عام 2014. وعلى الرغم من أن الحكومة أعلنت أن نسبة الناخبين بلغت 73٪، انتقد العديد من المراقبين العملية وقالوا إن النتائج غير شرعية. الصورة من ويكيمديا

في الأسبوع الماضي، بدأت في جنيف الجولة الثامنة من مفاوضات السلام التي ترعاها الأمم المتحدة بين الحكومة السورية والمعارضة. وفي سياق قيادته للمحادثات، حدّد المبعوث الخاص إلى سوريا ستافان دي ميستورا البحث في الانتخابات كأولوية. وفي آذار/مارس 2016، اقترح دي ميستورا جدولاً زمنيا مدّته 18 شهراً لتاريخ الانتخابات، واستمرت هذه المسألة في صدارة جدول أعماله. ومن المرجح أن يكون تركيزه على الانتخابات تركيزاً استراتيجياً. حيث ستمثل الانتخابات نقطة تحول في الصراع وتظهر أن هناك تعافٍ يلوح في الأفق. ومن شأن ذلك أيضاً أن يزيل عقبة كبيرة من طريق المفاوضات– مَن سيقود سوريا بعد انتهاء الصراع– مِن خلال ترك القرار للشعب السوري. وعلى الرغم من هذه الفوائد، ينبغي للمبعوث الخاص أن يضع في اعتباره الدروس المستفادة من انتخابات انتقالية سابقة وأن يتجنب إعطاء الأولوية لمكسب قصير الأمد على حساب الالتزام بالممارسات الفُضلى.

يحاجج بعض الباحثين أن الوعد بإجراء انتخابات مبكرة أمر حيوي للسلام والديمقراطية في سياقات ما بعد الصراع لأنها تيسّر تسويات السلام وتشجّع الجهات الفاعلة الدولية على المساهمة بإرسال قوات حفظ السلام وتعجّل بعمليات التحول الديمقراطي. غير أن الانتخابات المبكرة تنطوي أيضاً على عدد من المخاطر، لاسيما في سياقات عدم الاستقرار بعد الصراع:

 

  1. تجدّد العنف: في سياق الانتخابات الانتقالية، تشكّل المسائل الأمنية همّاّ رئيسياً. إذ أن الانتخابات المبكّرة في غياب جهود تسريح المقاتلين أو نزع السلاح تزيد من احتمال رفض أحد أطراف الصراع للنتائج والعودة إلى الصراع المسلّح. وينطبق ذلك بصفة خاصة عندما لا تكون هناك وسيلة لتقاسم السلطة ولم يتم إعادة بناء المؤسسات الحكومية. ففي عام 2010، أفضت الانتخابات الرئاسية في ساحل العاج إلى تجدّد الصراع الأهلي بعد أن رفض المرشح لوران غباغبو الخاسر التخلي عن السلطة ولجأت القوات الموالية لكل مرشح إلى حمل السلاح.

 

  1. مواقع اقتراع يتعذّر الوصول إليها: سوف يؤدي انعدام الأمن وتفشي العنف كذلك إلى الحيلولة دون ذهاب الناخبين إلى صناديق الاقتراع. وعلاوة على ذلك، فقد فرّ حوالي 11 مليون سوري من ديارهم منذ بدء الحرب. وسيتطلب ضمان حصول النازحين على وسائل آمنة وسرية وعملية للتصويت موارداً وبنية تحتية وتنسيقاً مع الدول التي تستضيف اللاجئين. وبدون توفر الأمن في صناديق الاقتراع أو بدون توفر فرصة للنازحين للتصويت، ستكون نتائج أي انتخابات مشوهة وسيُنظَر إليها على أنها غير شرعية.

 

  1. مبادرات واهنة للتحول الديمقراطي: غالباً ما يؤدّي إجراء الانتخابات قبل أوانها إلى حرمان قطاعات المجتمع التي تعرضت للاضطهاد على مرّ التاريخ من الحصول على وقت كافٍ لتشكيل حزب سياسي تمثيلي قادر على تنظيم حملات انتخابية والمنافسة على المستوى الوطني، مما يعني أن القوى المستحكمة ستكون أكثر احتمالاً للفوز والحصول على الشرعية. ويمكن أن تكون الانتخابات المبكّرة أيضا بمثابة مسرحاً للمنابر القومية أو الطائفية أو المتطرفة لأن المجتمع لم يكن لديه الوقت الكافي للدخول في نقاش مدني ومواقف معارضة معتدلة. أجرت البوسنة بعد الصراع انتخابات قبل أن تقوم ببناء المؤسسات اللازمة لضمان اقتراع عادل ونزيه. وقد أسفرت الانتخابات عن مخالفات وتزوير، وانتهت بمقارعة خاسرة “حيث أضفت شرعية ديمقراطية زائفة على هياكل السلطة القومية المتطرفة”. وفي حين أن الانتخابات غالباً ما يشوبها عدم الكمال، إلا أنها تعتبر أيضاً الرمز الأساسي للديمقراطية. وبالتالي، فإن أي انتخابات معيبة أو فاشلة بشكل حاد في دولة انتقالية يمكن أن تضعف إيمان الشعب بالتحول الديمقراطي برمّته وتسبّب شعوراً واسع النطاق بخيبة أمل إزاء النظام الجديد.

 

  1. التصويت “تحت تهديد السلاح” – إن الخوف والإكراه والدعاية المغرضة هي أيضاً تهديدات للعملية الانتخابية. ففي تشيلي، على سبيل المثال، أجرى الرئيس السابق أوغوستو بينوشيه تصويتاً مبكراً لتحديد ما إذا كان المواطنون يوافقون على سياسات نظامه. ومع قيام الجيش بالإشراف على صناديق الاقتراع، لم يفاجئ السكان عندما تباهى بينوشيه بحصوله على نسبة 75% من الاصوات. حيث یجب أن یشعر الناس بالثقة بأنھم لن يواجهوا عواقب سلبیة لقاء تصویتھم، وھو أمر غیر محتمل إذا کان نفس الجھاز الأمني ​​القهري لفترة ما قبل الصراع ما زال قائماً أو إذا کانت الجماعات المسلحة تشرف على مراقبة مراكز الاقتراع.

 

وبالنظر إلى المخاطر، تتطلب الانتخابات الانتقالية وقتاً وتخطيطاً لبناء مؤسسات عادلة ومستقرة. وهي تشمل إطاراً قانونياً قوياً، وهيئات إدارة انتخابية مستقلة، وبيئة آمنة تعزّز المشاركة، والوقت والموارد اللازمة لتشكيل الأحزاب السياسية الناشئة. وإن الافتقار لهذه العناصر من شأنه أن يؤدي إلى تقويض الشرعية الأساسية لنتائج الانتخابات.

وفي سوريا، يجب أيضاً النظر في نتائج الانتخابات المحتملة. فإذا فاز بشار الأسد أو أحد المقرّبين منه لأن الناخبين يرون أنه الخيار الوحيد القابل للتطبيق، فهل ستبدأ الدول الغربية صفحة بيضاء جديدة وتعيد فتح السفارات وتعيد تأسيس العلاقات التجارية معه؟ وإذا صوّت الناخبون لصالح عنصر متطرف لأنه الكيان الوحيد الذي لديه موارد خارجية كافية لتشكيل معارضة قوية، فهل سيتجاهل الغرب النتائج؟ وهل ستتخلى الحكومة الحالية عن السلطة؟ ومن سيجبرها على ذلك وكيف؟ جميع هذه الأسئلة مهمة ولا تحمل إجابات سهلة.

ولحسن الحظ، فإن الانتخابات السابقة لأوانها على الصعيد الوطني ليست الخيار الوحيد. وفقاً لدانيال سيروير، مدير برنامج إدارة الصراعات في جامعة جونز هوبكنز وعضو مجلس إدارة المركز السوري للعدالة والمساءلة، فإن إعطاء الأولوية لإجراء انتخابات محلية قبل إجراء انتخابات وطنية قد يكون أحد طرق اختبار الوضع، وتعريض القيادة السياسية الناشئة لعملية الحملات الانتخابية التنافسية، ومنح المجموعات المهمشة مكاناً للتنظيم. كما أن الانتخابات المحلية ستتيح للسوريين الفرصة للتصويت على القضايا المحلية المنفصلة التي يقل احتمال تشوهها بالانقسامات الإثنية والطائفية السامة التي كانت بمثابة الطابع العام للصراع.

وقال سيروير “على المستوى المحلي، يمكن للناس ان يتوافقوا ليس على أساس عرقي أو طائفي وإنما على أساس القضايا الخدمية. من هو الأفضل في شقّ الطريق أو إعادة إعمار المدارس؟ هذا هو ما تريده في مجتمع ما بعد الحرب”.

وسواء كانت الانتخابات محلية أم وطنية، فإن التوقيت أساسي. حيث قال المبعوث الخاص السابق إلى سوريا الأخضر الإبراهيمي: “نحن بحاجة إلى تنظيم انتخابات في أقرب وقت ممكن، ولكن ليس في وقت أبكر مما هو ممكن”. ويجب على المبعوث الخاص الحالي والأطراف المتفاوضة أن يفهموا ويوازنوا المخاطر أثناء مقاربة موضوع الانتخابات، مع الحرص على عدم المبالغة في رمزية ورقة الاقتراع المُدلى بها. وبدون توقع هذه القضايا، قد يكون وقف العنف مؤقتاً، بل وقد يُلحق ضرراً بثقة الجمهور السوري في انتخابات حرة ونزيهة.

لمزيد من المعلومات أو لتقديم ردود الأفعال والآراء، يرجى إدراج تعليقك في قسم التعليقات أدناه، أو التواصل مع المركز السوري للعدالة والمساءلة على info@syriaaccountability.org.

رد

أضف تعليق

(إلزامي)