استقالة دي بونتي وعثرات الأمم المتحدة في سوريا

كارلا دي بونتي. العضو السابق في لجنة التحقيق الدولية بشأن سوريا، الصورة من ويكيبيديا

في مطلع الشهر الحالي، استقالت كارلا دي بونتي، عضو لجنة التحقيق المستقلة التابعة للأمم المتحدة بشأن الجمهورية العربية السورية بسبب إحباطها لعدم إحراز أي تقدّم في تعزيز حقوق الإنسان والمساءلة في سوريا. وقالت دي بونتي في العديد من المقابلات الإعلامية أن مجلس الأمن الدولي فشل في اتخاذ إجراء حول سوريا بعد مرور ما يقرب من سبع سنوات من الصراع الوحشي.

دي بونتي محقّة في إلقاء اللوم على عدم تحرّك مجلس الأمن الدولي. فعلى الرغم من العديد من تقارير الإدانة التي أصدرتها لجنة التحقيق المستقلة بشأن سوريا منذ عام 2011، إلا أن روسيا ما فتئت تستخدم حق النقض على نحو مستمر لحماية الحكومة السورية ومنع إحالة الوضع إلى المحكمة الجنائية الدولية. غير أن المشكلة تتجاوز نطاق مجلس الأمن. فبالرغم من أن المجلس هو أقوى ذراع في الأمم المتحدة فعلياً، فباستثناء مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، فقد خذلت منظومة الأمم المتحدة بأسرها السوريين، بما في ذلك لجنة التحقيق المستقلة نفسها، مما أدى إلى زيادة عدم الثقة في المجتمع الدولي في أوساط السوريين.

دي بونتي محقّة في إلقاء اللوم على مجلس الأمن، ولكن الأمم المتحدة سمحت للحكومة السورية، منذ البداية، بالتلاعب بخطة الأمم المتحدة للاستجابة الإنسانية من خلال التحكم في المساعدات الإنسانية، بما في ذلك أماكن توزيعها وأي منظمات دولية يمكنها القيام بذلك. وعلاوة على ذلك، سمحت الأمم المتحدة للحكومة السورية بتحرير تقرير التخطيط الخاص بخطة الاستجابة الإنسانية قبل إصدارها، لتقوم الحكومة السورية باستبدال جميع الإشارات إلى “المناطق المحاصرة” بعبارة “المناطق التي يصعب الوصول إليها” وحذف معظم الإشارات إلى العنف ضد المدنيين.

وبالسماح للأسد بالموافقة على المنظمات المسؤولة عن تقديم المساعدات الإنسانية، قامت الأمم المتحدة بإرساء عقود قيمتها عشرات الملايين من الدولارات لأشخاص في دائرة الأسد المقربة، بما في ذلك أولئك الذين خضعوا لعقوبات فرضتها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. وغني عن القول أن المعونات لم تصل إلى الناس الذين هم في أمسّ الحاجة إليها.

دي بونتي محقّة في إلقاء اللوم على مجلس الأمن، ولكن في عام 2016 قامت منظمة الصحة العالمية التابعة للأمم المتحدة بتعيين شكرية مقداد بصفة مستشارة لدراسة وضع اللاجئين والنازحين في سوريا والمساعدة في التصدّي للآثار الصحية النفسية. وليس لدى مقداد سوى النذر اليسير من الخبرة في مجال الصحة النفسية. غير أن مؤهلها الأكثر أهمية هو أنها زوجة نائب وزير الخارجية السوري فيصل مقداد، مما يقوّض الجهود المهمة التي تبذلها منظمة الصحة العالمية.

دي بونتي محقّة في إلقاء اللوم على مجلس الأمن، إلا أن المبعوث الخاص للأمم المتحدة ستيفان دي ميستورا سمح لروسيا بصياغة دستور سوريا بدلاً من التماس آراء ومعطيات السوريين. كما تجاهل دي ميستورا قضية الأشخاص المفقودين المدمرة التي تؤثر على السوريين من جميع أنحاء البلاد بعد الضغط الروسي.

دي بونتي محقّة في إلقاء اللوم على مجلس الأمن الدولي، ولكن لجنة التحقيق المستقلة بشأن سوريا نفسها كان لها دور في الأضرار التي لحقت بالسوريين. فمنذ البداية، فشلت لجنة التحقيق المستقلة في فهم سياق الوضع في سوريا وفهم الثورة الأولية كجزء من موجة إقليمية من مطالب الكرامة والتغيير والحرية.

وأدى الفشل في فهم سياق الثورة إلى تعامل لجنة التحقيق مع ما يحصل في سوريا باعتباره مجرّد نزاع آخر. فقد استخدمت النهج التقليدي للأمم المتحدة، بما في ذلك إرسال رسائل إلى الحكومة السورية تطلب التعاون مع التحقيق والاحتفاظ بقائمة بأسماء المسؤولين السوريين المذنبين في ظرف مختوم تم إيداعه كأمانة لدى المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، على أمل أن يؤدي مجرد التهديد بالظرف المغلق إلى ردع سلوك الأسد.

حتى من مراجعة سريعة لتوصيات لجنة التحقيق في أول تقريرين صادرين عنها في تشرين الثاني/نوفمبر 2011 وشباط/فبراير 2012، واضح أن فهم اللجنة لما يحصل في سوريا كان ساذج بشكل لا يصدق، ويفتقر إلى أي معرفة لهيكلية السلطة في سوريا ولعمق توتراتها الطائفية والطريقة التي تلاعبت بها الحكومة بالمجتمعات المحلية وألهبت جذوة التوترات والفتن الطائفية وكيف شكّلت وسلّحت جماعات الشبيحة.

وفي التقرير الثاني، وبعد أكثر من 20 صفحة من تحليل مسؤولية الدولة السورية عن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي ارتُكبت في سوريا وعدم مقاضاة أي مرتكب لهذه الانتهاكات (التي اعتبرتها لجنة التحقيق ترقى لجرائم ضد الإنسانية)، أوصى تقرير لجنة التحقيق أن “الحل الوحيد الممكن لإنهاء العنف هو إجراء حوار شامل يؤدي إلى تسوية تفاوضية تضمن بشكل فعال حقوق الإنسان لجميع الناس في البلد”. وبعد السحق العنيف للمطالب السلمية بالكرامة والحرية في عام 2011، والتي كانت لجنة التحقيق قد شرحتها بالتفصيل في تقاريرها، كان يجب أن تتضح الرؤية بأن حكومة الأسد لم تكن مهتمة بإجراء حوارات شاملة أو بحقوق الإنسان لشعبها.

باولو بينيرو، رئيس لجنة التحقيق، تحدّث في فعالية لمعهد بروكينجز في آذار/مارس 2012، وانتقد أي استجابة دولية منسقة للصراع خارج إطار الحوار السياسي الذي أوصت به لجنة التحقيق التي يرأسها. وفي الجلسة النقاشية، سخر بينيرو من طرح فكرة الممرات الإنسانية، مؤكداً، بدلاً من ذلك، على أهمية توافق الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي، على الرغم من حقيقة أنه قبل شهر واحد فقط، استخدمت روسيا والصين حق النقض الثاني بشأن سوريا. بل وذهبت ياكين ارتكوك، عضو لجنة التحقيق  المشاركة فى فعالية معهد بروكينجز، الى حد وصف المحكمة الجنائية الدولية “بالملاذ الأخير”.

وفي الواقع، استغرق لجنة التحقيق الدولية سنتين قبل أن توصي بالإحالة إلى المحكمة الجنائية الدولية، ولم تصدر التوصية إلا بعد تدخل المفوض السامي لحقوق الإنسان شخصياً عن طريق إحاطة مجلس الأمن بشكل مباشر في كانون الثاني/يناير 2013 والتوصية بالإحالة للجنائية الدولية.

وحتى بعد فشل مهمة كوفي عنان واستقالته كمبعوث خاص إلى سوريا بسبب عدم اكتراث الحكومة المتكرر بالمفاوضات، واصل تقرير لجنة التحقيق الصادر في آب/أغسطس 2012 توصيته بوجود إمكانية متفائلة للتوصل إلى تسوية عن طريق التفاوض.

ولك أن تتخيل كيف نظر السوريون إلى لجنة التحقيق عندما اعترفت بأن الحكومة قتلت الآلاف من الناس وارتكبت انتهاكات ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية، ولكنها بعد ذلك كلّه أصرّت على أن الحل الوحيد هو الحوار بين الضحايا وآلة الأمن الدموية التابعة للدولة. وقد أعطى تكرار وجهة النظر هذه من قبل لجنة التحقيق في السنة والنصف الأولى من عملها الضوء الأخضر للأسد والأطراف الأخرى في الصراع بارتكاب الفظاعات دون وجود تداعيات. وبالتالي، لا عجب أن يفقد السوريون الثقة في منظومة الأمم المتحدة بأسرها بشكل سريع.

ومضى على عمل لجنة التحقيق ما يقرب من ست سنوات حتى الآن. وعلى الرغم من عدم اتفاقي مع التوصيات التي صدرت عنها في وقت سابق، فإنني سأكون مقصراً إذا لم أثنِ على لجنة التحقيق لجمعها كمية هائلة من التوثيق، بما في ذلك شهادات مباشرة هامة من الضحايا والشهود. وستكون تقارير لجنة التحقيق ذات أهمية حيوية لسجلّ سوريا التاريخي ويمكن أن تسهم في عمليات العدالة المستقبلية عندما تحدث. ولهذه الأسباب، عملنا في المركز السوري للعدالة والمساءلة مع لجنة التحقيق في عدة مناسبات وساهمنا بتقديم البيانات التي نملكها للمساعدة في التحقيقات التي أجرتها اللجنة، وسنواصل القيام بذلك في المستقبل. ولكننا سنستمر في انتقاد عمل لجنة التحقيق على أمل عدم تكرار نفس الأخطاء سواء في سوريا أو في أي نزاع آخر.

وحتى اليوم، وبعد تدهور الوضع من حيث حجم انتهاكات حقوق الإنسان ونوع الأسلحة المستخدمة، لا تزال لجنة التحقيق تنتظر الحكومة لتمنحها إذن الدخول إلى سوريا، وهو ما لم تمنحه الحكومة قط. بل حتى أن اللجنة لم تحاول الوصول إلى المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة أو سيطرة الإدارة الكردية. وكانت هذه فرصة ضخمة ضائعة لجمع الأدلة على الانتهاكات التي ارتكبتها جميع أطراف النزاع والتي كان بالإمكان أن تسهم في إنشاء سجل تاريخي أكثر قوة.

وليس المقصود من الانتقاد السابق التقليل من شأن العمل الشاق الذي قامت به لجنة التحقيق في توثيق الفظائع في بلدي. ولكن ليس من المستغرب شعور دي بونتي بالإحباط. بصفتي سوري وسجين سابق وناج من التعذيب ولاجئ، شعرت بالإحباط إزاء الأمم المتحدة قبل استقالة دي بونتي بفترة طويلة.

وفي كانون الأول/ديسمبر 2016، أنشأت الجمعية العامة للأمم المتحدة الآلية الدولية المحايدة والمستقلة للمساعدة في التحقيق مع المسؤولين عن ارتكاب أشد الجرائم خطورة في سوريا ومحاكمتهم. وبالنظر إلى الجمود الذي يعاني منه مجلس الأمن، فإنني أعتبر هذه الآلية بمثابة ملاذنا الأخير للعدالة والمساءلة، وآمل حقاً أن ترقى إلى مستوى الحدث.

محمد العبد الله ناشط سوري في مجال حقوق الإنسان، والمدير التنفيذي للمركز السوري للعدالة والمساءلة

رد

أضف تعليق

(إلزامي)