العقوبات الدولية ليست بديلاً للمساءلة في سوريا

أظهرت “أوراق بنما” أن الشركات والأفراد في القائمة السوداء، بمن فيهم ابن خال بشار الأسد رامي مخلوف، تجاوزوا العقوبات من خلال التعامل مع شركة المحاماة موساك فرانسيكا. | مصدر الصورة: بيكساباي

في 17 تموز/يوليو، فرض الاتحاد الاوربى عقوبات على 16 من المسؤولين السوريين متهمين بتمكين شنّ هجمات بالأسلحة الكيميائية. حيث أعلن وزير الخارجية البريطاني بوريس جونسون أن العقوبات ترسل “إشارة واضحة” إلى الحكومة السورية بأن هناك عواقب لأعمالها. ولكن، قبل شهر واحد فقط، صرح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون– وفرنسا هي عضو رئيسي في الاتحاد الأوروبي– أن تنحية بشار الأسد ليست شرطاً مسبقاً في سوريا لأنه “لم يُظهِر لي أحد خليفة شرعياً له”. وجاءت تصريحاته مخالفة لأهداف السياسة الخارجية لسلف ماكرون، فرانسوا هولاند، وللدول الأعضاء الأخرى في الاتحاد الأوروبي، مما أثار القلق من أن هذه الكتلة ليست موحدة في دعوتها لرحيل الأسد. والأهم من ذلك هو أن هذه الأنواع من البيانات تقوّض الفعالية الاستراتيجية للعقوبات وتجعل العقوبات تبدو وكأنها غاية في حدّ ذاتها بدلاً من أن تكون وسيلة لتحقيق العدالة الهادفة للضحايا في نهاية المطاف.

ولم يكن الاتحاد الأوروبي الجهة الغربية الوحيدة التي ترسل رسائل مختلطة. ففي نيسان/أبريل، فرضت الولايات المتحدة عقوبات على 271 موظفاً حكومياً سورياً اتهموا بتيسير هجمات كيميائية. وردّاً على عقوبات الاتحاد الأوروبي، ذكر متحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية أن العقوبات المشتركة بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي تُظهر “جهداً متواصلاً في المجتمع الدولي لمحاسبة نظام الأسد”. وعلى الرغم من هذا الخطاب، أشارت إدارة ترامب في آذار/مارس أن احتمال احتفاظ الأسد بالسلطة هو “واقع سياسي يجب أن نقبله”، وهذه وجهة نظر أكّدها وزير الخارجية ريكس تيلرسون في تموز/يوليو، بعد شهرين فقط من ادعاء الولايات المتحدة أن الحكومة السورية مسؤولة عن هجوم كيميائي في خان شيخون. وبذلك، فإن الولايات المتحدة– شأنها شأن فرنسا– توحي بأن العقوبات تُعتبر عقاباً كافياً على الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي، وبمجرد انتهاء الصراع، يمكن أن يستمر الأسد في العمل بصورة شرعية كرئيس لسوريا.

وتُعتبر العقوبات الاقتصادية أداة من أدوات الحكم، ويُنظر إليها على أنها طريقة غير عسكرية للإكراه و/أو العقاب عندما تُفرض على فرد أو كيان أو بلد ينظر إليه على أنه مخالِف. وقد لاقت العقوبات في القرن الماضي رواجاً باعتبارها بديلاً قوياً عن استخدام القوة العسكرية– بما في ذلك كوسيلة لتعزيز حقوق الإنسان. فقد فرضت إدارة كارتر عقوبات أمريكية لتعزيز أهداف حقوق الإنسان ظاهرياً في إثيوبيا والأرجنتين وأوروغواي، كما فعل الرئيس ريغان في بولندا. وفي الآونة الأخيرة، قام الاتحاد الأوروبي بتمديد عقوباته المفروضة على إيران بسبب انتهاكاتها المزعومة لقوانين ومعايير حقوق الإنسان، ودعا مجلس الأمن الدولي في شباط/فبراير إلى فرض عقوبات محددة على العديد من المسؤولين البورونديين بسبب “الانتهاكات الخطيرة المستمرة لحقوق الإنسان”.

وفي هذه الأثناء، اختلف المدافعون عن حقوق الإنسان بشأن ما إذا كانت العقوبات أداة فعالة وإنسانية. تشجب المنظمات والباحثون والسكان المتضررون على وجه التحديد العقوبات التعسفية التي تفرض قيوداً تجارية شاملة على البلد المستهدف. وخاصة بعد ظهور تقارير مفادها أن العقوبات التي فرضتها الأمم المتحدة منعت الغذاء والدواء من الوصول إلى المواطنين العراقيين العاديين في التسعينيات من القرن الماضي، فإن هذا النوع من نظام العقوبات يُعتبر ضرره أكثر من نفعه في حماية حقوق الإنسان. وساعد الانتقاد الحاد في تحويل التوجه نحو ما يسمى “العقوبات الموجّهة” التي تؤثر على الأدوات المالية أو العسكرية أو اللوجستية المتاحة لأفراد معيّنين أو كيانات معيّنة وليس على الاقتصاد الوطني والسكان عموماً. وعلى الرغم من أن العقوبات المستهدفة تعتبر أكثر إنسانية من العقوبات التعسفية، كثيراً ما يشكّك الباحثون في أنها غير فعالة في إجبار البلدان على تحسين سجلات حقوق الإنسان الخاصة بها. وتُعتبر ميانمار أحد الأمثلة على ذلك. فعلى الرغم من فرض الولايات المتحدة عقوبات موجّهة تهدف إلى الحدّ من انتهاكات حقوق الإنسان من قبل الحكومة والقادة العسكريين منذ ما يقرب من 30 عاماً– مما أفضى إلى إدراج أكثر من 100 من الأفراد والشركات على قائمة وزارة الخزانة الأمريكية بحلول عام 016 – إلا أن حقوق الإنسان لم تشهد تحسّناً في ميانمار، بل ازدادت سوءاً خلال هذه الفترة. ولم يتحقق تقدّم في مجال حقوق الإنسان إلا بفضل تعزيز المشاركة الدبلوماسية والتغييرات التي طرأت على قيادة الحكومة العسكرية في ميانمار.

أما بالنسبة لسوريا، فقد فرضت الولايات المتحدة عقوبات على مسؤولين سوريين في نيسان/أبريل 2011 لقاء انتهاكات حقوق الإنسان المرتكبة بعد الثورات العربية. ومنذ ذلك الحين، فرض الاتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية والعديد من الدول الأخرى عقوبات على المسؤولين والشركات. وفي عام 2012، فرضت الولايات المتحدة عقوبات على وجه التحديد للتصدي لاستخدام الأسلحة الكيميائية، وحذا الاتحاد الأوروبي حذوها في العام التالي. ولكن أياً من هذه الجهود لم يُجبر الحكومة السورية على إنهاء ما وصفته هيومن رايتس ووتش بالاستخدام واسع النطاق والمنهجي للأسلحة الكيميائية أو الأنواع الأخرى من الهجمات العشوائية التي غدت أبرز سمات الصراع السوري. وفي تقریر عام 2016، أکدت آلیة التحقیق المشترکة بین منظمة حظر الأسلحة الكیمیائیة والأمم المتحدة– المكلفة بتحدید المتورطین في استخدام الأسلحة الكيمیائیة في سوریا– أن الحكومة السوریة استمرت في استخدام الأسلحة الكیمیائیة، على الرغم من وجود الضغوط.

وإنّ ادّعاء زعماء الدول أن فرض العقوبات على مرتكبي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في سوريا يضعهم موضع مساءلة يوحي بأن العقوبات وحدها تحقق العدالة للسوريين. تعتبر العقوبات بالفعل شكل من أشكال المساءلة، لكنها مساءلة بعيدة كل البعد عن الضحايا. ففي حين أن المساءلة عن طريق العقوبات تحقّق مستوى ما من العقاب على الانتهاك، إلا أنها تفشل في فرض الحقيقة أو جبر الضرر الذي لحق بالضحايا أو منع تكرار الانتهاك. وعلاوة على ذلك، فإن الحكومة السورية الحالية سوف تجعل التحقيق في الانتهاكات ومحاكمتها أمراً صعباً، إن لم يكن مستحيلاً، وربما لن تشجّع الإصلاح المؤسسي الذي توجد حاجة ماسه إليه. فالعقوبات الموجهة دون إرادة سياسية مصاحبة لتشجيع العملية الانتقالية عن طريق التفاوض قد تضرّ مؤقتاً ببعض المصالح الاقتصادية للحكومة السورية، ولكنها لم ولن تمنع الحكومة من الاستمرار في استخدام الهجمات العشوائية كوسيلة حرب.

وفي حين تعمل العقوبات مؤقتاً على تجميد الأصول المالية لأطراف معينة وتقييد حركتهم، إلا أنه لا يمكن تحقيق العدالة بالعقوبات وحدها. وبالتالي، فإن اقتراحات رؤساء الدول بأن احتفاظ الأسد بالسلطة قد يكون أمراً مقبولاً يقوّض الهدف المعلن من العقوبات التي فرضوها. وإذا كانت المساءلة هي الهدف، فمن الضروري إصدار العقوبات بالاقتران مع رسالة واضحة ومتسقة مفادها أن المسؤولين الخاضعين للعقوبات قد فقدوا حقّهم في القيادة، وأنه يجب أن تُتاح لضحاياهم الفرصة في الحصول على الانتصاف.

لمزيد من المعلومات أو لتقديم الآراء وردود الأفعال، يرجى الاتصال مع المركز السوري للعدالة والمساءلة على info@syriaaccountability.org.

رد

أضف تعليق

(إلزامي)