غارات التحالف في سوريا والضحايا المدنيين

منزل الناشط وسيم عبده في الطبقة حيث قتلت أسرته  في غارة جوية أمريكية

في الوقت الذي تقاتل فيه قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، فإن قوات سوريا الديمقراطية، شريك قوات التحالف على الأرض، تحرز تقدّماً في الرقة. وبما أن العاصمة المزعومة والمعقل العسكري لتنظيم داعش تتداعى، فقد علق المدنيون في وسط القتال الشديد. وما بين آب/أغسطس 2014 ونيسان/أبريل 2017، قام التحالف بشنّ أكثر من 20 ألف غارة جوية في العراق وسوريا، ولكن منذ أن تولى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مهام منصبه في كانون الثاني/يناير، زاد عدد الغارات الجوية في سوريا بشكل ملحوظ مع أكثر من 2,800 غارة جوية خلال الأشهر الخمسة الماضية. ومع اقتراب القتال من المراكز السكانية مثل الرقة، فقد تسببت الضربات في وقوع خسائر في صفوف المدنيين. وفي حين أنه من الصعب التحقق من كل ادعاء بالوفاة بين المدنيين، فإن عدد المدنيين الذين أكّد التحالف أنهم قُتلوا في كل من العراق وسوريا ارتفع بنسبة 90% في الفترة من كانون الثاني/يناير إلى نيسان/أبريل بالمقارنة مع عام 2016 بأكمله. ووفقاً للإحصاءات التي جمعها موقع (Airwars)، في الفترة من كانون الثاني/يناير إلى حزيران/يونيو، كان هناك 977 بلاغاً عن وقوع إصابات في صفوف المدنيين غير مؤكدة ولكنها ذات مصداقية (“مستوى معقول من الإبلاغ العام عن وقوع حادث مزعوم من مصدرين أو أكثر من المصادر الموثوقة عموماً، وغالباً ما يكون ذلك مشفوعاً بأدلة السيرة الحياتية أو أدلة التصوير الفوتوغرافي أو الفيديو”)، وهي زيادة مهولة مقارنة بالعام السابق.

ومن خلال الإستراتيجية التي يتبعها التحالف بعزل داعش عن طريق قصف الجسور والإستراتيجية التي يتبعها تنظيم داعش باستخدام المدنيين كدروع بشرية، فقد أعاق القتال بشدة فرار المدنيين من الرقة. وفي بعض الأحيان، واجه أولئك القادرون على الفرار من المدينة نقصاً في الإمدادات الإنسانية. وقد أدّت الغارات الجوية المتزايدة وعدم كفاية الاستجابة الإنسانية والانتهاكات المزعومة من قبل قوات سوريا الديمقراطية وانعدام المساءلة إلى زيادة الاستياء بين السكان المحليين، الأمر الذي سيكون من الصعب التغلب عليه مع محاولة القوات المناوئة لتنظيم داعش استعادة الأمن في المنطقة. ففي العراق، على سبيل المثال، تسببت الخسائر في صفوف المدنيين بسبب الغارات الجوية للتحالف في حالة غضب في الموصل إلى درجة أنه في أواخر أيار/مايو، أوقفت القوات العراقية جهودها من أجل إعادة تقييم التكتيكات.

وقد تلقّت حملة القصف المستمرة انتقادات واسعة من قبل منظمات حقوق الإنسان الدولية مثل هيومن رايتس ووتش. وبموجب قواعد الاشتباك العسكرية الأمريكية، يجب على قوات التحالف أن تلتزم بقاعدة التناسب، التي تُلزم المقاتلين بالتخفيف من الأضرار المفرطة التي تلحق بالممتلكات والأعيان المدنية، والحيلولة دون وقوع إصابات أو وفيات غير معقولة بين المدنيين مقارنة بالمكاسب العسكرية المكتسبة من الإجراء. ويدّعي مسؤولون عسكريون أن التحالف يتّخذ احتياطات استثنائية لتجنب قتل المدنيين. وعلى الرغم من هذه التأكيدات، هناك أيضاً مؤشرات على أن التحالف يلتف على سُبُل الحماية المدنية القياسية للسماح بمرونة أكبر في العمليات العسكرية للتحالف. ففي منتصف أيار/مايو، أعلن مسؤولون عسكريون أمريكيون أنه بعد مراجعة شاملة لحملة التحالف لهزيمة داعش، فإنه سيتم تخفيف قواعد الاشتباك للسماح باتخاذ قرارات تكتيكية مثل الضربات الجوية من قبل القادة في الميدان. وفي حين ذكر وزير الدفاع جيمس ماتيس أنه “لم يطرأ أي تغيير على جهودنا الاستثنائية المستمرة لتجنّب وقوع إصابات بين المدنيين الأبرياء”، فإن التقارير الواردة من الميدان تشير إلى أن الأفعال تخالف الأقوال.

وفي الآونة الأخيرة، أجرى المركز السوري للعدالة والمساءلة مقابلة مع وسيم عبدو، ناشط كردي من الطبقة، وهي قرية تقع في محافظة الرقة. ووصف الآثار المروعة التي خلّفتها غارات التحالف على المدنيين. ففي مطلع أيار/مايو، أدت غارة جوية يُزعم بأن التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة نفّذها إلى تدمير المنزل الذي قضى فيه طفولته في الطبقة. وقد أصيبت ابنة شقيقه في الغارة الجوية وتمّ نقلها إلى مرفق طبي في كوباني، ولكن توفيت والدته ووالده وابن شقيقه نتيجة للغارة. وبعد 15 يوماً، وصلت معدّات ثقيلة أخيراً لحفر الأنقاض، وتم العثور على ثلاثة أفراد من عائلة وسيم ميتين. ووفقاً لوسيم، لم يكن هناك مقاتلين أو أسلحة في المجمع السكني أو في أي مكان قريب منه. وكناشط، كان وسيم ضد وجود داعش في الرقة – في الواقع، كانت تنظيم داعش قد اختطف شقيق وسيم في أيلول/سبتمبر 2013، وهو سبب بقاء عائلته في الطبقة، أملاً في لم شملهم مع ابنهم – لكنه يطالب بفهم السبب الذي دفع التحالف إلى قصف منزله، ويسعى وسيم إلى تحقيق العدالة لأسرته. ولا يمكن النظر إلى تجربة وسيم وعائلته بمعزل عن التجارب الأخرى. حيث يعيش أكثر من 400,000 مدني في محافظة الرقة في مناطق شديدة الخطورة.

وخلال حملته الانتخابية، تبجّح ترامب بأنه سيهزم داعش خلال أول 90 يوماً من توليه المنصب من خلال قصفهم “بلا هوادة”. وعلى الرغم من أن ترامب، بصفته رئيساً، تقيّده المهنية العسكرية للجيش الأمريكي وقوات التحالف، إلا أنه يبدو أن هناك ضغط متزايد على التحالف لاتّخاذ نهج أكثر صرامة من أجل الوفاء بالوعود التي قطعها في حملته الانتخابية. وتحذّر هيومن رايتس ووتش من هذا القرار في مبادئها التوجيهية الخمسة لتعزيز احترام القانون الدولي في محاربة داعش، والتي تدعو إلى تقييم جميع المخاطر المحيطة بالسكان المدنيين عند شن غارات جوية.

وليست الولايات المتحدة البلد الوحيد المسؤول في التحالف – إذ يجب على الأعضاء الآخرين أن يتحرّوا قدراً أكبر من المصداقية في احترام الامتثال للقانون الدولي والتحقيق في مزاعم وقوع خسائر في صفوف المدنيين، بدلاً من إنكار أي مزاعم بل وإنكارها جملة وتفصيلاً. وينبغي أيضاً تلبية هذه الدعوات لاحترام القانون الدولي بتهديد بالانسحاب من التحالف إذا لم يفِ بعض الأعضاء بهذا المعيار.

وکما سبق وأن کتب المركز السوري للعدالة والمساءلة، یجب علی قوات التحالف أن تشمل الاعتذارات العلنية وتعويضات المواساة في عملیاتھا عندما یصاب مدنیون أو یقتلون. وكان الجيش الامريكى قد أصدر مثل هذه الاعتذارات والتعويضات للضحايا وأسرهم فى حرب العراق. ولكن في سوريا جاءت ردود التحالف في كثير من الأحيان بعد تحقيقات متأخرة ناجمة عن إنكار وقوع خسائر في صفوف المدنيين. وهناك شكل آخر من أشكال الإقرار يتمثّل في إجراء تغييرات قوية في قواعد الاشتباك تعكس الدروس المستفادة من الإصابات المفرطة في صفوف المدنيين في ساحة المعركة. حيث أن مجرّد إعلان أن قواعد الاشتباك الحالية كافية سيترك الضحايا يتساءلون عمّا إذا كانت تظلماتهم تؤخذ على محمل الجد.

ويجب على التحالف أن يبني الثقة ويحافظ عليها مع المدنيين إذا أريد له أن ينشئ علاقة مع الشعب السوري يمكن أن تيسّر تحقيق الاستقرار والسلام الشامل. ويمكن للمساعدة التي تقدمها مؤسسات التوثيق ذات السمعة الطيبة أن تساعد في هذا الصدد عن طريق تيسير التحقيقات في وفيات المدنيين. ومن شأن التنسيق الفاعل والقوي للعمليات العسكرية للتحالف مع المجتمع المدني السوري المعني أن يضمن أيضاً قبولاً على المستوى المحلي كجزء من استراتيجية أوسع نطاقاً لتحقيق الاستقرار المدني والعسكري. والأهم من ذلك هو أن قوات التحالف تحتاج إلى أن تضرب مثالاً قوياً على أن مصالح الأمن القومي الأجنبية لن تقوّض حياة السكان المحليين وكرامتهم. وكما ذُكر مراراً وتكراراً من قبل المركز السوري وغيره من منظمات حقوق الإنسان، فإن هزيمة التطرف تتطلب تفكيراً طويل الأمد يتضمن أطر عمل قوية في المجال الإنساني وحقوق الإنسان، سواء أثناء القتال أو في إقامة الحكم ما بعد داعش.

 

رد

أضف تعليق

(إلزامي)