7 مسائل قانونية معقّدة تناولها المركز السوري للعدالة والمساءلة في تحليل البيانات

صورة لقاعدة بيانات المركز- يقوم فريق تحليل البيانات بوضع الوسوم والتصنيفات والروابط وكتابة الأوصاف لكل شخص أو وثيقة من الوثائق في قاعدة البيانات وفقا للمعايير الدولية. تعمل وظائف قاعدة البيانات باللغتين الإنجليزية والعربية.

يهدف المركز السوري للعدالة والمساءلة إلى تحقيق عدالة ذات معنى في سوريا. وللمساهمة في تحقيق هذا الهدف، تمّ تصميم أنشطة المركز لإنتاج قاعدة بيانات كاملة للتوثيق الشامل وعالي الجودة وقابل للاستخدام تم إعدادها لدعم آليات العدالة، سواء في قضايا المحاكم الحالية في أوروبا أو في عمليات العدالة الانتقالية المقبلة.

وكما تم تسليط الضوء عليه مؤخراً على إذاعة (NPR)، ونظراً لكمية التوثيق الكبيرة التي تأتي من سوريا، فإن إنشاء قاعدة بيانات للتوثيق القابل للاستعمال وقابل للبحث يتطلّب استثمارات كبيرة في التكنولوجيا وأدوات بيانات ضخمة. ولكن حتى أفضل الأدوات لا يمكن أن تحلّ بالكامل محلّ التحليل اليدوي. ويعمل فريق محلّلي بيانات المركز بلا كللٍ من أجل وضع وسوم وتصنيفات على التوثيق والربط بينه وبين الجهات الفاعلة، مما يمكّن من إنشاء ملفات القضايا والتحقيقات في أحداث محدّدة.*

ولكن ليس كل التوثيق الذي يصادفه محللو البيانات يتّسم بالبساطة والوضوح، فعلى مدى السنوات الثلاث الماضية من العمل، اضطر الفريق إلى النظر في العديد من المسائل القانونية والمنهجية المعقّدة ومحاولة إيجاد حلول لها. وفيما يلي بعض القضايا التي ظهرت، بسبب الطبيعة المعقدة ومتعدّدة الأوجه للنزاع السوري.

*يُرجى ملاحظة أن السمات والتصنيفات ليس المقصود منها أن تحدّد بشكلٍ قاطع ما إذا كانت جريمة حرب قد وقعت، بل يُقصد منها ببساطة تصنيف الحوادث وفقاً لانتهاكات محتملة وأطراف مسؤولة. وقد تكون بعض الحوادث الموثقة مشروعة تماماً بموجب القانون الدولي.

الحالة الأولى: الحصول على الرعاية الطبية. أصيب رجل بنوبة قلبية وكان يجري نقله إلى المستشفى. وفي الطريق، أوقفت القوات الحكومية سيارة الإسعاف عند نقطة تفتيش ومنعتها من المرور. مات الرجل نتيجة لذلك. فهل يجب أن نصنّف هذا الحادث بأنه قتل ونسمّي القوات الحكومية على أنها الجاني المزعوم؟

بموجب القانون الدولي الإنساني، يجب أن تكون الوحدات الطبية قادرة على نقل المرضى والجرحى، ووفقاً لقانون حقوق الإنسان، هناك احتمال بأن يكون الإجراء الذي اتّخذته الحكومة ينتهك حق الشخص في الحصول على الرعاية الطبية وحرية التنقل. حيث ستحدّد الوقائع المحددة للحالة ما إذا كان القانون الدولي الإنساني أو قانون حقوق الإنسان هو الذي ينطبق في هذه الحالة. وعلى الرغم من أن المركز السوري للعدالة والمساءلة لديه تصنيفات لمعظم انتهاكات القانون الدولي الإنساني، إلا أن اتّساع نطاق قانون حقوق الإنسان يجعل من الصعب شمول كل نوع من أنواع انتهاكات حقوق الإنسان في شجرة التصنيفات. وبالتالي، قررنا استحداث تصنيف يُسمّى “إصابات غير مباشرة/موت غير مباشر” وتسمية الحكومة على أنها “الجاني المزعوم”. ومن ثم يتم شرح تفاصيل حول الحادث في الحقل الخاص بوصف ملف تعريف للجهة الفاعلة.

الحالة الثانية: ولادة جنين ميت. بعد أن تعرّضت امرأة حامل لإصابة خلال اشتباكات قريبة، اضطرت للإجهاض ووُلِد الجنين ميتاً. نجت المرأة. فهل يجب أن ننشئ ملف تعريف فيما يخص الجنين وتصنيف الحادث بأنه “قتل”؟

بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان، لا تجب الحقوق للفرد إلا بعد الولادة، لذلك لا يمكن انتهاك حقوق الجنين. وعلى الرغم من أن القانون المحلي السوري يتبع مقاربة مختلفة، إلا أننا قرّرنا المحافظة على النّسق واستخدام القانون الدولي كمعيار. ونتيجة لذلك، لم نقم بإنشاء ملف تعريف جديد للجهة الفاعلة فيما يتعلق بالجنين. وبدلاً من ذلك، أضفنا تسمية تُدعى “ولادة جنين ميت” وأطلقنا هذا التصنيف على الملف التعريفي للأم.

الحالة الثالثة: نشطاء وسائل الإعلام. تعرض ناشط إعلامي لإطلاق نار أثناء تغطية الاشتباكات بين الجيش السوري الحر والقوات الحكومية. ويشير المصدر إلى أن الناشط كان مع إحدى الجماعات المسلحة في ذلك الوقت. كيف ينبغي تصنيف ملف التعريف لهذا الشخص؟

بموجب القانون الدولي الإنساني، يتلقّى الصحفيون الحماية أثناء النزاع. وينطبق الأمر نفسه على الصحفيين المنضوين تحت إحدى القوات المسلحة لتغطية القتال في ساحة المعركة. غير أن الحماية تنتهي إذا شارك الصحفي في الأعمال العدائية. وكثيراً ما يكون من الصعب أن نعرف من المعلومات التي نتلقّاها ما إذا كان الناشط الإعلامي في المقام الأول يعمل كصحفي أو كعضو في الجماعة المسلحة أو كان ببساطة يقوم بتغطية الاشتباكات لوسائط التواصل الاجتماعي في وقت فراغه. لذا قرّرنا معاملة جميع النشطاء الإعلاميين كمدنيين ما لم يكن هناك سبب للاعتقاد بخلاف ذلك، ولكننا نستخدم وسم “الصحفي” إذا كانت هناك معلومات تفيد بأن الشخص هو مراسل أو صحفي محترف.

الحالة الرابعة: محاكم الجماعات المسلحة. تقوم محاكم جديدة بملء الفراغ القضائي في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة. وعلى الرغم من أن قضاة هذه المحاكم ليسوا متورطين مباشرة في القتال، إلا أنهم غالباً ما ينتمون إلى جماعات مسلحة ويصدرون أوامر بالقرب من ساحة المعركة لإلقاء القبض على أشخاص تأسرهم الجماعات المسلحة وتصدر أحكاماً عليهم وتعدمهم. فهل ينبغي تصنيف القضاة الذين يُصدرون هذه الأوامر بأنهم “مدنيون” أم “مقاتلون”؟

تُعتبر هذه مسألة في غاية التعقيد. عندما واجهنا حوادث مماثلة للمرة الأولى، عرفنا أننا سوف نستخدم وسوم مثل “الاعتقال” و “الإعدام بإجراءات موجزة (أو الإعدام التعسّفي)” لمثل هذا الحادث، ولكننا لم نكن متأكدين من كيفية وسم الجاني المزعوم. فعلى الرغم من أن القضاة ينتمون إلى جماعات مسلحة، إلا أنهم ليسوا مقاتلين ما لم يكونوا قد استخدموا السلاح في ساحة المعركة. ولهذا، فإننا نصنّف القضاة على أنهم “مدنيون”، ولكننا نعتبر الجماعة المسلحة التي يتبعونها بأنها “جاني مزعوم” مع ملاحظة أن محكمة سويدية حكمت مؤخراً على ما إذا كانت عمليات الاعتقال والإعدام هذه تشكل جرائم حرب، ممّا يحدّ بشكل كبير من شرعية هذه المحاكم؛ ومع ذلك، فقد انتقد بعض الباحثين القانونيين قرار تلك المحكمة السويدية.

الحالة الخامسة: التجنيد القسري. يوجد في سوريا خدمة عسكرية إلزامية لجميع الرجال، مع بعض الاستثناءات. وفي مواجهة نقص أعداد المقاتلين منذ اشتداد وتيرة النزاع، دأبت الحكومة على اعتقال الرجال غير المجنّدين وأمرهم بالقتال، حتى لو ادّعوا أن لديهم إعفاء أو أنهم قد أكملوا فترة خدمتهم بالفعل. فهل يجب أن نصنّف هذه الحوادث على أنها “تجنيد قسري”؟

كدولة ذات سيادة، يحق لسوريا تجنيد جنود للخدمة في قواتها المسلحة وفقاً لقانونها المحلي، لذلك، بخلاف قوى المعارضة، لا يمكن أن تُتهم الحكومة السورية بالتجنيد القسري. وبدلاً من ذلك، نقوم بتقييم ما إذا كان هناك انتهاك للإجراءات القانونية الواجبة لأنه حتى بموجب القانون المحلي السوري، ينبغي أن تتاح للشخص المعتقل الفرصة للطعن في أساس التجنيد. حيث كانت هناك مزاعم بأن الحكومة تقوم ببساطة باعتقال الرجال، بغضّ النظر عن إعفاءاتهم الفردية، ومعاقبتهم من خلال أساليب التعذيب، ومن ثمّ إرسالهم إلى ساحة المعركة. فإذا أشارت بياناتنا إلى استخدام هذه الأنواع من الأساليب، فإننا نصنّف الحادث بأنه “اعتقال” ونضيف عليه وسم التعذيب. وبخلاف ذلك، فإننا لا نضيف أيّ وسوم.

الحالة السادسة: الهجمات العشوائية. القنابل الفراغية تستخدم الأكسجين من الهواء المحيط لخلق انفجار شديد، ذي حرارة عالية. ومن غير القانوني إنتاج أو استخدام هذا النوع من الأسلحة، ولكن في الحرب السورية، كانت هناك تقارير تفيد بأن القنابل الفراغية قد أسقطت في مناطق مدنية. هل ينبغي أن نصنف هذه الحوادث بأنها هجمات عشوائية؟

وضع وسوم للأسلحة يشكّل واحداً من أكبر التحديات لفريق محللي البيانات. فغالباً ما يكون من الصعب تحديد أنواع الأسلحة من شريط فيديو دون مساعدة من خبراء. ونتيجة لذلك، يجب أن نعتمد على المعلومات من المصدر ما لم يكن لدينا سبب للشك في مصداقية المصدر.

ويتم وسم الأسلحة المحظورة بشكل تلقائي، ولكن بعض الأسلحة قانونية، ولا تصبح غير قانونية إلا بكيفية استخدامها في ساحة المعركة. ولم يكن فريقنا مطّلع على الأسلحة الفراغية في المرة الأولى التي ظهرت في بياناتنا. وبعد إجراء بحث كبير، علمنا بأن القنبلة موجّهة ولكنها تسبب أضراراً كبيرة تتجاوز النقطة التي تقصفها ولا يمكن استخدامها بطريقة محدودة لمنع وقوع أضرار جانبية مفرطة. وهكذا، عندما تكون هناك معلومات تفيد بأن القنبلة استُخدمت في منطقة مدنية مأهولة بالسكان، فإننا نسم الحادث بأنه عشوائي، واستحدثنا تسمية جديدة في إطار شجرة “الأسلحة” تدعى “أسلحة فراغية” لوصف هذا النوع من القنبلة.

الحالة السابعة: الدروع البشرية. يقوم ضابط حكومي بإجبار رجل على تحميل صواريخ وذخائر في سيارته لنقلها من بلدة إلى أخرى. وفي الطريق، شنّت المعارضة هجوماً على السيارة وتُوفي الرجل نتيجة لذلك. هل تُعتبر هذه حالة تم فيها استخدام درع بشري؟ أي من الطرفين مسؤول عن وفات الرجل؟

على الرغم من أن هذا الوضع مختلف بعض الشيء عن الحوادث الاعتيادية التي يتم فيها استخدام الدروع البشرية، حيث يقوم الجاني بوضع المدنيين جسدياً في وسط إطلاق النار لردع الهجمات، إلا أننا قررنا تصنيف هذه القضية على أنها “استخدام درع بشري” لأن الحكومة عمدت مع سبق الإصرار إلى وضع مدني في ووضع خطير للحيلولة دون مصادرة مخزونها من الأسلحة. وقد أطلقنا على كل من قوى المعارضة والحكومة مسمّى “الجاني المزعوم” وشرحنا الوضع بالتفصيل في الحقل الخاص بالوصف.

رد

أضف تعليق

(إلزامي)