التخطيط للحكم في مرحلة ما بعد النزاع في الرّقة

مقاتلون تابعون لقوات سوريا الديمقراطية في منبج. الصورة من فليكر لـ: Kurdishstruggle

في 9 أيار/مايو، وكجزء من الجهود المبذولة لاستعادة مدينة الرقة من سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، قررت الولايات المتحدة تسليح العناصر الكردية التابعة لقوات سوريا الديمقراطية. وبحسب ممثلين عن قوات سوريا الديمقراطية، فإنه بمجرد تحريرها، سوف يؤول الحكم إلى مجلس الرقّة المدني، وهو جهاز إدارى يتكون في أغلبه من الكُرد والعرب. وبينما قدّم مسؤولون كُرد تأكيدات بأن هذه المجالس المدنية ستجسّد “التعايش والأخوّة بين الشعوب”، فإن مثل هذه التصريحات يسهل قولها أكثر من فعلها. ففي سوريا، كانت التوترات العرقية قائمة قبل فترة طويلة من اندلاع تظتهرات عام 2011، ولكنّها ازدادت حدة في السنوات الأخيرة. ولن يكون دعم الجهود العسكرية العربية والكردية المشتركة وحده كافياً لتهدئة العداء بين المجموعات العرقية في الرقة؛ إذ يجب على المجتمع الدولي أن يضع خطة للحكم ما بعد التحرير والتعاون فيما بين الأعراق من أجل تفادي احتمال نشوب نزاع في المستقبل. وكما تُثبت النزاعات التاريخية والمعاصرة، غالباً ما تدوم التوترات العرقية بعد انتهاء النزاعات، ولاسيما إذا لم يتم معالجة الأسباب الجذرية للتوتر بطريقة مجدية.

 

تاريخ عنيف للتوتر العرقي

 إبان قيام قوات كردية بتحرير مناطق في شمال سوريا من سيطرة داعش، تم إنشاء مجالس مدنية لملء الفراغ الموجود في الحكم. وقد حققت هذه الهياكل الحاكمة نجاحاً متوسطاً. ففي منبج، التي حررتها قوات كردية في عام 2016، تدّعي تقارير بأن المجلس المدني الذي تشكّل حديثاً يتكون من تمثيل متناسب لقادة عرب وكُرد وتركمان. ولكن المجالس التمثيلية وحدها لم تكن كافية لمعالجة الانقسامات الاجتماعية القائمة.

عبر التاريخ، حرمت الحكومة السورية الكرد من التمتع بالحقوق والحصول على الخدمات. وقد ساهم تعداد السكان الذي أجرته الحكومة في عام 1962 في محافظة الحسكة في سحب الجنسية من أكثر من 300 ألف كردي. منذ ذلك الوقت، وقبل 2011، طالبت جماعات سياسية كردية الحكومة السورية بمعالجة ذلك من خلال الاعتراف بالكرد كهوية وطنية. لم تستجب الحكومة السورية لهذه المطالب إلا في شهر تشرين الأول/أكتوبر 2011، حيث لبت الحكومة هذا الطلب جزئياً؛ ومع ذلك، بقي نحو 80,000 كردي سوري بلا جنسية.

وبالنظر إلى هدف التحالف الدولي لإلحاق الهزيمة بتنظيم داعش بأسرع ما يمكن، فقد قلبت الولايات المتحدة وغيرها الطاولة في وجه ديناميكيات السلطة السابقة من خلال دعم القوات الكردية، مما تسبب في حالة من الاستياء في أوساط العرب الذين يعيشون في المناطق المحررة حديثاً. وفي حين أن بعض العداء يقوم على عداوة عرقية تاريخية، فقد تم كذلك تبرير الخوف والغضب بوجود أدلة على الفظائع التي ارتكبتها القوات الكردية؛ فقد اتهمت منظمة العفو الدولية، على سبيل المثال، وحدات حماية الشعب الكردية وقوات الشرطة المحلية، (الأسايش)، بالتهجير القسري للعرب والتركمان. وقد أدى هذا الاستيلاء على الأراضي إلى استفحال وجهات نظر أفراد من العشائر العربية مفادها بأن الكرد يستملكون بصورة غير عادلة أراضي زراعية قيّمة.

 

التعلم من النزاعات الأخرى

إن التغلب على الشقاق القائم بين الطوائف والأعراق في الرقة لن يكون سهلاً ولكنه ضروري لتحقيق الاستقرار على المدى الطويل. وفي حين أن عملية عدالة ومصالحة انتقالية واسعة النطاق لن تكون ممكنة على الفور في الوقت الذي يستمر فيه القتال، فإنه يمكن تكييف الدروس المستفادة من سياقات أخرى في مرحلة ما بعد النزاع لتنسحب على السياق الخاص بالرقّة.

ويُعتبر العراق مثالاً رئيسياً على تداعيات رعاية هياكل حكم جديدة في سياق ما بعد النزاع دون التصدي للتوترات الإثنية والطائفية التاريخية. إذ دعمت الولايات المتحدة، اعتباراً من عام 2006، الحكومة التي يهيمن عليها الشيعة برئاسة رئيس الوزراء نوري المالكي؛ وفي ذلك الوقت، تحوّلت الأهداف العسكرية الأمريكية في العراق بشكل متزايد نحو قتال تنظيم القاعدة. ومع غياب آليات المساءلة لمراقبة المحسوبية والتحقيق في الفظائع، حُرِم السنة من الخدمات الحكومية وأخرجوا من ديارهم. وقد أثار مسؤولو السياسات مثل مستشار الأمن القومي السابق ستيفن هادلي مخاوف من تزايد الأعمال الطائفية في العراق، ومع ذلك فقد تمّ تجاهل تلك التحذيرات إلى حدٍ كبير. ولم تكن الولايات المتحدة قوية في إدانة هذه الممارسات لأنها كانت بحاجة إلى دعم الحكومة العراقية لتنفيذ عمليات عسكرية مستمرة ضد التطرف – التطرف الذي أجّجته الممارسات التمييزية للحكومة المركزية. وفي الآونة الأخيرة في الموصل، تغاضى التحالف المناهض لتنظيم داعش مراراً وتكراراً عن الانتهاكات التي ارتكبتها القوات المسلحة العراقية والميليشيات الشيعية لأن النجاح في استئصال داعش كان يُعتبر الأولوية الكبرى. وقد نشرت مجلة دير شبيغل هذا الأسبوع صوراً مروعة التقطها مصور صحفي لمعتقلين يتعرضون للتعذيب في منشأة تديرها قوات الطوارئ في العراق في الموصل.

 

مخطط للحكم

لتجنّب مصير مماثل في الرقة، لا تستطيع قوات سوريا الديمقراطية والمجالس المدنية أن تتصرف بدون قيود. ويُعتبر إشراك العرب والكرد في المجلس خطوة أولى، ولكن لا ينبغي أن يُنظر إليها على أنها السمة المميزة الوحيدة لشمول الجميع. حيث يمكن وضع برامج للمصالحة على نطاق صغير لإصلاح الانقسام الاجتماعي، ولكن أكبر تقدّم سيتم إحرازه هو عندما يشعر السكان المحليون بأن احتياجاتهم يتم تلبيتها، وأن هناك مساءلة محلية لقاء الممارسات التمييزية وانتهاكات حقوق الإنسان. ويجب توزيع الخدمات بالتساوي بين السكان بغضّ النظر عن الانتماء الإثني، ويجب التحقيق في الشكاوى ومعالجتها دون تحيّز. وسيتعيّن على التحالف المناهض لتنظيم داعش أن يواصل القيام بدور في دعم هذه العملية ورصد الوضع عن طريق الإدانة الصريحة ودون أي تحفّظ للممارسات السيّئة.

ويجب على المجتمع الدولي أن يتعلّم من نزاعات أخرى من خلال ممارسة ما يكفي من الضغط على القوات الكردية لتسمح بمشاركة سياسية لجميع المدنيين. ويجب أن تكون الهياكل الحاكمة بمثابة وسائل لحوار وتعاون حقيقيّين فيما بين الإثنيات المختلفة. ومن الممكن أن تكون الرقة نموذجاً للحكم ما بعد داعش، ولكن على الرغم من صعوبة الوضع في العراق، ستكون الرقة أكثر صعوبة نظراً للافتقار إلى حكومة مركزية متعاونة في دمشق. وعلى الرغم من التحديات، تُعتبر الرؤية والتخطيط الحذر على المدى الطويل أمرين أساسيين لضمان عدم امتداد جذور داعش أو فصائل متطرفة أخرى مرة ثانية في المنطقة، مما يؤدي إلى تجدّد النزاع.

 

رد

أضف تعليق

(إلزامي)