حصاد عام على التدخل العسكري الروسي في سوريا

 

vladimir_putin_and_bashar_al-assad_2015-10-21
“لقاء الرئيس السوري بشار الأسد والرئيس الروسي فلاديمير بوتين في موسكو لمناقشة العمليات العسكرية في سوريا”. المصدر: ويكيميديا كومنز

يصادف 30 أيلول/سبتمبر 2016 الذّكرى السّنوية الأولى للتدخل العسكري المباشر لروسيا في النزاع السوري. وعلى الرغم من اعتقاد العديد من المتابعين في البداية أن المحاولات الأخيرة للتوسط في عملية السلام ستنجح نظراً للنفوذ الذي تتمتّع به روسيا على الحكومة السورية، إلا أن الأمر لم يؤل إلى هذا الحال. فقد عطّلت روسيا عملية السلام من خلال نقضها الفعلي لالتزاماتها الشفهية لإحلال السلام في سوريا ودعم إجراءات الرئيس بشار الأسد عسكرياً وسياسياً من خلال مجلس الأمن الدولي. وفيما يلي نماذج على خمسة إجراءات اتّخذتها روسيا وباتت تشكّل عقبات في طريق السلام:

  1. شجّعت روسيا الهجمات على المدنيين وزادت من وتيرتها

يُعتبر القانون الإنساني الدولي الإطار التوجيهي للإجراءات التي يتم اتّخاذها خلال الحرب، بما في ذلك معاملة المدنيين وأولئك الذين توقّفوا عن المشاركة في الأعمال العدائية. وقبل التدخل الروسي المباشر، وجهت الاتهامات إلى الحكومة السورية بارتكاب العديد من الانتهاكات للقانون الإنساني الدولي، من قبيل استهداف المستشفيات والسكان المدنيين، والتهجير القسري للمدنيين، واستخدام الأسلحة الكيميائية. وبدلاً من حثّ الحكومة السورية على مزيد من الالتزام، فقد فاقمت روسيا من شدة الانتهاكات السورية. وبُعَيد دخول روسيا في النزاع على الفور تقريباً في تشرين الأول/أكتوبر 2015، على سبيل المثال، استهدفت الغارات الجوية التي شنّتها ستة مرافق طبية، ومنذ ذلك الحين قالت منظمات حقوق الإنسان بأن الأزمة الصحية قد غدت أسوأ بسبب التدمير المستمر للمرافق الصحية. وعلاوة على ذلك، لطالما دعمت روسيا التكتيك الذي تتبعه الحكومة السورية في التهجير القسري المنهجي، مثل الدعوة إلى إنشاء ممرات إنسانية للمدنيين للضغط على المدنيين في شرق حلب لمغادرة المنطقة أو يكونوا عرضة للهجمات.

وبالإضافة إلى ذلك، قامت هيومن رايتس ووتش بتوثيق استخدام الذخائر العنقودية — المحظورة بموجب القانون الدولي عند استخدامها في المناطق المدنية نظراً لطبيعتها العشوائية — خلال هجوم سوري روسي مشترك أسفر عن مقتل 35 مدنياً على الأقل. وبالإضافة إلى ذلك، كشفت البث التلفزيوني لوسائل إعلام روسية أسلحة حارقة محمّلة على متن طائرات عسكرية روسية متجهة إلى سوريا. وقد صُمّمت هذه الأسلحة لإشعال النار في الأشياء أو التسبّب في حروق للأشخاص مما يشكّل انتهاكاً مباشراً للاتفاقية المتعلقة بحظر أو تقييد استعمال أسلحة تقليدية معينة، وروسيا هي إحدى الدول الموقعة عليها.

ودافعت روسيا أيضاً عن استخدام سوريا لأسلحة محظورة. ففي آب/أغسطس، خلص تقرير حول الأسلحة الكيميائية صادر عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة إلى أن الحكومة السورية نفّذت تسع هجمات بأسلحة كيميائية في سوريا بين نيسان/أبريل 2014 إلى آذار/مارس 2015. وعلى الرغم من أن الأمم المتحدة وقوى دولية أخرى ضغطت من أجل فرض عقوبات والقيام بتحرّك من قبل مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، بما في ذلك إحالة الوضع في سوريا إلى المحكمة الجنائية الدولية، فقد تم مقابلة هذه الجهود بمقاومة من قبل روسيا.

  1. خلطت روسيا بين الهجمات على المدنيين ومكافحة الإرهاب

على غرار الحكومة السورية، فقد برّرت روسيا العديد من الهجمات المذكورة آنفاً بذريعة مكافحة الإرهاب. وباستخدام تعريف الحكومة السورية الفضفاض للإرهاب الذي يخلط بين المدنيين والإرهابيين، واصلت روسيا شنّ غارات جوية عشوائية داخل سوريا. واستخدمت أيضاً هذا التفسير لتبرير دعمها للأسد في الأمم المتحدة واستمرار تزويد سوريا بالأسلحة. وانعكست هذه النوايا أكثر في اتفاق وقف إطلاق النار بوساطة أمريكيةـ روسية في شهر شباط/فبراير، والذي فشل في تعريف “الجماعات الإرهابية” أو وضع خرائط تحدّد المناطق التي تتواجد فيها جماعات إرهابية. وفي ظل الجولة الثانية من هذا الإطار أفادت تقارير بقيام طائرات روسية بقصف إحدى قوافل الأمم المتحدة التي كانت في طريقها لإيصال المساعدات إلى ما يقرب من 78 ألف مدني في الجزء الشرقي من حلب. وقُتل 20 شخصاً على الأقل في الهجوم، الذي إذا تبيّن أنه متعمّد، فإنه سيُعتبر جريمة حرب. وإن نفي روسيا ورفضها الاعتذار على الرغم من العديد من الشهود ومقاطع الفيديو التي توثّق دورها في الهجوم يبرهن افتقارها لحسن النية في التخفيف من حدة الأزمة الإنسانية أو النهوض بعملية السلام. وعلى الرغم من قيام الحكومة السورية بمنع وصول المساعدات في الماضي، إلا أنها لم تصل إلى حدّ اتخاذ تحرّك ضد قافلة مساعدات إنسانية كانت تحاول الوصول إلى مدنيين محاصرين.

 

بعد تصريحات وزير الخارجية الأمريكية جون كيري ووزير الخارجية البريطاني بوريس جونسون أن روسيا تسعى إلى حل في حلب مماثل لذلك الذي استخدمته في غروزني، أصدرت السفارة الروسية في واشنطن تدوينة على تويتر (أعلاه) رداً على ذلك. التدوينة تنشر صوراً لمدينة غروزني الشيشانية، والتي كانت روسيا قد دمّرت العاصمة الشيشانية غروزني بضربات صاروخية بالستية، وتقول أن “غروزني مدينة آمنة، حديثة ومزدهرة. أليس هذا ما نريده جميعاً لحلب؟”

 

  1. جعلت روسيا عملية السلام في غاية التعقيد

في سوريا، شارك المئات من الجماعات المسلحة في الأعمال العدائية، وكثير منها يسيطر على أراضي، ويمارس نفوذاً عسكرياً و/أو سياسياً. ومما يزيد الطين بلة، هناك العديد من القوى الخارجية أيضاً المشاركة بشكل مباشر أو غير مباشر في دعم فصائل وأطراف مختلفة. وكان تشكيل الهيئة العُليا للمفاوضات محاولة لتوحيد المعارضة وجلب الداعمين الدوليين والفصائل المتقاتلة الى طاولة المفاوضات. وبدلاً من قبول هذا الاندماج، قامت روسيا بتعقيد العملية للغاية من خلال دعم جماعات بديلة، مثل مجموعة موسكو ومجموعة القاهرة ومجوعة الأستانا — ولا يُنظر إلى أيّ منها على أنها ممثلة، ويُعتبر كثير منها موالية لروسيا. وقد أدّى هذا إلى إشعال فتيل منافسات داخلية ضمن المعارضة، ممّا سمح لروسيا أن تضرب المجموعات المختلفة ببعضها البعض حول مسألة إذا ومتى وكيف يتعيّن على الرئيس الأسد التنحّي عن السلطة، مدعية أنه لا توجد مجموعة واحدة تمثل مصالح جميع السوريين.

  1. قوّضت روسيا إطار الانتقال السياسي بقيادة سورية

بعد مضيّ ستة أسابيع من تدخلها العسكري في سوريا، أصدرت روسيا وثيقة بعنوان “مقاربة لتسوية الأزمة السورية” التي حدّدت أهداف روسيا وإستراتيجياتها لحل النزاع. وبعد ذلك، في ربيع 2016، بدأت روسيا بالعمل مع الولايات المتحدة لصياغة دستور جديد لسوريا. ولم يكن هذا العمل سابق لأوانه فحسب، بل وشكّل خطراً على إمكانية حدوث عملية إصلاح مؤسسي بقيادة سورية، بدءاً من الإصلاح الدستوري لمعالجة إرث سوريا من الاستبداد وانتهاكات حقوق الإنسان. ومن شأن الدستور الذي تصوغه روسيا أن يفتقر إلى معطيات من السوريين ولن يستجيب بشكل مناسب لاحتياجات المواطنين السوريين لتأسيس إطار دستوري متين يمكن أن تهتدي به سوريا في مرحلة ما بعد النزاع. ومن خلال محاولتها صياغة نسختها الخاصة لدستور لسوريا، تعمل روسيا كذلك على تقويض نصّ قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 2254، والذي “أعرب عن تأييده لعملية سياسية بقيادة سورية”.

  1. خفضت روسيا من احتمال وجود آلية عدالة دولية لسوريا

خفّضت مشاركة روسيا في الأعمال العسكرية بشكل كبير من إمكانية إنشاء أي آلية عدالة دولية لسوريا. وبصفتها عضو في مجلس الامن الدولي وتتمتع بحق النقض (الفيتو)، فقد وفّرت روسيا بالفعل الحماية لحليفتها عن طريق عرقلة قرار يقضي بإحالة الوضع السوري إلى المحكمة الجنائية الدولية. وعلى الرغم من معارضة روسيا، كان لا يزال بمقدور المجتمع الدولي الضغط على روسيا سياسياً للسماح بإحالة الأمر إلى المحكمة الجنائية الدولية أو ربما إنشاء محكمة دولية مختلطة. ولكن الآن بعد تورّط روسيا عسكرياً ومع وجود مزاعم حول مسؤوليتها عن ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، فمن المستبعد جداً أن توافق روسيا على أي شكل من أشكال المساءلة الجنائية الدولية التي قد تؤدّي إلى اتّهام  قياداتها أو أفرادها العسكريين. ومع الدعم الثابت الذي ما فتئت روسيا تقدّمه إلى سوريا ومصلحتها في تجنّب المسؤولية الجنائية، فقد وصل المجتمع الدولي الآن إلى طريق مسدود. وفي حين أن مكونات أخرى من العدالة الانتقالية قد تكون لا تزال ممكنة، مثل جبر الضرر للضحايا والإصلاح المؤسسي، فإن العنصر الأساسي لإطار العدالة الانتقالية الشامل- المساءلة الجنائية- قد بات أكثر صعوبة من أي وقت مضى.

لمزيد من المعلومات أو لتقديم الآراء وردود الأفعال، يرجى إرسال بريد إلكتروني إلى المركز السوري للعدالة والمساءلة على info@syriaaccountability.org.

رد

أضف تعليق

(إلزامي)