مكاسب المقاتلين خسائر للأمم المتحدة في حلب

مقاتلو المعارضة يقودون شاحنات مساعدة غذائية من إدلب إلى شرق حلب بعد كسر الحصار عن حلب في 6آب/ أغسطس | الصورة لـ: خالد سلامة
مقاتلو المعارضة يقودون شاحنات مساعدة غذائية من إدلب إلى شرق حلب بعد كسر الحصار عن حلب في 6 آب/ أغسطس | الصورة لـ: خالد سلامة

ارحلوا أو موتوا جوعاً!” هكذا وصفت المعارضة السورية اقتراح روسيا بإنشاء ممرات إنسانية في حلب للسماح للمدنيين بالفرار قبل زيادة الضربات الجوية. بحلول نهاية شهر تموز/يوليو، نجحت القوات الحكومية السورية، بدعم من روسيا، بمحاصرة المناطق التي تسيطر عليها المعارضة في شرق حلب مما أدى إلى حصار حوالي 300,000 من السكان. وحسب تقديرات الأمم المتحدة فإن الإمدادات الغذائية والطبية في هذه المناطق لن تدوم أكثر من أسبوع إلى ثلاثة أسابيع مع عواقب إنسانية وخيمة. وإن الإنذار النهائي- إما البقاء وتحمّل القصف الجوي والتجويع أو الهروب إلى الجانب الغربي من المحافظة الواقع تحت سيطرة الحكومة- يرقى إلى تهجير قسري وهو فعل محظور بموجب القانون الإنساني الدولي. ولكن قبل بدء العمل بالممرات الإنسانية، تمكّن تحالف من فصائل المعارضة بما فيها أحرار الشام وجيش الفتح وجبهة فتح الشام (جبهة النصرة سابقاً) من كسر الحصار، وجلب شاحنات تحمل إمدادات غذائية. وعلى الرغم من الشعور بالارتياح الذي جلبته هذه الشاحنات الغذائية للمدنيين في هذه المنطقة، فإنه من الصعب التغاضي عن حقيقة أن من يُطلَق عليهم اسم “محرّرين” متّهمون بارتكاب العديد من انتهاكات حقوق الإنسان في الماضي. وإن رمزية وصول المساعدات الى المناطق المحاصرة من خلال هؤلاء المقاتلين بدلاً من وصولها من خلال الأمم المتحدة قد أثّر سلباً على صورة الأمم المتحدة بين السوريين، ويمكن أن يعرّض عملية السلام للخطر.

قبل أن ينتهي الحصار، أصدرت الحكومتان الروسية والسورية بياناً للأمم المتحدة تعلنان فيه عن إنشاء أربعة ممرات إنسانية، ثلاثة للمدنيين وواحد للمقاتلين المسلحين من فصائل المعارضة. وعلى الرغم من الضمانات التي قدّمتها الحكومة السورية بأن الممرات ستكون آمنة، إلا أن سكان حلب أطلقوا عليها اسم “ممرات الموت” لأنهم كانوا يخشون أن الحكومة ستستهدف كل من يحاول الاستفادة من الممرات إما بشنّ غارات جوية أو اعتقالات. بل ذهبت المعارضة السورية إلى حدّ مقارنة إستراتيجية سوريا بغروزني، حيث ألقت روسيا منشورات لإبلاغ المدنيين الشيشان بوجود ممرات إنسانية ومنح الناس فترة وجيزة للفرار، لتقوم بعد ذلك بقصف المدينة وتسويتها بالأرض.

وكما ورد في مادة سابقة للمركز السوري للعدالة والمساءلة “يُحظر قطعياً النقل القسري للسكان بموجب القانون الدولي”. وعلى الرغم من أن هذه الحادثة من التهجير القسري للناس على وجه التحديد لا تهدف إلى تغيير التركيبة الطائفية في المنطقة، إلا أنها لم تسمح للمدنيين باختيار البقاء بأمان في منازلهم. حيث يشترط القانون الإنساني الدولي على طرفي الصراع منع النزوح الناجم عن الأعمال غير المشروعة التي يرتكباها. وعلاوة على ذلك، حيثما يوجد تهجير قسري على نطاق واسع ومنهجي، فإن نظام روما الأساسي  للمحكمة الجنائية الدولية يصنّف هذه الأعمال بأنها جرائم ضد الإنسانية. وفي 2 آب/أغسطس، أصدرت مؤسسة انقذوا الأطفال، مع 34 منظمة إنسانية أخرى بياناً يُدين الاقتراح: “العملية الإنسانية الحقيقية لا تجبر أهل حلب على الاختيار بين الفرار إلى أحضان مهاجميهم أو البقاء في منطقة محاصرة تحت القصف المستمر”. وأكد روبرت مارديني، مدير قسم الشرق الأوسط في اللجنة الدولية للصليب الأحمر (ICRC)، أنه ينبغي التخطيط بعناية لتلك الممرات وأن إنشاءها لا يعفي من مسؤولية حماية المدنيين — أولئك الذين يختارون البقاء يجب أن تتم حمايتهم والسماح لهم بالحصول على المساعدات الإنسانية.

وجاء ردّ الأمم المتحدة على الاقتراح متبايناً. فعلى الرغم من أن المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى سوريا ستيفان دي ميستورا أعرب عن تأييده لإنشاء ممرات إنسانية، إلا أنه حثّ روسيا على ترك هذا الأمر للأمم المتحدة. واتّخذ وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية موقفاً أقوى بالتنديد صراحة بالاقتراح ودعوة مجلس الأمن الدولي إلى اتخاذ موقف أكثر تشدّداً بشأن الأزمة الإنسانية. غير أن وثيقة داخلية في الأمم المتحدة بشأن الاقتراح تشير إلى أن بعض مسؤولي الأمم المتحدة ينظرون بجدية في اقتراح روسيا، مما يثير مخاوف أكبر بين السوريين أن الأمم المتحدة ليست في وضع ذي مصداقية للتفاوض من أجل الإغاثة الإنسانية. وطوال عملية التفاوض في جنيف، فشلت الامم المتحدة في إنهاء الحصار أو التوسط في مبادرات بناء ثقة ذات مصداقية من شأنها أن تعود بفوائد جمّة على المدنيين. وبدلاً من ذلك، تولّت الجماعات المسلحة هذا الدور، لتصبح بذلك مسؤولة عن إمدادات كبيرة من المواد الغذائية والمساعدات الإنسانية مما عزز مكانتها في صفوف المدنيين. وبالنظر إلى أن العديد من هذه المجموعات لديها أيديولوجيات متطرفة، سيكون لذلك آثاراً جذرية على عملية التفاوض. وعلاوة على ذلك، فان اثنتان من المجموعات المشاركة في كسر الحصار على حلب تحتفظان بمقاعد على طاولة التفاوض في جنيف، وهذا يعني بأن الأمم المتحدة فشلت في إقناع أي من جانبي الصراع بأن يثق في العملية أكثر من أن يثق في أسلحته. وإذا حذى السوريون حذو تلك الجماعات ووضعوا ثقتهم في الجماعات المسلحة التي لها تاريخ في ارتكاب انتهاكات حقوق الإنسان بدلاً من العملية السياسية التي تقودها الأمم المتحدة، سيكون هناك نذر يسير من القبول الشعبي للمشاركة في جنيف، الأمر الذي سوف يلحق ضرراً في الجهود المبذولة للتوصل الى عملية انتقالية وتحقيق العدالة لضحايا الصراع.

وفي الواقع، تشير كل الدلائل إلى أن جبهة النصرة، التي غيّرت اسمها إلى جبهة فتح الشام، ستستغل التطورات الأخيرة، وقد عبّر عدد من فصائل المعارضة بالفعل عن استعدادها للتعاون مع الجبهة. وكلما طال أمد الصراع، كلما زاد خطر قيام الجماعات المسلحة بتوسيع قاعدة دعمها وكسب المزيد من الشرعية بين السكان المحليين. وهكذا، فإن عملية السلام أكثر حيوية من أي وقت مضى، ولكنها تتطلب من وسطاء من الأمم المتحدة منح الأولوية لتدابير بناء الثقة، مما يضع ضغوطاً حقيقية على الحكومتين السورية والروسية للتخفيف من الأزمة الإنسانية. ولو أن شاحنات الغذاء التي دخلت المناطق المحاصرة في حلب قد أرسلت من قبل الأمم المتحدة بدلاً من الجماعات المسلحة، لكان لها تأثير رمزي هائل وحسّنت من صورة الأمم المتحدة في أوساط السوريين، مما يمنح الأمم المتحدة المزيد من الشرعية على طاولة المفاوضات. ولكن هذا يتطلب مقاربة مختلفة تركّز على الضحايا أولاً وقبل كل شيء، وليس على سياسة الوسطاء الدوليين الرئيسيين.

لمزيد من المعلومات ولتقديم الآراء وردود الأفعال، يرجى الاتصال مع المركز السوري للعدالة والمساءلة على info@syriaaccountability.org

تعليقات