العدالة والسلام: التناقض الزائف

 

 

على الرغم من أن محادثات السلام السورية قد تعثرت في الأشهر الأخيرة، تستمر المناقشات خلف الأبواب الموصدة بين الولايات المتحدة وروسيا للخروج من المأزق الحالي. وبينما تمضي هذه المناقشات قدماً، فقد أصبح من الواضح بشكل متزايد أن العدالة الجنائية ليست أولوية سواء بالنسبة للمبعوث الخاص للأمم المتحدة أو الوسطاء الدوليين. فعلى الرغم من أن مسألة العفو لم تُناقَش علناً، إلا أن هناك احتمالاً كبيراً بأن يتم شمولها في حال تم التوصل الى اتفاق نهائي. في الواقع، كما كتب المركز السوري للعدالة والمساءلة في العام الماضي، فإن حالات العفو هي عامل مشترك في اتفاقات السلام، وتأخذ العديد من الأشكال المختلفة، بدءاً من العفو المشروط (كما حصل في جنوب أفريقيا) إلى العفو الشامل بالجملة (كما حصل في لبنان). لكن الرفض لحالات العفو غير المشروط من قبل المحاكم الدولية والوطنية على حدٍ سواء في تزايد، بل وذهبت اللجنة الدولية للصليب الأحمر إلى حدّ التأكيد على أن رفض العفو الشامل عن أولئك الذين يتحملون المسؤولية الكبرى عن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان يشكّل جزءاً من القانون الدولي العرفي الذي يجب على جميع الدول الالتزام به.

وفي الواقع، لم يبدُ أن لقرارات المحاكم وآراء الخبراء تلك تأثيراً كبيراً على مفاوضات السلام، ولاسيما تلك الجارية في منطقة الشرق الأوسط. على سبيل المثال، فإن الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح ومعاونيه حصلوا على عفو شامل في اتفاق توسطت فيه دول مجلس التعاون الخليجي وبدعم من المجتمع الدولي. وعلى غرار ذلك، في سوريا، يبدو كما لو أن الرئيس بشار الأسد سوف يحصل على نوع من العفو بناء على الكيفية التي أولت فيها المفاوضات الأولوية للسلام على حساب العدالة حتى الآن. إذاً، ماذا تقول الممارسات الدولية حول ثنائية السلام مقابل العدالة وماذا يمكن للسوريين الذين يبحثون عن العدالة لمظالمهم أن يتوقعوا من اتفاق سلام في المستقبل يتم التوصل إليه عن طريق التفاوض في ظل الإطار الحالي؟

من الناحية التقليدية، كان يُنظر إلى العدالة على أنها عائق أمام السلام، ولكن هناك اعتراف متزايد بأن اتفاقات السلام التي لا تعالج المظالم غالبا ما تؤدي إلى تجدد الصراع. فقد أظهرت الدراسات أن البلدان التي تستخدم مزيجاً من العفو والمحاكمات هي أكثر احتمالا لأن تحظى بسلام دائم من الدول التي تستخدم آلية واحدة فقط. ويُعتبر نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية الأساس الذي تقوم عليه الفكرة الحديثة التي مفادهاعدم التضحية بالعدالة لحق جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الإبادة الجماعية لأي سبب من الأسباب، وقد قامت المحكمة الأميركية لحقوق الإنسان وكذلك المحاكم الوطنية في الأرجنتين وفي الآونة الأخيرة السلفادور بإلغاء قوانين العفو التي تحمي المسؤولين عن جرائم الحرب من المساءلة.

في الواقع، يجب أن يكون هناك توازن في السلام والعدالة. والسؤال الذي يطرح نفسه هو كيف يمكن الاستفادة من العفو للحصول على تنازلات مهمة وفي الوقت نفسه ضمان محاكمة الأشخاص الذين يتحملون المسؤولية. وفي صراعات طويلة وواسعة النطاق مثل سوريا، من الصعب جداً محاسبة جميع الجناة نظراً لحجم الانتهاكات. ووفقاً لدانيال سيروار، عضو مجلس الإدارة الجديد في المركز السوري للعدالة والمساءلة ومدير برنامج إدارة النزاع في كلية الدراسات الدولية المتقدمة بجامعة جون هوبكنز، “من المستحيل محاكمة كل شخص في وضع مشحون وعنيف مثل سوريا. وينبغي أن يعود الأمر الى السوريين لاتخاذ قرار بشأن من الذي يريدون محاكمتهم، استناداً إلى الأدلة المتاحة وقدرات أي نظام قضائي سيتم استخدامه وطبيعة التدابير الإدارية مثل الغربلة والتطهير التي هي أقل عبئاً على القضاء، الذي لا بدّ أن يكون قد وهن بعد حرب ضروس”. وإن البراعة هنا تقتضي تهيئة الظروف الملائمة للسلام في إطار اتفاق سياسي مع ضمان شعور المجتمع والضحايا بأنه تم الإقرار بمظالمهم وأنه سيتم معالجتها.

وحتى إذا تم تضمين آليات العدالة في اتفاق سلام نهائي، فعلى الأرجح بأن الجدول الزمني سيخيّب آمال معظم السوريين. وفقاً لسيروار فإن “تحقيق العدالة هو دائماً أبطأ مما يرغب الضحايا. الأمر الوحيد الذي يمكن تحقيقه بسرعة هو العدالة المجحفة، لكن هذا يمكن أن يؤدي إلى الانتقام والاستبداد وتجدّد النزاع”. وتشير أمثلة من دول أخرى مرت في مرحلة ما بعد الصراع أو ما بعد السلطوية إلى أن الأمر في كثير من الأحيان قد يستغرق سنوات، إن لم يكن عقوداً، لجلب الجناة إلى قاعة المحكمة. ويمكن أن يؤدي منح العفو الشامل إلى مزيد من التأخير في عملية العدالة التي تستغرق وقتاً طويلاً أصلاً. وتستغرق المحاكم الوطنية في البلدان الخارجة من الصراع وقتاً طويلاً لإعادة بناء قدراتها واكتساب قدرات كافية وشرعية واستقلالية من أجل مراجعة قوانين العفو الشامل وإلغائها. ففي تشيلي، كان قانون العفو العام 1978 الذي أقره النظام العسكري للرئيس أوغستو بينوشيه سارياً لمدة 20 عاماً قبل أن تقوم المحكمة العليا بإلغائه، مما أتاح الفرصة لعقد المحاكمات. ومنذ ذلك الحين، تم فتح 1000 قضية، وبحلول عام 2014، تم إصدار أحكاماً بالسجن على 75 من رجال الشرطة السرية التابعين لبينوشيه. ويمكن العثور على أمثلة مماثلة في الأرجنتين وغواتيمالا والسلفادور وكولومبيا وأوروغواي وبيرو. وخارج أمريكا اللاتينية، أصدرت المحكمة العليا في أوغندا مؤخراً حكماً بشأن قانون العفو العام لسنة 2000 الذي منح حصانة للمقاتلين وقادة جيش الرب للمقاومة. ووجدت المحكمة بأن القانون عفا عن جرائم دولية خطيرة، مما سمح بأن يتم محاكمة قائد جيش الرب توماس كويلو لقاء انتهاكات لاتفاقية جنيف الرابعة. وفي حين أن هذه الحالات تمثل اتجاهاً واعداً، فقد كانت آثارها العالمية محدودة حتى الآن، ولن تؤثر على الأرجح على نتيجة الصراع السوري.

ليس بالإمكان أبداً الاستغناء كلياً عن حالات العفو، لاسيما حالات العفو المشروط، وخاصة في الصراعات واسعة النطاق التي يوجد فيها عدد كبير من الجناة. ويتطلب الاستقرار وجود اتفاق سلام يتفق طرفا الصراع على توقيعه وتنفيذه. وفي المقابل، تقتضي العدالة الانتقالية قدراً من الاستقرار لتكون ممكنة. وهكذا، فإن العدالة الانتقالية والسلام هما في الواقع وجهان لعملة واحدة. وتعتمد العدالة الانتقالية على السلام، ويعتمد السلام طويل الأمد على نوع المصالحة الذي لا يمكن أن يوفّره سوى عملية عدالة انتقالية شاملة. وبالنسبة لسوريا، سيكون من المهم للأمم المتحدة والوسطاء الدوليين أن يعززوا التوازن بين العدالة والعفو في إطار اتفاق سلام نهائي. وسوف يتطلب ذلك تضحيات وخيارات صعبة، ولكن تجاهُل العدالة تماماً، كما هو الحال في اليمن، ليس خياراً مجدياً.

لمزيد من المعلومات أو لتقديم الآراء وردود الأفعال، يرجى الاتصال مع المركز السوري للعدالة والمساءلة على info@syriaaccountability.org.

 

انضم دانيال سيروار مؤخراً إلى مجلس إدارة المركز السوري للعدالة والمساءلة. ويحمل سيروار معه عقوداً من الخبرة سواء الحكومية وغير الحكومية في مجال حل النزاعات والمصالحة. ويدير دانيال برنامج إدارة النزاع في كلية الدراسات الدولية المتقدمة بجامعة جون هوبكنز في العاصمة الأميركية واشنطن، وهو باحث في معهد الشرق الأوسط. في السابق، شغل دانيال منصب نائب رئيس مراكز الابتكار التي تركز على بناء السلام في معهد أميركا للسلام وشغل منصب مستشار وزير الخارجية الأمريكية حيث ساعد في الوساطات بين الكروات والبوسنيين في التفاوض على الاتفاقية الأولى التي تم التوصل إليها في محادثات دايتون للسلام.

 

رد

أضف تعليق

(إلزامي)