محكمة الإرهاب في سوريا: أداة تنفيذ جرائم حرب تقرير صادر عن مركز توثيق الانتهاكات في سوريا

بيان صحفي عن محكمة الإرهاب في سوريا
بيان صحفي عن محكمة الإرهاب في سوريا – مركز توثيق الانتهاكات في سوريا

 

أصدر مركز توثيق الانتهاكات، وهو منظمة سورية لتوثيق إنتهاكات حقوق الإنسان، مؤخراً تقريراً بعنوان محكمة الإرهاب في سوريا: أداة تنفيذ جرائم حرب. ويورد التقرير تفاصيل إنشاء محكمة مكافحة الإرهاب في سوريا استجابة لقانون مكافحة الإرهاب رقم 19 الصادر في 28 حزيران/يونيو 2012، والذي تضمّن في مواده تعاريف “بالعمل الإرهابي والمنظمة الإرهابية وتمويل الإرهاب”، بالإضافة إلى العقوبات المترتبة على كل فعل من هذه الأفعال. ويستخدم هذا التقرير المعلومات المتاحة للجمهور والتوثيق الخاص به ليستنتج بأنه، ومنذ تأسيسها، لم تتبع محكمة مكافحة الإرهاب أصول المحاكمات، بل وأصدرت بدلاً من ذلك أحكاماً مسيّسة ومتحيّزة وغير عادلة بحقّ المعتقلين دون أي اعتبار لأدلة واقعية. ويوضّح مركز توثيق الانتهاكات بأن الغرض من إنشاء محكمة مكافحة الإرهاب هو “قمع وكتم أي صوت معارض وذلك لضمان استقرار النظام حيث تسيطر فئة قليلة على جميع مفاصل الحكم وجميع مقدّرات البلد”. ويوفر هذا التقرير معلومات قيّمة حول المؤسسات القانونية المعيبة في سوريا ويوضّح المجالات التي تحتاج إلى إصلاح مؤسّسي في العملية الانتقالية بعد انتهاء الصراع.

ويعتمد التقرير بشكل كبير على المقابلات التي أجريت مع خبراء قانونيين سوريين ومعتقلين سابقين. ونظراً لشبكته الواسعة في سوريا ودول الجوار، يحظى مركز توثيق الانتهاكات بموقع جيد يمكّنه من الوصول إلى إفادات وروايات مباشرة لهذا النظام المعمول به. حيث وصف أحد المحامين الذين تمت مقابلتهم المشاكل المؤسسية التي تعجّ بها محكمة مكافحة الإرهاب: “في معظم الوقت يقرّ المعتقلون تحت التعذيب…وأغلب المحالين إلى محكمة مكافحة الإرهاب هم من النشطاء السلميين والمواطنين العاديين. وللأسف، يتم الحكم عليهم من خلال هذه التهم في ظل غياب تام للأدلة…التي تسند اتهامات النيابة. ولا يأبه القاضي لإنكار المتهمين أمامه ويغض الطرف عن آثار التعذيب البادية عليهم”. وعلى الرغم من أن الإجراءات المحددة لكل قضية هي اعتباطية وغير معروفة نسبياً، إلا أن التقرير يصف عموم العملية التي يخضع لها المعتقلون. في البداية، يقوم مسؤولو الأجهزة الأمنية التابعة للحكومة بتعذيب المعتقلين لانتزاع اعتراف بارتكاب جريمة تدخل ضمن اختصاص محكمة مكافحة الإرهاب. وبعد الاعتراف، تحيل السجون المحلية القضية إلى محكمة مكافحة الإرهاب، وبعد ذلك ينقطع المتهمون عن أسرهم ومحاميهم ولا يتسرب سوى النذر اليسير من المعلومات بشأن محاكمتهم والأحكام الصادرة بحقهم. وبناء على هذه الاعترافات المنتزعة بالإكراه، غالباً ما تُصدر محكمة مكافحة الإرهاب أحكاماً بالإعدام أكثر من أي محكمة أخرى في سوريا. وتؤدي هذه الإفادات وغيرها الواردة في هذا التقرير إلى إضعاف الثقة في هذه المحكمة وعملية اتخاذ القرار الخاصة بها.

وبعد شرح اعتباطية الإجراءات التي تتبعها محكمة مكافحة الإرهاب، يدرس التقرير المحكمة من خلال العدسة القانونية لاتفاقيات جنيف التي تحظر على الدول أن تُصدر وتنفّذ أحكام الإعدام خارج نطاق القانون. ووفقاً للتقرير، فإن الحكومة السورية تنتهك اتفاقيات جنيف بشكل واضح من خلال العدالة الصورية لمحكمة مكافحة الإرهاب التي تفتقر إلى الضمانات الأساسية للنزاهة. ويختم التقرير بالقول بأن المحاكم لا تُستخدم كأدوات لتنفيذ جرائم حرب فحسب، وإنما التطبيق الواسع والممنهج للقانون رقم 19 قد يرقى كذلك إلى جريمة ضد الإنسانية. ويضيف التحليل القانوني لمركز توثيق الانتهاكات عمقاً لعملية التوثيق التي يقوم بها ويدعم النتائج التي تفيد بأن محكمة مكافحة الإرهاب تنتهك القانون الدولي بشكل واضح.

أحد المجالات التي أغفلها التقرير هو وصف المنهجية المستخدمة لجمع البيانات. حيث يذكر التقرير بإيجاز أنه قد تم إجراء مقابلات وتم جمع شهادات ولكنه لم يسهب في وصف عملية قابلة للتكرار. وعلى الرغم من أن الوضع الحساس في سوريا يفرض صعوبات في الكشف بشكل كامل عن التفاصيل العملية، فلو تم إضافة مخطط عام للمنهجية المستخدمة لأضفى ذلك مصداقية إضافية إلى النتائج وسمح بقدر أكبر من الشفافية والمساءلة. على سبيل المثال، لم يكن التقرير واضحاً فيما إذا تم استخدام أنماط مقابلات نوعية أو كمية وفيما إذا اعتمد الباحثون على الاستطلاعات أو المقابلات المعمقة. ولا يوفر التقرير كذلك معلومات عن حجم العينة وعملية اختيار العينة أو شرحاً للإطار الزمني والمدة التي استغرقها إجراء البحث.

وعلى الرغم من الثغرات المنهجية، يقدّم تقرير مركز توثيق الانتهاكات أدلة دامغة على أن محكمة مكافحة الإرهاب تنتهك أصول المحاكمات في كل مرحلة مما يشكّل جريمة حرب وربما جريمة ضد الإنسانية. وإن تأكيد التقرير على النظام القضائي المشين في سوريا يشير في نهاية المطاف إلى الحاجة إلى إجراء إصلاح مؤسسي. ويُعدّ الإصلاح المؤسسي أحد الجوانب الرئيسية لعملية العدالة الانتقالية وأمراً حيوياً لضمان أن التجاوزات التي أدت إلى حدوث حالة من السخط والصراع لن تتكرر في مرحلة ما بعد الصراع، مما يرسي القواعد لسلام طويل الأمد. وعادة ما تتعافى دول ما بعد الصراع مثل سوريا من عقود من الفساد والتلاعب السياسي الذي أدى إلى تآكل نزاهة الهياكل الحكومية، مما يتطلب تضافر الجهود لإعادة بناء هذه المؤسسات. ومن شأن البحوث المتعمقة، مثل التقرير الذي نشره مركز توثيق الانتهاكات، أن توفر نظرة ثاقبة في عيوب محددة داخل مؤسسات وقوانين أدت إلى ارتكاب انتهاكات ممنهجة وموثقة بشكل يومي في سوريا ويمكن أن توفّر توجيهات حول كيف يمكن إصلاح تلك المؤسسات والقوانين في الفترة الانتقالية.

يمكن الولوج إلى التقرير الكامل لمركز توثيق الانتهاكات هنا.

لمزيد من المعلومات ولتقديم الآراء وردود الأفعال، يرجى إرسال بريد إلكتروني إلى المركز السوري للعدالة والمساءلة على [email protected].

رد

أضف تعليق

(إلزامي)