الولايات المتحدة تقدم أول اعتذار عن سقوط قتلى بين المدنيين السوريين

ضربة جوية أميركية على الحسكة، سوريا، 2015. الصورة من قناة القيادة الأميركية المركزية على يوتوب
ضربة جوية أميركية على الحسكة، سوريا، 2015.
الصورة من قناة القيادة الأميركية المركزية على يوتوب

 

في 21 أيار/مايو، أصدرت القيادة المركزية الأمريكية المعروفة اختصاراً “سنتكوم” بياناً تعترف فيه بمقتل طفلين سوريين نتيجة الضربات الجوية الأمريكية التي استهدفت مواقع لجماعة خراسان، المرتبطة بتنظيم القاعدة، بالقرب من حلب في شهر تشرين الثاني/نوفمبر 2014. حيث أسفرت ستة أشهر من التحقيقات عن تقديم القيادة المركزية الأمريكية اعتذاراً علنياً. وجاء على لسان الفريق جيمس تيري قوله “نتأسف لوقوع ضحايا عن طريق الخطأ”.

ويعد هذا الاعتراف بسقوط ضحايا مدنيين هو الأول من نوعه منذ إطلاق الولايات المتحدة حملاتها ضد تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) وجماعات مسلحة أخرى في شهر آب/أغسطس 2014. ويُعدّ تصريح الفريق تيري سابقة مهمة للعمليات الجوية في سوريا، غير أنّ رسالته التي نُزِعت منها الصبغة الشخصية جاءت في وقت متأخر جداً بعد تنفيذ الضربات الجوية بحيث ضاع تأثيرها إلى حدّ كبير على السكان المحليين.

خلال الحرب العالمية الثانية، أقرّت الحكومة الأمريكية قانون المطالبات الأجنبية الذي يتيح للمواطنين غير الأمريكيين المطالبة بتعويضات لقاء أضرار تسبب فيها أفراد الجيش الأمريكي. وعلى الرغم من أن سريان القانون محدود فقط في الحالات التي يقع فيها الضرر خارج ساحة المعركة، إلا أنه من الناحية التاريخية جرت العادة أن تقوم القيادة المركزية بإصدار اعتذارات وتقديم تعويضات للمواساة (أيضاً تُعرف باسم “تعويضات بدل الضرر”) لقاء الإصابات التي وقعت أثناء القتال في حرب فيتنام.

واستمر تقليد تعويضات المواساة خلال الحروب في أفغانستان والعراق حينما قامت وزارة الدفاع الأمريكية بتطوير “نظام استخدام المال كسلاح”. وتُعتبر قيمة تعويضات المواساة هذه رمزية (بحد أقصى يصل إلى 2,500 دولار أمريكي في العراق) ويوضح الجيش الأمريكي بأن هذا التعويض الرمزي لا يرقى إلى اعتراف بالمسؤولية القانونية. وبدلاً من ذلك، يعتبر الجيش الأمريكي الاعتذار والتعويض المرافق له وسيلة للتعاطف مع الضحايا وإصلاح للعلاقات مع المجتمع المحلي المتضرر.

ولكن في الحروب الحديثة، تم استحداث استخدام الطائرات بدون طيار، حيث لا تضطر القوات الأجنبية للتواجد فعلياً في البلد، وبالتالي لا يوجد اتصال بينها وبين المجتمعات المحلية. على سبيل المثال، في سوريا وباكستان واليمن، نفّذت الولايات المتحدة ضربات جوية تمخّض عنها أضرار مباشرة بين صفوف المدنيين، غير أن الجيش لم يطبّق برنامج “تعويضات بدل الضرر” على هذه الدول. بل ونادراً ما يُقدّم أي اعتذار. وبالتالي، على الرغم من أن الاعتذار العلني الذي قدّمه الفريق تيري لم يأتِ مقترناً بتعويضات مواساة إلى أسر الطفلين القتيلين، إلا أنه أسّس لسابقة مثيرة للاهتمام يمكن، بل وينبغي، أن تنسحب على بقية قتلى المدنيين والبالغ عددهم 131، و42 منهم من الأطفال، الذين سقطوا نتيجة الضربات الجوية للتحالف في سوريا.

وفي إطار العدالة الانتقالية، تُعتبر الاعتذارات العلنية أحد الأشكال الرمزية للتعويض وجبر الضرر تهدف إلى إشعار الضحايا بأن تجربة مؤلمة قد انتهت، أو مساعدة الضحايا على التعافي منها. وإن مجرّد الإقرار بالضرر يقطع شوطاً طويلاً نحو بناء دعم وثقة على المستوى المحلي داخل المجتمع وتعويض الضرر الذي لحق بالفئة المتضررة. ولهذا فوائد على المدى الطويل تتمثّل في المساهمة في بناء السلام داخل المجتمع لأنه يقلّل من الرغبة في الهجمات الانتقامية. غير أن الاعتذار العلني ما هو إلا نوع واحد فقط من أدوات العدالة الانتقالية، وينبغي عدم النظر إليه على أنه تعويض كامل للضحايا وأسرهم.

وبالإضافة إلى ذلك، قد تكون الاعتذارات العلنية علنية جداً، وبالتالي، تُفتقر للصبغة الشخصية، بل وقد لا تصل إلى الأسر أو المجتمعات المتضررة. ومن شأن الاعتذار العلني الذي يرافقه إرسال رسالة خاصة أو إجراء زيارة إلى الضحية لتقديم تفسير وتعويضات بصورة شخصية أن يتسبب على الأرجح في إشعار الضحية بأن التجربة المؤلمة قد انتهت وأن يؤثر إيجاباً على قدرتهم على المضيّ قدماً في حياتهم. وينبغي كذلك أن تكون الاعتذارات العلنية والتعويضات شفافة وفي الوقت المناسب ليكون لها أثر ملموس. في حال كان هناك التباس حول سبب إصدار اعتذارات لقاء إصابات معينة أو سبب تعويض الأضرار في الممتلكات بقدر مكافئ لفقدان الأرواح، سيشعر الضحايا عندئذ بأنه لم يتم التصدي لمظالمهم فعلياً.

وعلاوة على ذلك، فقد جاء التحقيق الذي أجرته القيادة المركزية والاعتذار العلني بعد انقضاء ستة أشهر على وقوع الحادث، مما يقلل من تأثيره كأحد أشكال الإقرار بالضرر. وفي مقابلة أجريت معه في عام 2007، أوضح الجنرال ديفيد بترايوس أهمية التوقيت، حيث قال “كلما أسرعت في فعل ذلك، بدوت أكثر استجابة. وطبعاً، كلما بدوت أكثر قلقاً، بدت القيمة أكبر…”.

وعلى الرغم من ذلك، يوفّر الاعتذار العلني الذي قدّمته القيادة المركزية قدراً ضئيلاً من المساءلة ويؤسس لسابقة للتحالف للتحقيق والإقرار بجميع الإصابات والوفيات بين صفوف المدنيين. ويمكن أن تسهم جماعات التوثيق التي تتمتع بالمصداقية بمعلومات ذات قيمة كبيرة بالنسبة لهذه التحقيقات وتسرّع من وتيرة استجابة العسكر للقتلى بين صفوف المدنيين. وفي حين يُعتبر اعتذار القيادة المركزية خطوة أولى مهمة لقوات التحالف، إلا أن هناك بَون شاسع بينها وبين التصدي لمظالم السوريين التي طال أمدها وعملية عدالة انتقالية شاملة بوسعها الرد على الانتهاكات التي يرتكبها جميع أطراف الصراع.

لمزيد من المعلومات ولتقديم الآراء والملاحظات، يرجى إرسال بريد إلكتروني إلى المركز السوري للعدالة والمساءلة على

info@syriaaccountability.org

 

 

رد

أضف تعليق

(إلزامي)