تبعات تقرير التعذيب الذي مارسته وكالة الاستخبارات المركزية على سوريا

لن يفاجئ السوريون بقراءة ملخص تقرير لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ الامريكي حول برنامج الاحتجازوالاستجواب التابع لوكالة الإستخبارات المركزية (سي آي إيه) الذي نشر قبل نهاية العام الفائت. لقد عرف السوريين طويلاً عن برنامج التسليم الاستثنائي  إلى بلادهم، والذي أفضى بإرسال السي أي إيه لعدة مشتبه بهم بصلات بالإرهاب إلى سوريا، على الرغم عن معرفتهم بانتشار التعذيب واستخدامه من قبل نظام الأسد.

وكشف تقرير صدر عام 2013 عن مبادرة المجتمع المفتوح للعدالة بان سوريا “أحد الاماكن المشهورة لتسليم المشتبهين” مع ظروف اعتقال مزرية. تم تسليم تسعة رجال، بعضهم لا يزال مفقوداً، إلى سوريا من خلال البرنامج الاستثنائي الاميركي، بما في ذلك ماهر عرار، وهو مواطن كندي من أصل سوري اعتقل من قبل دائرة الهجرة والتجنيس في الولايات المتحدة في مدينة نيويورك عام 2002.

وعوضاً عن تسليمه إلى المسؤولين الكنديين، اتهم الأميركيون عرار بعلاقات مع تنظيم القاعدة وتم إرساله  إلى سوريا حيث قال أنه اعتقل على الفور، وعصبت عيناه، وتم تحويله إلى مركز الاعتقال حيث تعرض للضرب والتعذيب مراراً و تكرراً، و بقي في السجن لأكثر من سنة. اعتذرت كندا في وقت لاحق لعرار واتفقت الحكومة معه على تسوية خارج المحكمة، ولكن كل من كندا والولايات المتحدة بقيتا تصران على أن قضية عرار كانت إحدى حالات الترحيل وليست تسليماً استثنائياً. ومنذ صدور تقرير التعذيب المشار إليه أعلاه، نشط عرار على تويتر داعياً الولايات المتحدة إلى تحمل المسؤولية ومعالجة الوضع  بدلاً من مجرد الاعتراف بما حصل.

وبالنظر قدماً، فسيكون لتقرير التعذيب عدد من الآثار المتعلقة بجهود العدالة الانتقالية المدعومة من قبل الولايات المتحدة في سوريا:

فقدان الموقع الأخلاقي:

ينتقد مسؤولون أميركيون العديد من دول الشرق الأوسط لسجلاتها السيئة في مجال حقوق الإنسان، بما في ذلك سورية. غير أن الكشف عن ممارسات وكالة الاستخبارات المركزية التعذيب على نطاق واسع دون مساءلة أو عقاب يعني أن أي جهود أميركية  لدعم المساءلة حول الإنتهاكات الوحشية التي ارتكبها نظام الأسد أو متطرفون إسلاميون قد تفشل. لا سيما أن النظام السوري سيستخدم  الآن ذريعة “مكافحة الإرهاب” ذاتها التي استخدمتها الولايات المتحدة أثناء إدارة جورج بوش لتبرير إنتهاكاته.

أليست “حماية البلاد من الإرهابيين” هي الذريعة التي يستخدمها الأسد لتبرير التعذيب؟ كيف يختلف ذلك عن ديك تشيني؟

بكل بساطة، لا يمكن للولايات المتحدة أن تكون بمثابة بوصلة أخلاقية في الوقت الذي شجعت فيه، بشكل مباشر أو غير مباشر، التعذيب وممارسات غير إنسانية. وفي الوقت ذاته، فإن تدهور المكانة الأخلاقية للولايات المتحدة في الشرق الأوسط وحول العالم أصبح يشكل توجهاً مستمراً ينبغي على المسؤولين الأمريكيين التعاطي معه بجدية.

تعزيز الاعتقاد بأن الولايات المتحدة تدعم الأسد

ساعدت الضربات الجوية التي تقودها الولايات المتحدة ضد الجماعات الاسلامية المتطرفة، مثل تنظيم داعش، جهود النظام السوري لخنق جماعات المعارضة المعتدلة داخل البلاد، مثل بقايا الجيش السوري الحر. وعلى الرغم من أن إدارة الرئيس أوباما بذلت جهدها لمكافحة هذا التصور، يشجع تقرير التعذيب وعدم المساءلة الأمريكي شعور السوريين بأن الولايات المتحدة تحمي الأسد بسبب خدمات سياسية قدمها في الماضي. وبذات الطريقة، استخدم المتشددون تقرير التعذيب كدليل على وجود “حرب” كبرى تشنها الولايات المتحدة ضد الإسلام.

يمكن لآليات العدالة الانتقالية في سوريا أن تورط السي آي إيه

إذا اسقط نظام الأسد، فمن المرجح أن تقام محاكم أو لجان تقصي الحقائق، وستوجه اتهامات ضد مسؤولين سوريين لارتكاب جريمة التعذيب مع إمكانية أن تتورط وكالة الاستخبارات المركزية بسبب برنامج التسليم الاستثنائي إلى سورية. على الرغم من أن الولايات المتحدة غير ملزمة بالاشتراك بالتحقيقات، إلا أنها ستقوض جهودها الذاتية لدعم العدالة الانتقالية في سوريا فيما لو رفضت التعاون.

لا يساعد إستمرار هذه التصورات مصالح  الولايات المتحدة ولا مصالح السوريين. ستعمل فقط على زيادة مشاعر العداء للولايات المتحدة وزيادة التطرف في المنطقة.

أعزائي الأميركيين، إن بقيتم تصرون أن “تقنيات الإستجواب المعززة” ليست تعذيباً، ولن تساءلوا المسؤولين عن التعذيب، فرجاء توقفوا عن إلقاء المحاضرات للدول الأخرى حول حقوق الإنسان

مع استمرار الجدل حول تقرير التعذيب، يجب على الولايات المتحدة ومواطنيها أن تأخذ بعين الإعتبار هذه النقاط عند مناقشة موضوع مساءلة المشاركين في برنامج التسليم الاستثنائي. على الرغم من أن التعذيب الذي يتحدث عنه التقرير انتهى منذ سنوات، إلا أن آثاره تمتد إلى جميع انحاء المجتمع الدولي، خاصة في الشرق الأوسط حيث يشكك المجتمع بمصداقية الولايات المتحدة ونواياها في المنطقة. قبول المسؤولية والاعتذار عن أفعالها تحت برنامج التسليم الاستثنائي والتعهد بعدم تكرارها يشكل خطوة أولى هامة في محاولة الولايات المتحدة استعادة مصداقيتها في المنطقة والسعى للعدالة والمساءلة في سورية.

رد

أضف تعليق

(إلزامي)