التعويضات: تقوم على الحوار وعلى التوثيق والبيانات

يلقي نص اليوم الضوء على المذكرة الرابعة من مذكرات المركز السوري للعدالة والمساءلة. للمزيد عن برامج التعويض وجبر الضرر، تفضل بمراجعة النص الكامل: “إستخدام البيانات والتوثيق والأدلة في إجراءات التعويض“. تم إعداده للمركز السوري للعدالة والمساءلة من قبل كريستلا ياكنثو.

يجب ألا تعتبر عمليات التعويض من برامج ما بعد الحرب؛ في أفضل السيناريوهات، فإن الكثير من العمل التحضيري الأولي يحدث بينما لا يزال النزاع جارياً. وبالتالي، فإن عمليات التعويض تحمل أهمية خاصة بالنسبة لسوريا اليوم. نظراً لحجم الدمار، لا يمكن للضحايا في سوريا توقع التعافي التام من خلال التعويضات. مع ذلك، يمكن أن تبدأ التعويضات بمعالجة الأضرار المادية والبشرية التي تكبدها الضحايا طوال فترة النزاع. لتمهيد الطريق لتعويضات جديّة، يجب على السوريين والمجتمع الدولي دعم عملية توثيق غير مسيّسة لانتهاكات حقوق الانسان وبدء حوار حول أشكال التعويضات المتاحة للضحايا في سوريا.

المكان : الـغــوطـة. صورة من عدسة شاب دمشقي
المكان : الـغــوطـة. صورة من عدسة شاب دمشقي

تقود عمليات جمع البيانات والتوثيق، وتجسّد برامج التعويضات. تشكل الأدلة الموثقة عن حالات النزوج والموت والإصابات الأساس الذي يمكن أن يطلب الضحايا االتعويض رسمياً على أساسه. لا يمكن أن تبدأ جهود التعويضات إلا بعد جمع أدلة ملموسة يمكن العمل بها. وعلاوة على ذلك، فإن طبيعة التعويضات يتوقف على طبيعة البيانات التي تم توثيقها. إن لم توثق جريمة ما، فقد لا يكون من الممكن المطالبة بتعويض بخصوصها أثناء بدء عملية التعويضات. إذا قدمت الجرائم الموثقة صورة مشوهة للنزاع، فإنها ستحرف وتشوه عمليات التعويض أيضاً.

ونظرا لتأثير البيانات والتوثيق، فإنه من بالغ الأهمية أن تكون عمليات التوثيق لانتهاكات حقوق الإنسان شاملة، ممثلة، ونزيهة. وينبغي جمع البيانات لمختلف الأماكن والأوقات، الأمر الذي من شأنه أن يساعد على رسم صورة لحجم النزاع ومدى الجرائم ومعاناة الضحايا. بالإضافة إلى ذلك، يجب أن تكون البيانات قد جمعت من جميع الأطراف في النزاع، وأن تعكس الأضرار التي تعود على جميع الأطراف. هذا أمر أساسي يتركز في قبول الناس الذين عاصروا النزاع لمصداقية التوثيق. إذا تم حذف ضحية أو حالات لمجموعة ما من البيانات والتوثيق، فإن الضحية أو المجموعة قد لا تعتبر البيانات والتوثيق ذي مصداقية. لذلك، فإن التوثيق الفعال يزيد من احتمال القبول الجماعي لبرامج التعويض.

في حالة سوريا، هذا يعني أن البيانات والتوثيق يجب أن يجمع على طوال فترة النزاع، والتوثيق يجب أن يغطي جميع الأطراف ووجهات النظر. لقد مر على النزاع في سوريا ثلاث سنوات. جمع البيانات والتوثيق الفوري (المعاصر) هو الطريقة الأمثل نظراً للتحديات وصعوبات إجراء المقابلات وتحديد الوقائع بعد مرور الزمن. لكن لم يفت الأوان في سوريا؛ يجب على جامعي البيانات توثيق مجمل النزاع المستمر منذ ثلاث سنوات والاستعداد لتوثيق فوري لطول فترة النزاع مهما استمرت. علاوة على ذلك، يجب على الموثقين طلب البيانات من جميع أطراف النزاع.

 تعتمد عمليات التعويض على قبول الضحية لبرنامج التعويض، والتي لا يمكن أن تتحقق إلا إذا تأكد الضحايا أن العملية غير مسيَسة، وعندما تكون البيانات والتوثيق الذي تم جمعه يعكس على نحو كاف التجارب الشخصية والمعاناة للضحايا. جمع بيانات محايدة هو خطوة أولى حاسمة. تسهّل البيانات التي يتم جمعها بعدالة وحيادية بداية سريعة لبرامج التعويضات بمجرد إنتهاء النزاع.

على افتراض جمع البيانات الفعالة، فإن برامج التعويضات قد تتخذ أشكالا مختلفة. فغالباً ما تستخدم تعويضات مادية ورمزية. وتشمل التعويضات الرمزية اعتذارات رسمية، والنصب التذكارية، ومشاريع الترميم، وبرامج التعليم العام التي تعترف بالضحايا ومعاناتهم. قد تتكون التعويضات المادية من دفعات مالية لعائلات الضحايا، والمعاشات التقاعدية للضحايا والناجين، والأموال للبرامج الاجتماعية لمجتمعات الضحايا. نظرا لتعدد أشكال التعويض المتاحة، يمكن أن يستفيد السوريون من جميع هذه الأشكال.

فتح النقاش العام اليوم أمر ضروري لتقييم أشكال التعويضات المطلوبة، وقابليتها للتطبيق، وفعاليتها في السياق السوري. في نهاية المطاف، يتوقف نجاح فكرة التعويضات على قبول الضحايا بهذه البرامج، لذلك فإن حوارات التعويضات يجب أن تفتح على نطاق واسع.

مثالياً، ينبغي أن تكون العملية تشاركية وتشاورية، وأن تكون مقودة باحتياجات الناس. على الرغم من أن جمع البيانات الآنية هو الصيغة المثلى، فإن تأخر تنفيذ برامج التعويض يعد أمر مقبولاً إذا كان هذا التأخير سيسمح لمزيد من الوقت لتصميم البرامج وفقاً لاحتياجات الضحايا.

من المرجح أن سوريا بعد النزاع ستملك موارداً مالية محدودة لمثل هذه البرامج؛ وبالتالي، فإنه على الضحايا أن يقرروا أي البرامج منخفضة التكلفة (مثل الاعتذارات الرسمية) يريدون، وأي البرامج ذات التكلفة العالية تعد أولوية كبيرة بالنسبة لهم. كما هو الحال مع التوثيق، فإن مناقشة التعويضات الآن، خلال النزاع، سوف يساعد على إطلاق آليات وبرامج التعويض فور إنتهاء النزاع.

قد يبدو الوضع في سوريا كئيباً، لكن هذه الكآبة يجب ألا تحول دون عمل شيء. يمكن للسوريين والمجتمع الدولي القيام بإجراءات ملموسة، والتقدم من خلال المشاركة البناءة في التوثيق الفعال والحوار على نطاق واسع في إطار التحضير للتعويضات في المستقبل.

رد

أضف تعليق

(إلزامي)